ما الذي يحدث بين مصر والإمارات وإسرائيل؟

داليا زيادة
داليا زيادة

ظهرت موجة جديدة من المزاعم حول وجود توترات بين مصر والإمارات، بعد أن قال رئيس هيئة قناة السويس المصرية، في يناير، إنّ مصر تراقب عن كثب التطورات في مشروع خط أنابيب عسقلان بين إسرائيل والإمارات، إذ إنّه من المفترض أن يمكّن هذا المشروع دولة الإمارات من تصدير النفط الخام الذي تنتجه عبر ميناء إيلات الإسرائيلي على البحر الأحمر إلى ميناء عسقلان الإسرائيلي أيضاَ على البحر المتوسط، ثم من هناك تصدره إلى أوروبا، وهذا يعني أنّه يمكن للإمارات وإسرائيل تشكيل طريق بديل لنقل النفط الذي يتم إنتاجه في آسيا إلى دول أوروبا دون الحاجة إلى النقل البحري التقليدي عبر قناة السويس المصرية.

وقد أساءت وسائل الإعلام تفسير التصريحات العفوية لرئيس هيئة قناة السويس، لتظهر أنّ مصر قلقة من أنّ هذا المشروع قد يضرّ بالاقتصاد المصري. ولكن هذا ليس صحيحاً. بنظرة سريعة على الخريطة سيظهر صعوبة تنفيذ مشروع كهذا نظراً لطول مساره وتعقيد نقاط المرور التي سيمر عليها، فضلاً عن كم المخاطر المحتملة بسبب انتشار الميليشيات الإرهابية على أكثر من نقطة في هذا المسار. ولكن حتى إذا تم الانتهاء من هذا المشروع وتم السيطرة على جميع المخاطر وحلّ كل التعقيدات، فإنّه بالكاد يمكن أن يلحق الضرر بالاقتصاد المصري، حيث إنّ عمليات نقل النفط تمثّل بالكاد ١٦٪ من إجمالي البضائع المنقولة عبر قناة السويس. كما أنّ مصر، التي برزت مؤخراً كعضو مؤسس في منظمة غاز شرق المتوسط، هي الآن في طور تشكيل مركز عملاق في البحر المتوسط لإنتاج الغاز وتوزيعه في أوروبا، بما يعني أنّ الاقتصاد المصري لن يبقى معتمداً على موارد قناة السويس وحدها في المستقبل القريب.

من ناحية أخرى، صحيح أنّ السياسات التي اعتمدتها كل من القاهرة وأبو ظبي، خصوصاً فيما يتعلق بتدخلهما في الصراعات الإقليمية، قد تغيرت وتباينت بشكل واضح خلال العام الماضي. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ هناك انفصالاً قد حدث بين البلدين الشقيقين. على العكس من ذلك، فإنّ سياساتهما المعتمدة حديثاً هي علامة على المرونة التي من شأنها أن تعزّز الروابط بين البلدين وتعيد تركيز قوتهما لصالح المنطقة بأسرها، مثلما كان الحال طوال العقد الماضي.

بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في عام ٢٠١١، لعبت الإمارات العربية المتحدة دوراً فعالاً في إعادة التوازن إلى الساحة السياسية في البلدان التي مرّت بتجربة الربيع العربي القاسية. وكانت المشاركة الإماراتية الفعالة في معالجة تداعيات ثورات الربيع العربي محاولة صادقة للدفع ضد التدخلات الخارجية من جانب روسيا وتركيا وإيران الذين سعوا بكل ما أوتوا من قوة لاستغلال الفوضى في هذه الدول لتوسيع نطاق نفوذهم السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة. خلال تلك الفترة، لعبت الإمارات أيضاً دوراً فاعلاً، إلى جانب السعودية ومصر، في محاربة الإسلام السياسي، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، التي سعت لاستغلال فراغ السلطة في البلدان التي نجت من الربيع العربي لفرض أجندتهم الإسلامية، بشكل أضرّ كثيراً بهوية وتماسك الدول الوطنية في هذه البلدان، وعطل عملية التحول الديمقراطي التي قامت من أجلها الثورات في الأصل.

في العام الماضي، قامت الإمارات بإنجاز أشبه بالمستحيل، وهو عقد اتفاق سلام، يُعرف باسم اتفاقيات إبراهيم، من أجل تطبيع العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مع إسرائيل. وقد مكّنت هذه الخطوة غير المسبوقة الإمارات من كسر المحظورات التي استمرّت لعقود في ديناميكيات العلاقات بين دول الشرق الأوسط بشكل عام. منذ توقيع اتفاقيات إبراهيم بين إسرائيل والإمارات، العام الماضي، لم يدخر المراقبون، خاصة في وسائل الإعلام الغربية، فرصة للادعاء بأنّ الإمارات تهمش مصر كقوة جيوسياسية رائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتجددت تلك الادعاءات، مؤخراً، عندما تغيرت سياسات مصر والإمارات بشأن الصراعات الإقليمية القائمة، خاصة في ليبيا واليمن.

في الواقع، ليست هذه هي المرة الأولى التي يروّج فيها الإعلام لمثل هذه الادعاءات حول وجود صدع أو برودة في العلاقة بين مصر والإمارات. في عام ٢٠١٥، على سبيل المثال، تم الترويج لمثل هذه الادعاءات بعد أن ألغت الحكومة المصرية عقدًا مع شركة إنشاءات إماراتية لبناء مباني حكومية في مشروع العاصمة الجديدة.

تصرّ مثل هذه الادعاءات على ارتكاب خطيئة تصوير مصر والإمارات على أنّهما خصمان يتنافسان على قيادة منطقة الشرق الأوسط، بدلاً من التأكيد على حقيقة أنّهما شريكان سبق وتعاونا على إخماد مجموعة لا حصر لها من التهديدات المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة، التي لا تنتهي فيها المشاكل والصراعات، بما في ذلك معالجة آثار ثورات الربيع العربي والتصدي لصعود المنظمات الإرهابية في منطقة الشام. الماضي يخبرنا أنّه لم يحدث أبداً أن كان هناك خلاف سياسي أو دبلوماسي بين الإمارات ومصر، والمستقبل ينبئ بأنّه لا سبب لوجود أي خلاف.

داليا زيادة

ليفانت – داليا زيادة