لماذا لا تحاكمون سيزر؟

كمال اللبواني
كمال اللبواني

ابتدع القضاء الأوروبي بمساعدة ناشطين حقوقيين سوريين فكرة غريبة، هي محاكمة المنشقّين للوصول لإدانة النظام، وهكذا بدأت تلك العدالة باعتقال وإصدار أحكام بحق المنشقين المحكومين أصلاً من النظام الذي فرّوا منه، وبقي النظام سالماً معافى شامتاً بمن تركه وانشقّ عنه، فقد كانت باكورة أعمال ناشطي حقوق الإنسان هي معاقبة المنشقين على انحيازهم للشعب، بدل البدء بمحاكمة رموز النظام الذي قتل وهجّر الشعب. إذ يخطّط، ليلاً ونهاراً، لإعفائهم من المحاسبة، بل التجديد لهم ليبقوا في السلطة بعد رمي كل التهم على المنشقين والثوار، بحيث يصبح النظام محقّاً في حربه ضد شعبه الإرهابي. سيزر

هل صحيح أنّه لا توجد أدلة قانونية تدين النظام على ارتكاباته، ويجب محاكمة إياد الغريب وأنور رسلان، وإدانتهم لكي تتوفر هذه الأدلة، بدل استخدامهم كشهود، أم أنّه لا تتوفر الآلية القانونية لمحاكمة النظام، وتتوفر فقط لمحاكمة المعارضة؟ وفي هذه الحال، ما جدوى وأهمية هكذا محاسبة، إذا كانت تغفل الفاعل المرتكب وتطال الضحية؟

وإذا كان العالم قد عطّل عدالته الدولية وأوقف كل آلية لمحاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، فلماذا يشجع المحاكمات الجزئيّة الاستنسابية العاجزة عن الإحاطة بالجريمة والمساءلة عنها كلية، بواسطة نتف من محاكمات تعجز عن اعتقال المرتكبين وتنفس انتقامها من ضحاياها لذرّ الرماد في العيون. ما معنى إدانة أنور رسلان، وقبله إياد الغريب؟ هل يوجد معنى آخر غير أنّه عقاب لهم على انشقاقهم وانحيازهم للشعب، ومكافأة للنظام، وتحذير كل ضابط من التفكير بالانشقاق؟ أليست أكبر رسالة دعم للنظام؟ كيف سقطت العدالة في هذا المطب لو لم تكن عرجاء وعمياء؟

ثم ما معنى الحملة الإعلامية والتهويل السياسي بهذه المحكمة وتصويرها على أنّها قد حققت العدالة في سوريا؟ هل يوجد معنى آخر غير خداع الشعوب في الغرب، وإغماض العيون عمن ما يزال يحكم ويقتل ويغتصب؟ فإذا كان قضاء الغرب عاجزاً عن اعتقال المجرمين، بل لا يريد محاكمتهم، فأي محكمة وأي عدالة هذه؟ سيزر

هل فعلاً الغرب لا يستطيع محاكمة النظام، أو معاقبته على جرائمه؟ هل فعلاً لا توجد ملايين الإثباتات عليه؟ إذن كيف برروا لأنفسهم احتلال العراق وإسقاط نظامه بحجج واهية، بينما يدّعون عجزهم عن فعل ذلك ضد النظام السوري؟ ماذا يتبقى من فكرة القانون إذا طبقنا معايير مزدوجة؟ إنّها العنصرية والكراهية وليست العدالة.. هي ذاتها ما تزال تحرّك الغرب الذي لم يأسف مرة واحدة على قتل وتهجير خصومه التاريخيين، أقصد (العرب – السنة)، حتى عندما تعلّق الموضوع بقضية حساسة يفتخر بها، وهي حقوق الإنسان والعدالة الدولية. سيزر

مرة أخرى فشل الغرب الحديث في التخلّي عن تاريخه الاستعماري الذي ورث ذهنية الحملات الصليبية، فشل الغرب المتحضّر في تجاوز ماضيه، واستغرق في كراهيته وعدائه وانغلاقه، الذي يمثّله صعود اليمين العنصري الفاشي النازي سياسياً في كل أوروبا على حساب إنسانيتها، مما يبشر بانتقال مركز الحضارة بعيداً عن أوروبا، العجوز الغارقة في رطوبتها وعفنها التاريخي، الذي يبدو أنّه يكره شمس الحق والعدالة التي لا بدّ ستشرق من مكان آخر.

إذا كان من انشقّ عن النظام مدان وتتوجب محاكمته فماذا تنتظرون؟ اعتقلوا سيزر وحاكموه، ولا تنسوا رياض حجاب وكل الضباط، فلا يوجد شخص في دولة ونظام الأسد لم يجنّده الأسد في ارتكاب جرائم ضد شعبه. حاكموا الجميع، لكن إياكم محاكمة الأسد، فأنتم من صنعه. سيزر

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني ليفانت