ماذا لو تعايشت إيران؟ (الجزء-17)

خالد الجاسر

ماذا لو تعايشت إيران؟ وأزماتها الداخليّة التي تجرّها إلى حافة الهاوية، وقد تعددت المصاعب والأزمات العميقة التي تدور حول الهُويّة الوطنيّة والبنية التحتيّة، واتّساع فجوات الدخول التي يُعاني الداخل الإيراني، سواء على مستوى المجتمع أو الدولة، من آلام جمّة، كارتفاع معدل الجريمة وسوء التّغذية (التي طالت 70 % من السكان) وشبكات نقل وكهرباء عفا عليها الزمن، وظاهرة الهروب من المدارس ودمار هائل لفّ البيئة الطبيعية، بالإضافة إلى عدم مشروعيّة الحكومة.

ماذا لو تعايشت إيران؟ وأنظمتها بل وحكوماتها المُتعاقبة لا تملّ من الفشل، فالسياسيون وأحزابهم لا يُقدّمون سوى الوعود الكاذبة والفارغة التي يطلقونها في حملاتهم الانتخابيّة لحلّ هذا الأزمات التي راود حلّها الشعب المطحون من جيل الثورة في إيران، إلّا أنّ الحكومة على أرض الواقع زادت من الطين بِلّة، فالعشوائيات تفاقمت وضجّت من ساكنيها من عام 2018م إلى 2020م، من 19 مليون نسمة إلى 38 مليون نسمة. حتى اُطلق عليهم (سكان المقابر).. وقد ضاق الشعب، فهرب الإيرانيون نحو أطراف المدن الكبُرى بسبب شُحّ المياه وارتفاع معدلات البطالة في المدن الصغيرة والكوارث الطبيعيّة، كالفيضانات والهزّات الأرضية. وقد انخفض نصيب الفرد من الدخل إلى 34 % من 2011-2019م، أما إذا نظرنا إلى مبلغ الأجر في العام الإيراني الجديد (مارس 2021-مارس 2022م)، مقارنةً بخطّ الفقر، فإنَّ هذا الرقم منخفضٌ جداً، ليكون العام المقبل صعباً، بينما تزداد الطبقة الحاكمة غنى، وهذا أدّى بدوره إلى اتّساع فجوة الثروة في البلاد لتُثقل كاهل الدولة والمجتمع بالمزيد من الضغوطات.

ماذا لو تعايشت إيران؟ وانخفاض عدد سُكَّانها مُستقبلاً أخطر من تحدِّي «كورونا» الذي فشلت به، وأعلنهُ مدير عام صحَّة السُكّان والأُسرة والمدارس بوزارة الصحَّة، د. حامد بركاتي، أنَّ «انخفاض عدد سُكَّان إيران في المستقبل، أكثر خطورةً من تحدِّي كورونا في الوقت الراهن، وسيؤدِّي هذا إلى فُقدان البلد للقوَّة المُنتِجة في مجال الإنتاج والصناعة والعِلم”.. وقال أيضاً: «لم ننتبه في الوقت الحالي؛ لأنَّ هذا الحدث أمرٌ يحدُث ضمن هبوطٍ غير حادّ. نسبة السُكّان حالياً آخذةٌ بالتغيير، هذا في الوقت الذي كان فيه عددُ الشباب أكثر من عددِ المسنِّين في عقد الستينات، لكنَّنا نتّجهُ الآن إلى الحالة العكسية”.

ماذا لو تعايشت إيران؟ وحريات أبنائها مكبلة بل مقهورة في كل مكان وكل مجال، فتلك تظاهرات البلوش وقد هزّت النظام السياسي الإيراني الهشّ بمدينة سارافان في محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية، أواخر فبراير الماضي، واجهتها السلطات الإيرانية، بالعنف، ما أثار إداناتٍ قويَّة ضدّ العُنف المُفرَط بحقّ المتظاهرين، بعد ما سدّ الحرسُ الثوري الإيراني طريقًا لإيقاف المواطنين البلوش من تهريب الوقود وبيعِه لباكستان وقُتِل 23 شخصاً، بعد إطلاق النار «الدموي» عليهم. فمن أين يعيشون؟ حيث زار خمسة أعضاء من البرلمان الإيراني سارافان، وقيل لهم إنَّ السُكّان المحلِّيين بحاجة للطعام للعيش، بعد منعهم من تهريب الوقود لبيعِه في باكستان.

ماذا لو تعايشت إيران؟ وهجماتها الحوثيّة تُلاحقها إدانة عالمية لاستهداف ميليشيا الحوثي، تكراراً ومراراً، المدنيينَ في السعودية ومناطقها السكنية والنفطية، حتى طالت العاصمة الرياض، وأحبَطها نظامُ الدفاع الجوِّي في المملكة، واعترَض طائراتٍ مسيَّرة مفخَّخة استهدَفت جازان وخميس مشيط، بتاريخ 6 مارس 2021م.. وكأنّ إيران تعتقد أنّها ورقة رابحة لاستئناف المحادثات النووية، وكسبَ أوراقِ مُساومة، من خلال تهديد السلام والاستقرار الإقليمين، إضافة إلى محاولتها تصعيد الهجمات ردّاً على الضربات الجوِّية الأمريكية، التي تستهدف مواقعها ووكلاءها في سوريا.

ماذا لو تعايشت إيران؟ وأدوارها التي أعلنتها سياسياً وعسكرياً عبر أنظمتها المتهالكة، في شرق الفرات بسوريا على الرغم من الضغوط المتصاعدة من جانب القوى الإقليمية والدولية لتحجيمها في سوريا، إذ تركز طهران على استمالة العشائر العربية، والتشكيك في الدعم الأمريكي للأكراد، وقوة السعودية والإمارات ومصر بالمنطقة، قابلتها بتقاسم الأدوار مع تركيا التي صارت منبوذة دولياً لتدخلاتها في السودان واليمن وليبيا وغيرهم، لذلك يرتبط الدور الإيراني في سوريا بالسلوك الخارجي للدولة الإيرانية في نطاقها الجغرافي المحدد، انطلاقاً لدورها الإرهابي المتشعب خارجياً، متّخذة من حالة عدم الاستقرار والصراع المُزمن في بعض الدول العربية وفرصة إيران وحلفائها الإرهابيين من الإخوان وحاميهم أردوغان للتمدّد باعتبارها “مناطق رخوة”.

ماذا لو تعايشت إيران؟ وقلقها المتزايد إزاء الآثار الجيوسياسية في حال تغيير النظام في سوريا، فالأغلبية الساحقة من السوريين هم من العرب السنة، والتخوّف من سقوط نظام دمشق ووصول نظام سني معاد لإيران الشيعية، ومنحاز للقوى الإقليمية، وبخاصة المملكة العربية السعودية، مهما كان تحالفها مع موسكو، التي لا ترى إلا مصالحها ونفوذها، كما تدرك أدوار القوى المنافسة لها في علاقتها التشاركية مع روسيا في سوريا، وهي (أمريكا – تركيا – إسرائيل) التي لعبت أدواراً مميزة في ذات الشأن.

خالد الجاسر

ليفانت – خالد الجاسر