الوضع المظلم
السبت ٢٢ / يناير / ٢٠٢٢
Logo

الإخوان المسلمون والأجندات التركية.. استبعاد الكُرد كأولوية

الإخوان المسلمون والأجندات التركية.. استبعاد الكُرد كأولوية
الإخوان والكرد

منذ بدء الحراك الثوري في سوريا، بتاريخ الخامس عشر من آذار/ مارس للعام 2011، صدحت حناجر السوريين الثائرين على النظام الحاكم في دمشق بقيادة آل الأسد والنظام السوري، بوحدة الشعب السوري ومصيره المشترك، على قاعدة بناء وطن جديد، يمنح مختلف السوريين حقوقهم، ويساوي بينهم بالواجبات والفرص، وينهي عقوداً من الإنكار والصهر القومي الممارس، وهو ما تأمله بشكل خاص المكون الكُردي في شمال سوريا.


الإنكار ينتقل من النظام إلى المعارضة السياسية


فنظام دمشق، لم يعترف يوماً بوجود ملل أو قوميات أخرى في سوريا، باستثناء العربية، وكان يوصم الأقليات القومية والدينية وغيرهم بأنّهم "عرب سوريون"، وذلك في إطار التجييش العنصري بحقهم، لتمزيق المجتمع السوري، وتأليب أحده على الآخر، بما يضمن ولاء الفئات المستفيدة منه، ويُبرر بالتالي سياسات الإهمال في المنطقة الشرقية من سوريا من جهة والريف السوري بشكل عام، بجانب التخندق القومي المُستتر تحت راية "البعث"، الناعت للكُرد بـ"الانفصالية"، بما يكفل إخفاء عورة النظام "الطائفية" أمام السوريين.


اقرأ أيضاً: عفرين.. ثلاث سنوات من وهم الانتصار التركي-الإخواني


لكن واقع السنوات العشر المنصرمة، أثبت زيف تلك الادعاءات، إذ بقيت المناطق التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" التي يعتبر الكُرد عامودها الفقري المُؤسس، المناطق الأغنى قومياً ودينياً، بل عملت "الإدارة الذاتية" التي تدير مناطق "قسد"، على تعزيز الهويات القومية والدينية والمذهبية، انطلاقاً من قاعدة احترام الآخر، والتعايش المشترك القائم على قيم الأخوة الإنسانية، التي تتجاوز الفوارق والاختلافات البينية، في الوقت الذي كانت تغزو فيه العنصرية والطائفية مختلف المناطق السورية، التي طحنتها الحرب بين المعارضة والنظام، ووصلت إلى حدّ ارتكاب مجازر طائفية عقب سنوات من حمل السلاح.


ورغم الواقع المُعاش في مناطق "الإدارة الذاتية"، التي تعتبر "ثورة" على عقلية النظام والمعارضة معاً، لم يعترف لا النظام ولا المعارضة بها، فالأول يسعى للعودة بالزمن إلى ما قبل الخامس عشر من مارس العام 2011، والثاني يسعى للإطاحة بالأول والاستمرار بذات النظام المركزي المتسلّط، لكن مع تبديل الهوية الطائفية للمتحكمين بالقرار في دمشق، ناهيك عن الخلافات المدارة حول كيفية إدارة تلك المناطقمن قبل الإدارة الذاتية وإشراك جميع المكونات فيها وبطرق استراتيجية واضحة للجميع.


الانتفاضة الكردية


الكُرد معارضون تاريخياً للنظام


يحتفي الكُرد السوريون قبل ثلاثة أيام من بدء الحراك الثوري السوري من كل عام، وتحديداً في الثاني عشر من آذار/ مارس، بذكرى "انتفاضة قامشلو 2004" التي فقد فيها عشرات المواطنين الكُرد من "ديريك/ المالكية" إلى عفرين، مروراً بـ(قامشلي وعامودا وكوباني وأحياء الشيخ مقصود والأشرفية بحلب)، حياتهم، نتيجة انتفاضة عارمة استمرت حينها قرابة الأسبوع، احتجاجاً على تعامل النظام السوري مع مشجعي نادي كروي من قامشلي، خلال مواجهة نادي آخر من مدينة دير الزور.


اقرأ أيضاً: 2020.. فرنسا تواجه عواصف الإسلام السياسي: لن نكون ألمانيا ثانية


وكان جليّاً، حينها، أنّ النظام أعدّ لتلك المقتلة، بالتوازي مع الحرب الأمريكية على العراق، إذ رغب النظام السوري في توجيه صفعة لكرد العراق، من بوابة الكرد في سوريا، وليست القضية محصورة على ذلك، فطوال عشرات السنوات من حكم البعث وآل الأسد، أمضى آلاف الناشطين الكُرد السياسيين واللغويين سنوات من أعمارهم خلف القضبان، نتيجة نشاطات مُطالبة بحقوق الشعب الكردي والاعتراف بهويته، ورفع السياسات العنصرية في حقه، وإزالة آثار القوانين الجائرة الصادرة في مناطقه، كالإحصاء الاستثنائي للعام 1962، الذي جرد مئات الآلاف منهم من الجنسية السورية، بجانب منعهم من افتتاح المشاريع الاقتصادية في مناطقهم، لدفعهم إلى هجرها وتركها فارغة للغرباء، إضافة إلى الإهمال الإداري والتنظيمي والخدمي المتعمد والمقصود.


كل تلك العوامل وغيرها، والتي يصعب سردها، وضعت الكُرد السوريين في صف المعارضة التاريخية للنظام السوري، لكنها اتسمت بالطابع السلمي، المُنادي بالحقوق، دون السعي إلى قلب نظام الحكم، كونهم (أي الكُرد) لم يكونوا يطمحون لمُنافسة الأسد على كرسيه، بل التمتع بحقوقهم كسائر السوريين الآخرين، دون تمييز عنصري يقصيهم من الحياة المدنية والسياسية والعسكرية في البلاد.


الإخوان ومُخالفة العقل والمنطق


ومع بدء الحرك الثوري في سوريا، ورغم عداء النظام للكُرد، اتسم خطاب المعارضة السورية المُقادة إخوانياً، بإقصاء باقي الأطراف السورية، بأوامر تركية مباشرة، والتي أنتجت نهاية ما يعرف بـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، المتبني للرؤية التركية للواقع في سوريا، عبر وصم الكُرد السوريين بشتى النعوت والأوصاف، واتهامهم بالسعي للانفصال عن سوريا، علماً أنّ مليشيات ذلك الجسم السياسي، والتي تعرف بـ"الجيش الوطني السوري"، ترفع الأعلام التركية، وتتعامل بالليرة التركية واللغة التركية، بل يحمل بعضها أسماء سلاطين عثمانيين، كـ لواء السلطان مراد ولواء السلطان سليمان شاه ولواء السلطان عبد الحميد خان، وغيرهم الكثير.


اقرأ أيضاً: أوروبا تستفيق مُتأخرة على استغلال الإسلام السياسي لقوانينها


ذلك ما اعتبر مُخالفة للعقل والمنطق، إذ خسرت المعارضة السورية تأييد الكُرد السوريين، خاصةً عقب تحولها إلى أداة تركية لتهجيرهم من أرضهم وسلبهم حقوقهم وبيوتهم وأملاكهم، وتحول ممتلكاتهم إلى غنائم، كما حصل في عفرين، في الثامن عشر من مارس للعام 2018، عندما استبيحت المدينة وجرى سرقة كل ما وصلت إليه أيدي مسلحي "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة" عقب تهجير قرابة 350 ألفاً من سكان عفرين الكُرد، عقب 58 يوماً من الهجمات والمعارك والقصف المدفعي والجوي، وهو ما تكرر في العام التالي في مدينتي رأس العين/ سريه كانيه وتل أبيض، أكتوبر العام 2019، والتي هجر منها أيضاً عشرات الآلاف المواطنين، كرداً وعرباً، هذه المرة. 


افتقاد المعارضة المُقادة إخوانياً للقرار.. وتبعيتها العمياء لتركيا


وعقب عشر سنوات من الحراك الثوري في سوريا، تحولت المعارضة السورية، التي تعتبر نفسها الممثلة لـ"الثورة" إلى أداة تركية طيعة، تنفذ ما يطلب منها، وتكرر ما يقوله الأتراك الببغاوات، دون أدنى تفكير، أو إحساس بالجريمة التاريخية التي يقترفونها، باستبعاد الكُرد السوريين من الحل، كأولوية تركية في سوريا، نتيجة لخشية أنقرة من انتقال تلك المطالب إلى الكُرد في تركيا، بجانب منح الأتراك المُبرر لغزو الأراضي السورية، وتتريكها معلمياً، وهندستها ديموغرافياً.


اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يُوجّه أوروبا لدروب وعرة ومُنزلقات خطيرة


وهو ما يجري بالتنسيق مع النظام السوري، التي يدّعي "الائتلاف" أنّه مُعادٍ له، فما تهجير الكُرد السوريين، وتوطين الأهالي المُهجرين من أرياف دمشق وحمص وغيرها، عوضاً عنهم، إلا غاية مشتركة بين الجانبين (التركي والسوري)، تضمن إبعاد الكُرد عن الحدود التركية، بجانب ضمان إبعاد أهالي دمشق وحمص وغيرها من المعارضين، فكلاهما (أنقرة ودمشق)، رابحتان من تهجير الفئات المعارضة لهما، لجهة توطين آخرين يوالونهما في المناطق القريبة من نفوذهما، وهي هندسة ديموغرافية فاضحة، وجريمة كبيرة ضد الإنسانية، تُرتكب على مسمع العالم بأسره، دون أن يكون هناك من يردعها، بينما يدفع وسيدفع السوريون، من عرب وكرد، ثمنها تهجيراً واحتراقاً لأرواحهم المُشتاقة لأرض أبائهم وأجدادهم.


ليفانت-خاص


إعداد وتحرير: أحمد قطمة

facebook
facebook

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!