“يونيو 2013- مارس 2021”.. هنا القاهرة تمت العملية بنجاح

رشا عمار

ما بين يونيو ٢٠١٣ ومارس٢٠٢١، سجال جيوسياسي طويل بين القاهرة وأنقرة، اعتمدت فيه مصر على سياسة النفس الطويل والحكمة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، والتزمت خلاله القاهرة بالشرعية الدولية والقانون خاصة في الملفات المشتركة مع القوى الدولية والإقليمية وأهمها، الملف الليبي، وغاز شرق المتوسط. القاهرة 

في ٢٠١٣ ظنت أنقرة أن مصر ضعيفة وقابلة للانكسار أمام موجات الضغط السياسي والاقتصادي وكذلك استغلال الهشاشة الداخلية وحالة عدم الاستقرار السياسي والاستقطاب الذي بلغ ذروته، بدعم التنظيمات الإرهابية في الداخل والخارج وتمويل مئات اللجان الألكترونية والخلايا التي دأبت على استفزاز القاهرة ومحاولة إثارة الرأي العام وتشويه القيادة السياسية وكذلك تصدير صورة مشوهة للخارج عن الأوضاع في مصر باستغلال ملفات حقيقية مثل الإجراءات الاقتصادية أو ملف سد النهضة على سبيل المثال، وجرى تزييف وخداع المصريين بتكثيف تلك المنابر.

احتضنت تركيا قيادات الإرهاب الهاربة من مصر، الصادر ضدهم أحكام باتة، ورفضت تسليمهم بعد طلبات متكرة من القاهرة عبر الإنتربول الدولي، وكثفت الدعم المالي واللوجيستي لهم خلال السنوات الأولى من إقامتهم على الرغم من رفض المعارضة التركية الممثلة لقطاع يتجاوز 50% من الشعب، وفق استطلاعات الرأي الأخيرة لوجودهم، وتقديم أي دعم لهم بالتحدي لمصر.

توسع أردوغان خلال هذه السنوات في معاداة دول الجوار وتحدي المجتمع الدولي، بالاعتماد على استراتيجة منحرفة لتحقيق أهدافه اعتمدت على محاور؛ دعم التنظيمات المؤدلجة وتمويل الإرهاب، وهذا ما أثبته تقرير أمني لوزارة الخزانة الأمريكية صدر في نهاية العام الماضي، أكد أن مؤسست تركية قدما دعما ماليا لتنظيم داعش تجاوز 100 مليار دولار بمعرفة الحكومة وتحت أعين المراقبين.

كما اعتمد أردوغان على سياسة استفزازية في حدي قرارات الشرعية الدولية بالتنقيب الغير قانوني عن الغاز في مياه شرق المتوسط بالرغم من أنه رفض الانضمام لاتفاقية ترسيم الحدود التي وقعتها دول الجوار الشركاء في غاز البحر المتوسط، مصر واليونان وقبرص، وفضل أردوغان أن يستعرض قواه بإرسال سفن للاستكشاف وليس التنقيب لأنه لا يملك أصلا حق التنقيب في مياه الجوار وإن حدث كان سيتعرض لعواقب وخيمة، ولعلنا نذكر جميعا ما حدث عندما حاولت سفينة تركية جس النبض بالاقتراب من المياه المثصرية فتعاملت معاها البحرية المصرية على الفور.

المحور الأهم والأخطر في السياسة التي اعتمدها أردوغان هو التواجد العسكري غير المشروع في عدة دول مثل سوريا وليبيا، وإن كانت مصر قد وضعت خط أحمر لتلك التجاوزات في ليبيا، لم تتمكن تركيا يوما من تجاوزه، إلا أن العدوان التركي على سوريا ودعم وتمويل المرتزقة سيظل جريمة تلاحق أردوغان دائما.

في المقابل، عملت القاهرة في صمت وتجاهل شديد لكافة التصرفات التركية على عدة محاور نتج عنها اليوم استجداء تركي لخطب ود مصر وعقد أي تفاق معها بشروطها.. فماذا فعلت؟

في البداية تجاهلت مصر تماما كافة الاستفزاز والتصريحات التركية عبر مسؤولين أبرزهم ياسين أقطاي أو حتى الرئيس التركي نفسه، واكتفت القاهرة بتكرار القول إنها تعرف أعدائها وتعرف كيف تتعامل معهم.
ثانيا: نجحت مصر في تحقيق الاستقرار الداخلي مما ساهم بشكل كبير في تحريك عجلة الاقتصاد، وتحقيق الأمن ودفع معدلات التنمية بشكل غير مسبوق، كما نجحت في تنويع مصادر تسليحها وتزويد منظومتها الدفاعية بأقوى الطرزات وأحدثها وجعلت جيشها في حالة جاهزية تامة ومستمرة للتعامل مع أي تهديدات تواجه الوطن داخل الحدود وخارجها.

ثالثا: نجحت المنظومة الأمنية المصرية من خلال عمليات مكثفة وضربات استباقية محددة الهدف في هزيمة الإرهاب الذي استشرى في البلاد عقب 30 يونية حتى انخفض معدل العمليات لأقل من 10% مقابل 90% في 2014.

رابعا: نجحت الدبلوماسية المصرية في استعادة مكانة مصر وعلاقاتها التاريخية مع الدول ذات الروابط الاقتصادية والسياسية والعسكرية المشتركة وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوربي، التي بدأت تشعر بالاستياء والقلق تجاه تركيا في الوقت ذاته.

خامسا: التزمت مصر بالقانون واحترام سيادة الدول والالتزام بالاتفاقيات الدولية في كافة تحركاتها الخارجية كما نجحت في تدشين منتدى غاز شرق المتوسط بترحيب أممي وأمريكي، وهو ما اكسبها قوة إضافية في كسب حلفاء جدد وتوطيد علاقتها بالحلفاء التقليدين، في الوقت الذي كانت تركيا تخسر حلفاءها يوما تلو الآخر.

سادسا: استفادت مصر كثيرا من سياسة النفس الطويل والصبر على التجاوزات والالتزام بالقانون والدبلوماسية، وهو ما جعل موقفها أقوى بكثير في حين رغبة تركيا الحديث عن مفاوضات أو تفاهمات، فإن الأمر تم بشروط القاهرة وبعد شهور من محاولات التواصل والتنسيق على مستوى عالي.
سابعا: نجحت مصر في دعم الملف الليبي بالحوار والتفاهم بين جميع الفرقاء، وبالتالي استعادت دورها التاريخي في هذا السياق، وليس بدعم التنظيمات المسلحة وتهريب السلاح، بخرق القرارات الدولية كما فعلت أنقرة على مرآى ومسمع العالم أجمع.

أخيراً، ما حدث بين( 2013-2021) هو انقلاب حقيقي لموازين القوة بين القاهرة وأنقرة وحسم تاريخي للملف الذي ظل عالقا بين البلدين يتعلق بمدى قوة الجهاز الأمني والاستخباراتي ونجاح القيادة السياسية في كلا البلدين على حسم كافة القضايا لصالح بلادها، لا أبالغ حين أقول أن القاهرة نجحت في إعادة صياغة التاريخ، وأنها رغم كل ما مرت به على مدار 10 أعوام، نجحت في تقديم نفسها بعتبارها قوة إقليمية رصينة ودولة تضرب بجذورها التاريخية بعيدا، وأنها ستظل مصر مهما كانت ومهما جرى بالزمان أظن الإجابة واضحة:” من القاهرة إلى أنقرة: تمت المهمة” القاهرة 

رشا عمار

ليفانت – رشا عمار ليفانت