من الثورة إلى المجلس العسكري

عمار ديوب
عمار ديوب

لم تفشل الثورة السورية إلّا لأنّ النقد أُهمِل من المتسلطين عليها، فتطوّرت بما يناقض أهدافها في الانتقال الديموقراطي، وكثورةٍ شعبية مواطنية. آخر القضايا التي يُراد ألّا تُناقش بجديّةٍ هي المجلس العسكري، وصلاحياته. تطرّق له كثرٌ، منذ أن أُعلن عنه في 2013، ثم قبل أسابيع قليلة، ومازال حديث الساعة السوريّة.

إنّ أسباب تقدّم الحديث عنه يكمن في فشل كافة المسارات الدوليّة؛ الروسيّة والأمريكيّة، ولنقل عدم وصول هذه الدول إلى توافقٍ على تسويةٍ للوضع السوري. إنّ حكم العسكر، هو، ولا شك، يتيح ضبطاً للأوضاع المنفلتة، سيما إن كان عليه إجماعٌ شعبيٌّ من المعارضة والموالاة، وبدا أن هناك ما يشبه ذلك، سيما أنّ الفشل الكامل يغطي السلطة والمعارضة، حيث أكلا من عمر السوريين عشر سنواتٍ عجاف، وليس في الأفق نهاية. المشكلة أنّ البضاعة المستجدة “المجلس” لم يشترها الأمريكان أو الروس بعد، ولهذا يتسلى بها الكُتاب، وأنا منهم، ولها دون شك ما يبرّرها.

بتقدّم فكرة المجلس العسكري، تراجع الحديث عن الائتلاف الوطني وكافة المؤسسات المنبثقة عنه، وكذلك قسد وهيئة تحرير الشام والفصائل التابعة لتركيا، ليظهر، وكأنّ هذه التشكيلات لا قيمة لها، وهي مجرد مؤسسات لم يحن بعد إطلاق الرصاص عليها من قبل الروس والأمريكان. كما قلنا، حتى الآن، لم تشترِ الأطراف الفاعلة البضاعة الجديدة، وبالتالي سيظلّ الائتلاف وبقية المؤسسات جاثمين على صدر السوريين من غير المولاة. المقصد، كما النظام لم يعد يمثّل مصالح المولاة، كذلك المعارضة المكرّسة، العربيّة والكرديّة وسواهما. إنّ استمرار هذه التشكيلات السياسية، كما تأخر تشكيل المجلس أعلاه، يعود إلى تحكّم الأطراف الإقليمية والدولية بكل ما يخص الشأن السوري، وبالتالي ليس هناك من أفقٍ في الوقت الراهن.

بعيداً عن المؤيدين والرافضين بالمطلق للمجلس العسكري، أليس للعسكر دورٌ في مستقبل سوريا؟ أوّل الكلام في هذا، لقد أضاع الروس هكذا مقترح، وبالنسبة للأمريكان ليسوا بعجلةٍ من أمرهم في سوريا؛ فلتتفكك أكثر فأكثر، وليحصد الروس والإيرانيين والأتراك أخطاء سياساتهم في سوريا، والبعض يقول لم تتشكل استراتيجية أمريكية جديدة بعد. المجلس العسكري، وبعد تطوّرات الواقع السوري، وانبعاث هويات متعدّدة، ومشاريع متضاربة، وفصائل لا حصر لها، وتدخل إقليمي ودولي؛ أقول بعد كل ذلك، لا يمكن لأية حكومةٍ مستقبليةٍ، من خارج النظام والمعارضة أن تتجاهل ضرورته. مشكلتنا أنّ العسكر كانوا كارثة في تاريخ سوريا ما بعد الاستقلال، وما بعد وصول البعث للسلطة، ومن التفاهة إغماض العين عن الانقلابات السابقة للبعث، فهي توضح هشاشة الطبقة التي قادت الاستقلال، وكانت فاقدة لأيّ مشروع وطني أو قومي، فكانت الانقلابات تلك، تعبيراً عن تلك الهشاشة، عن قضايا وطنية وقومية واجبة التحقق. المهم هنا، أنّ تاريخ العسكر الكارثي في سوريا، يفرض على العقلاء رفض تسليمهم سلطاتٍ واسعة من جديد، وتحديد المجالات التي سيعملون عليها بشكل حازم، ولكن من يستطيع الوقوف في وجه القوى المدججة بكل صنوف السلاح؟ هنا المشكلة. رغم ذلك، وباعتبار الوضع السوري أصبح غير سوريٍّ، أي محكوماً خارجياً، فإنّ تحديد أدوار العسكر مستقبلاً، أمر ضروري، بعد الانقسامات السورية الحادة، وإمكانية الانفلات، وضرورة ضبط كل هذه التطورات، وبما يمنع فوضى السلاح، ويضبط دور العسكر في إطار النظام السياسي الجديد. الأخير هو هيئة الحكم الانتقالي، كاملة الصلاحيات، كما أقرّت القرارات الدولية، وعبره، ستنتقل سوريا، ديموقراطيّاً، وتحرريّاً، وتبني سياسات جادة، تحقق العدالة الانتقالية والاجتماعية وصولاً إلى إجراء العمليات الديموقراطية، وتشكيل مؤسسات الحكم على اختلاف أشكالها. المجلس العسكري يجب أن يكون تابعاً لهيئة الحكم الانتقالي، ودون أيِّ دورٍ سياسيٍّ له.

آذار هو شهر انطلاقة الثورة السورية في 2011، ولكن تطورات الواقع، وإن كانت بأثرٍ منها، تقول بأنه لم يعد لها من وجودٍ يذكر. قسد وهيئة تحرير الشام والفصائل العسكرية التابعة لتركيا، لا علاقة لها بالثورة. التطوّرات لا تخص الثورة بل وكذلك النظام، فهو لم يعد قائماً بذاته، واستمراريته تتعلق بالإيرانيين والروس وحزب الله، وهناك الأمريكان والأتراك والإسرائيليون. وبالتالي في هذا العام، وفي أعوامٍ سابقة، من الخطأ أن نتكلم عن مراحل في الثورة، أو الاكتفاء بالكلام عن الثورة المضادة.

سوريا أيها السادة محتلّة، وللاحتلالات أدوات محليّة، تصارعت عبرها، والآن تتموقع كلٌّ منها في مناطق النفوذ التي رسمتها لها الدول المحتلة، وليس من أمر آخر، وهذا يشمل النظام وقسد وهيئة تحرير الشام والفصائل.

مصيبتنا الكبرى، أنّ السوريين فاقدون للمشروع الوطني، ولم يستطيعوا تشكيل مؤسسات سياسية جديدة وفاعلة ومؤثرة على الداخل ومضادة للتدخلات الخارجية. هنا مصيبتنا في العام العاشر للصراع في سوريا، والأسوأ أنّ أطراف الصراع لا تبحث عن آليات للحوار، والخروج من النفق والمستقنع إلى الأفق والمستقبل.

هذه حالة سوريا بكل بساطة. العسكر هم آخر الأطروحات من بعض فئات المعارضة، وإن لم تتبناها، وهو ليس على قائمة النظام، الذي يُفهَم من تصريحات قادته أنّه سيحرّر سوريّا من الأتراك والأمريكان والإسرائيليين والإيرانيين وفقط سيُبقي على الروس، وربما في المرحلة الثانية من التحرير سيَقضي على الروس كذلك. المجلس العسكري يجب ألّا يُقترح من قبل المعارضة إلّا كمؤسسةٍ تابعة لهيئة الحكم الانتقالي، الكاملة الصلاحيات.

قلت أعلاه، إنّ الروس لم يلتقطوا أهمية فكرة المجلس العسكري، فهي تخريجة جيدة لصالحهم، وكانت ستكون إحدى مسارات أستانا وسوتشي واللجنة الدستورية، وتكسر الجمود على الساحة السورية، وتجعل الروس من جديد المتحكم الأقوى في الوضع السوري، وتفرض معادلة جديدة على الأمريكان والأتراك والإيرانيين. الأمريكيون لن يغيروا النظام ولن يذهبوا نحو تبني المجلس العسكري، وكذلك الأتراك، وأيضاً الإيرانيين، ولكلٍّ أسبابه.

حصيلة النقاش، لا مصلحة لأحدٍ في هذه الفكرة إلّا فئاتٌ من المعارضة وربما فئات من النظام ذاته، وهذا حديث مؤجل لحين تغيّر المواقف الدولية، والبدء بالبحث عن تسويةٍ للشأن السوري. ولكن ما لا يجوز اللعب فيه، ولأسباب حاولنا التطرّق إليها أعلاه، أن الكلام عن هكذا مجلس يجب أن يظل مقروناً بتبعيته لهيئة الحكم الانتقالي، ودون أيِّ دورٍ سياسيٍّ.

ليس من أحلامٍ في العام العاشر للصراع في سوريا، والأسوأ أنّ مهمات السوريين أصبحت أثقل على ظهورهم، فهناك الاحتلالات، وغياب المشاريع السياسية الوطنية، وانتظار تسوية دولية وإقليمية لهذا الوضع، فهل من مزيدٍ من السوء بعد؟ ربما.

عمار ديوب

ليفانت – عمار ديوب

لم تفشل الثورة السورية إلّا لأنّ النقد أُهمِل من المتسلطين عليها، فتطوّرت بما يناقض أهدافها في الانتقال الديموقراطي، وكثورةٍ شعبية مواطنية. آخر القضايا التي يُراد ألّا تُناقش بجديّةٍ هي المجلس العسكري، وصلاحياته. تطرّق له كثرٌ، منذ أن أُعلن عنه في 2013، ثم قبل أسابيع قليلة، ومازال حديث الساعة السوريّة.

إنّ أسباب تقدّم الحديث عنه يكمن في فشل كافة المسارات الدوليّة؛ الروسيّة والأمريكيّة، ولنقل عدم وصول هذه الدول إلى توافقٍ على تسويةٍ للوضع السوري. إنّ حكم العسكر، هو، ولا شك، يتيح ضبطاً للأوضاع المنفلتة، سيما إن كان عليه إجماعٌ شعبيٌّ من المعارضة والموالاة، وبدا أن هناك ما يشبه ذلك، سيما أنّ الفشل الكامل يغطي السلطة والمعارضة، حيث أكلا من عمر السوريين عشر سنواتٍ عجاف، وليس في الأفق نهاية. المشكلة أنّ البضاعة المستجدة “المجلس” لم يشترها الأمريكان أو الروس بعد، ولهذا يتسلى بها الكُتاب، وأنا منهم، ولها دون شك ما يبرّرها.

بتقدّم فكرة المجلس العسكري، تراجع الحديث عن الائتلاف الوطني وكافة المؤسسات المنبثقة عنه، وكذلك قسد وهيئة تحرير الشام والفصائل التابعة لتركيا، ليظهر، وكأنّ هذه التشكيلات لا قيمة لها، وهي مجرد مؤسسات لم يحن بعد إطلاق الرصاص عليها من قبل الروس والأمريكان. كما قلنا، حتى الآن، لم تشترِ الأطراف الفاعلة البضاعة الجديدة، وبالتالي سيظلّ الائتلاف وبقية المؤسسات جاثمين على صدر السوريين من غير المولاة. المقصد، كما النظام لم يعد يمثّل مصالح المولاة، كذلك المعارضة المكرّسة، العربيّة والكرديّة وسواهما. إنّ استمرار هذه التشكيلات السياسية، كما تأخر تشكيل المجلس أعلاه، يعود إلى تحكّم الأطراف الإقليمية والدولية بكل ما يخص الشأن السوري، وبالتالي ليس هناك من أفقٍ في الوقت الراهن.

بعيداً عن المؤيدين والرافضين بالمطلق للمجلس العسكري، أليس للعسكر دورٌ في مستقبل سوريا؟ أوّل الكلام في هذا، لقد أضاع الروس هكذا مقترح، وبالنسبة للأمريكان ليسوا بعجلةٍ من أمرهم في سوريا؛ فلتتفكك أكثر فأكثر، وليحصد الروس والإيرانيين والأتراك أخطاء سياساتهم في سوريا، والبعض يقول لم تتشكل استراتيجية أمريكية جديدة بعد. المجلس العسكري، وبعد تطوّرات الواقع السوري، وانبعاث هويات متعدّدة، ومشاريع متضاربة، وفصائل لا حصر لها، وتدخل إقليمي ودولي؛ أقول بعد كل ذلك، لا يمكن لأية حكومةٍ مستقبليةٍ، من خارج النظام والمعارضة أن تتجاهل ضرورته. مشكلتنا أنّ العسكر كانوا كارثة في تاريخ سوريا ما بعد الاستقلال، وما بعد وصول البعث للسلطة، ومن التفاهة إغماض العين عن الانقلابات السابقة للبعث، فهي توضح هشاشة الطبقة التي قادت الاستقلال، وكانت فاقدة لأيّ مشروع وطني أو قومي، فكانت الانقلابات تلك، تعبيراً عن تلك الهشاشة، عن قضايا وطنية وقومية واجبة التحقق. المهم هنا، أنّ تاريخ العسكر الكارثي في سوريا، يفرض على العقلاء رفض تسليمهم سلطاتٍ واسعة من جديد، وتحديد المجالات التي سيعملون عليها بشكل حازم، ولكن من يستطيع الوقوف في وجه القوى المدججة بكل صنوف السلاح؟ هنا المشكلة. رغم ذلك، وباعتبار الوضع السوري أصبح غير سوريٍّ، أي محكوماً خارجياً، فإنّ تحديد أدوار العسكر مستقبلاً، أمر ضروري، بعد الانقسامات السورية الحادة، وإمكانية الانفلات، وضرورة ضبط كل هذه التطورات، وبما يمنع فوضى السلاح، ويضبط دور العسكر في إطار النظام السياسي الجديد. الأخير هو هيئة الحكم الانتقالي، كاملة الصلاحيات، كما أقرّت القرارات الدولية، وعبره، ستنتقل سوريا، ديموقراطيّاً، وتحرريّاً، وتبني سياسات جادة، تحقق العدالة الانتقالية والاجتماعية وصولاً إلى إجراء العمليات الديموقراطية، وتشكيل مؤسسات الحكم على اختلاف أشكالها. المجلس العسكري يجب أن يكون تابعاً لهيئة الحكم الانتقالي، ودون أيِّ دورٍ سياسيٍّ له.

آذار هو شهر انطلاقة الثورة السورية في 2011، ولكن تطورات الواقع، وإن كانت بأثرٍ منها، تقول بأنه لم يعد لها من وجودٍ يذكر. قسد وهيئة تحرير الشام والفصائل العسكرية التابعة لتركيا، لا علاقة لها بالثورة. التطوّرات لا تخص الثورة بل وكذلك النظام، فهو لم يعد قائماً بذاته، واستمراريته تتعلق بالإيرانيين والروس وحزب الله، وهناك الأمريكان والأتراك والإسرائيليون. وبالتالي في هذا العام، وفي أعوامٍ سابقة، من الخطأ أن نتكلم عن مراحل في الثورة، أو الاكتفاء بالكلام عن الثورة المضادة.

سوريا أيها السادة محتلّة، وللاحتلالات أدوات محليّة، تصارعت عبرها، والآن تتموقع كلٌّ منها في مناطق النفوذ التي رسمتها لها الدول المحتلة، وليس من أمر آخر، وهذا يشمل النظام وقسد وهيئة تحرير الشام والفصائل.

مصيبتنا الكبرى، أنّ السوريين فاقدون للمشروع الوطني، ولم يستطيعوا تشكيل مؤسسات سياسية جديدة وفاعلة ومؤثرة على الداخل ومضادة للتدخلات الخارجية. هنا مصيبتنا في العام العاشر للصراع في سوريا، والأسوأ أنّ أطراف الصراع لا تبحث عن آليات للحوار، والخروج من النفق والمستقنع إلى الأفق والمستقبل.

هذه حالة سوريا بكل بساطة. العسكر هم آخر الأطروحات من بعض فئات المعارضة، وإن لم تتبناها، وهو ليس على قائمة النظام، الذي يُفهَم من تصريحات قادته أنّه سيحرّر سوريّا من الأتراك والأمريكان والإسرائيليين والإيرانيين وفقط سيُبقي على الروس، وربما في المرحلة الثانية من التحرير سيَقضي على الروس كذلك. المجلس العسكري يجب ألّا يُقترح من قبل المعارضة إلّا كمؤسسةٍ تابعة لهيئة الحكم الانتقالي، الكاملة الصلاحيات.

قلت أعلاه، إنّ الروس لم يلتقطوا أهمية فكرة المجلس العسكري، فهي تخريجة جيدة لصالحهم، وكانت ستكون إحدى مسارات أستانا وسوتشي واللجنة الدستورية، وتكسر الجمود على الساحة السورية، وتجعل الروس من جديد المتحكم الأقوى في الوضع السوري، وتفرض معادلة جديدة على الأمريكان والأتراك والإيرانيين. الأمريكيون لن يغيروا النظام ولن يذهبوا نحو تبني المجلس العسكري، وكذلك الأتراك، وأيضاً الإيرانيين، ولكلٍّ أسبابه.

حصيلة النقاش، لا مصلحة لأحدٍ في هذه الفكرة إلّا فئاتٌ من المعارضة وربما فئات من النظام ذاته، وهذا حديث مؤجل لحين تغيّر المواقف الدولية، والبدء بالبحث عن تسويةٍ للشأن السوري. ولكن ما لا يجوز اللعب فيه، ولأسباب حاولنا التطرّق إليها أعلاه، أن الكلام عن هكذا مجلس يجب أن يظل مقروناً بتبعيته لهيئة الحكم الانتقالي، ودون أيِّ دورٍ سياسيٍّ.

ليس من أحلامٍ في العام العاشر للصراع في سوريا، والأسوأ أنّ مهمات السوريين أصبحت أثقل على ظهورهم، فهناك الاحتلالات، وغياب المشاريع السياسية الوطنية، وانتظار تسوية دولية وإقليمية لهذا الوضع، فهل من مزيدٍ من السوء بعد؟ ربما.

عمار ديوب

ليفانت – عمار ديوب

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit