كشّ ملك

عبير نصر
عبير نصر

وسط التوتر المتصاعد بين واشنطن وموسكو، وفي سبيلِ السعي الحثيثِ لتسكينِ الأزمة السورية تمهيداً للانتخابات الرئاسية القادمة، اعتمدتْ روسيا، مؤخراً، استراتيجيةَ الغزلِ الصريح للدولِ العربية، ذاتِ التأثيرِ الكبير في الملفّ السوري، ومثّلتْ إعادةُ سوريا إلى محيطها العربي والإقليمي، وتحديداً إلى الجامعة العربية، المطلبَ الرئيسي الذي حمله وزيرُ الخارجية الروسي، في جولته الخليجية التي زار خلالها أبو ظبي والرياض والدوحة، وفي الرياض سمع لافروف موقفاً متناسباً مع المطلبِ الروسي، لكن ردّ واشنطن سرعان ما أتى في الاتجاه المعاكس، حيث رأى متحدّثٌ باسم وزارة الخارجية الأميركية، أنّ الأزمةَ الإنسانيّة الشديدة الخطورة في سوريا هي نتيجةٌ مباشرةٌ لعرقلةِ الأسد للمساعداتِ المُنقذةِ للحياة، والفسادِ المنهجي، وسوء الإدارة الاقتصادية، وليستْ بسببِ قانون قيصر، كما يحلو للنظام السوري أن يدّعيه.

ويبدو أنّ موسكو تركز على قطر، التي ورغم فقدانها جزءاً كبيراً من دورها خلال الأزمة السورية، إلا أنّها ما تزال تحتفظ بشيء من النفوذِ عبر مساهماتها في الجهودِ التركية، واتصالها بعددٍ كبير من قياديّي المعارضةِ الموجودين على أراضيها، أو حتّى داخل سوريا، ولأجلِ هذا اجتمع وزيرُ الخارجية الروسي مع نظيريه القطري والتركي، في العاصمة الدوحة، وفي المنصةِ الثلاثية التي غاب عنها الإيرانيون، أصدرتِ الدولُ الثلاث بياناً مشتركاً، أكدتْ فيه حرصها على الحفاظِ على سيادةِ واستقلالِ ووحدةِ الأراضي السورية، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وأعربتْ عن قناعتها بأنّه لا يوجد حلٌّ عسكري للنزاع السوري، كما شدّدتْ على أهميةِ دورِ اللجنة الدستورية، وعلى احترامها لقواعدها الإجرائية الأساسية، كما وضعتها الأطراف السورية، مؤكدة العزم على المساعدةِ في تقديمِ عمليةٍ سياسية تحت إشراف الأمم المتحدة، من أجل مساعدةِ أطراف الأزمة في التوصّلِ إلى حلّ سياسيّ، وفقاً للقرار رقم 2254.

ويستهدفُ هذا المسعى الروسي المتجدّد، كسْرَ عزلة دمشق في محيطها، إلا أنّ دولَ ذلك المحيط، وتحديداً الخليجية، ما تزال تتحرّك تحت السقفِ الأميركي الرافضِ لعودةِ سوريا إلى (الجامعة العربية)، والمهدِّد لأيّ دولةٍ تعمل على إعادةِ علاقاتها معها، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، في وقتٍ جدّد فيه المتحدّث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، موقفَ بلاده من المأساةِ السورية، مؤكداً (أنَّ الولاياتِ المتحدةَ لن تُطبّعَ العلاقات مع النظام في أيّ وقت، وأنّ واشنطن ستستخدم مجموعةً متنوّعةً من الأدواتِ المتاحة، للضغطِ من أجلِ حلّ مستدامٍ ينهي معاناة السوريين)، في إشارةٍ إلى نيّتها الاستمرار في سياسةِ الخنق ضدّ دمشق.

وروسيا التي أقرّت مسودةَ المشروع الروسي للدستور السوري عام (2017)، والتي سمحتْ للرئيسِ السوري، بتولّي هذا المنصب، نظرياً، حتى عام 2035، أي بمعدّلِ ولايتين أخريين على الأقل، تعود للتأكيدِ على موقفها الداعم لبشار الأسد، رغم تعنّته في إظهارِ المزيد من المرونةِ في المحادثاتِ مع المعارضة السورية، حيث أكدَ النائبُ الأول لمندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، (ديمتري بوليانسكي)، وخلال مؤتمرٍ صحفي، على دعمه المباشر والصريح للانتخاباتِ الرئاسيةِ السورية، بقوله (علينا جميعاً أن نساعدَ في تنظيمِ هذه الانتخابات، هذا هو موقفنا)، وأشار إلى أنّ سوريا (لديها الحق الكامل) في إجراء الانتخابات، حيث (لا توجد أحكام قد تعرقل ذلك)، وأوضح أنّ الاستحقاقَ الانتخابي ووضعَ الدستور الجديد عمليتان مختلفتان، لذا لا أسباب منطقية لاعتبار الاقتراعِ غير دستوري.

كما وجه (ديمتري سابلين)، بدوره، وهو منسّق المجموعة المعنيّة بالروابط مع سوريا في مجلس الدوما الروسي، وجه انتقاداتٍ شديدةَ اللهجة إلى سلطاتِ المملكة المتحدة على خلفيةِ إطلاق الشرطة البريطانية تحقيقاً أولياً بحقّ السيدة السورية الأولى، والتي وصفها بالمرأةِ الشجاعة التي تؤدي عملاً هائلاً في بلادها، حيث تواجه أسماء الأسد خطرَ المحاكمة في البلدِ الذي تحمل جنسيته، في مزاعم تورّطها في التحريضِ على ارتكابِ أعمالٍ إرهابية في ظلّ النظام الحالي، وكلّ ذلك يقلّل من قدرتها على السعي لتعويمِ نفسها على الواجهةِ ضمن النظام، بعدما حدّتْ من نفوذِ (حيتانٍ) كانوا يشكلون العصبَ الاقتصادي للنظام السوري، وعلى رأسهم رامي مخلوف، فسحبتْ منهم كافّة الامتيازات، وجعلتهم ضمنَ دائرةِ الملاحقةِ القضائيةِ والأمنيةِ الضيّقة، وجاء التحقيقُ بعدما وجهتْ مجموعةٌ من الشخصياتِ السوريةِ المعارضة رسالةً إلى الحكومةِ البريطانية أواخر العام الماضي للمطالبةِ بفرض عقوباتٍ على أسماء وأخويها الذين يحملون الجنسيةَ البريطانية.

وفي أيام العدّ التنازلي للانتخاباتِ الرئاسيةِ السورية، المزمع عقدها بين 16 نيسان/ أبريل -16 أيار/ مايو، تحاول روسيا خلقَ جوٍّ من التهدئةِ بعيداً عن التوتر بين أوساط الحاضنة الشعبية في مناطق سيطرة النظام، لاسيما في مناطق الجنوب السوري، التي ورغم عودتها لسلطة الأسد قبل عامين، إلا أنها ما تزال شوكاً ناعماً تؤرقه باحتجاجاتٍ وتحركاتٍ مسلحة بين الفترة والأخرى، وعلى اعتبار أنّ نتائجَ الانتخابات محسومةٌ مسبقاً لصالح بشار الأسد، كسابقتها في عام 2014، إلا أنّ مراقبين اعتبروا تحركات موسكو الأخيرة تصبُّ في إطار نسجها لصورةٍ عنوانها الاستقرار، ليس فقط من أجل كسبِ الأصوات، بل لإظهارِ مناطق سيطرة النظام بأنها (تؤيد الأسد بشكل خالص)، فتكون رسالةً شديدةَ اللهجة موجهةً للمجتمع الدولي، الذي يرفضُ إجراءَ انتخاباتٍ رئاسية، كون ملايين السوريين يعيشون خارج وطنهم الأم في بلدان اللجوء، ومناطق النزوح الخاضعة للمعارضة السورية، في وقتٍ كانت فيه الولاياتُ المتحدة الأميركية قد جددتْ رفضها المتكرر للانتخابات التي يحضّر لها الأسد والروس معاً، ويتوافق هذا الموقف مع الاتحاد الأوروبي الذي أعلن في ديسمبر الماضي، على لسانِ الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، (أنّ الانتخابات ذات المغزى في سوريا، هي فقط تلك التي تُجرى على أساسِ دستورٍ سوريّ جديد، وبموجبِ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254).

وأكد مراقبون أنّ موسكو التي بذلتْ في الفترةِ الأخيرة جهوداً مكثّفة لإعادةِ اللاجئين، إلى جانب تدابيرَ موازيةٍ لتجميعِ أكبر عددٍ من السوريين في الداخل، كان هدفُها التقرّبَ من المواطنين ضمن وعودٍ (زئبقيةٍ) لتغييرِ مسير السلطة، وليس تغييرها نفسها، في هذا الوقت تبدي المعارضةُ السوريةُ فشلاً ذريعاً في أدائها السياسي، وليس آخرَ أخطائها القاتلة، إعلانُ الائتلافِ السوريّ المعارض عن تشكيلِ مفوضيّةٍ عليا للانتخابات، أثارتْ تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانتْ هذه الخطوة تمهيداً لمشاركةِ المعارضةِ السورية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما اعتبرها البعضُ خطوةً للاعترافِ بشرعيةِ النظام السوري في خوضِ الاستحقاق الرئاسي القادم، وتعويمه عن قصدٍ أو بدون قصد، بعد أيامٍ قليلةٍ، يتراجع رئيسُ الائتلاف عن قراره بتشكيلِ مفوضيّةِ الانتخابات، مؤكداً أنّه لن يشاركَ في أيّ عمليةٍ انتخابيةٍ إلى جانب بشار الأسد، وأنّ الحجرَ الأساسَ في بناء العمليةِ السياسية تبدأ من حكمٍ انتقالي، حتّى لو تم َّالتوصلُ إلى مسودةِ دستور، ودون الحكم الانتقالي لا يمكن عودةُ ملايين اللاجئين، ولا يمكن مكافحةُ الإرهاب، ودعا الدولَ الداعمةَ للحلّ السياسي في سوريا إلى عدمِ الاعترافِ بالانتخاباتِ المقبلةِ سياسياً وقانونياً، وفي الحقيقةِ تبدو المناكفات السياسية التي تحتدم في ساحةِ الانتخابات الرئاسية السورية، أشبه بلعبةِ شطرنجٍ حاميةِ الوطيس بين واشنطن وموسكو وحلفائهما، وسقوطُ الملكِ فيها يتطلّبُ التفكيرَ مليّاً خطواتٍ إلى الأمام، ما يضع عشرات الاحتمالاتِ لكلّ حركةٍ غير متوقعة.

ليفانت : عبير نصر