عندما تصبح السجون مصانع للإرهاب

 عبد الناصر الحسين

مع دخول النظام السوري في عزلة دولية بعد مقتل رئيس الحكومة اللبنانية «رفيق الحريري»، وإجباره على الخروج من لبنان، شرع، ومنذ عام 2005، في دراسة بعض السيناريوهات التي تنتظره بعد احتلال أمريكا للعراق، والقيام بتدريبات عملية عليها لاستخدامها- إن دعت الضرورة- فقد وضعت العديد من السيناريوهات الاستباقية للاستعداد لمواجهة أي طوارئ محتملة، وجعلت من المعتقلين الإسلاميين ومن سجن «صيدنايا» العسكري فئران تجارب.

في عام 2005، قام نظام الأسد بتنفيذ برنامج تدريبي عملي لإعداد إسلاميين جهاديين، كجزء من اختبار أكبر لصراع محتمل، ومكان الاختبار هو سجن «صيدنايا العسكري»، فقد تمّ تسليم السجن للمعتقلين الإسلاميين بالتدريج، ابتداء من الاستعصاء الأول في 27 آذار 2008، ثم الاستعصاء الثاني في 5 تموز 2008، وبعده تمت العودة إلى فصل السجناء، لكن الإسلاميين كانوا ينتقلون من طابق إلى آخر بواسطة التسلّق على الحبال داخل مجاري التهوية.

البرنامج قام على حشد مئات المعتقلين الإسلاميين ومعتقلين أبرياء ثمّ زجّهم في السجن من أجل تطعيمهم بالتطرّف، وذلك تزامناً مع تطبيق برنامج مدروس من الضغط النفسي والجسدي على السجناء لسنوات عديدة، ولم يكن معتقل صيدنايا فقط مكاناً لهذا البرنامج الترويضي، فلقد كان أيضاً مكاناً لتنظيم الحركات الإسلامية العنيفة التي ظهرت خلال الثورة السورية، كجيش الإسلام بقيادة زهران علوش، وأحرار الشام بقيادة حسان عبود، وصقور الشام بقيادة أحمد عيسى الشيخ، ولعل أخطرهم «نديم بالوش» الذي ظهر دوره في شمال اللاذقية في خطف ضابط من الجيش الحر من تركيا ثم قتله، وفي قتل “أبو بصير اللاذقاني”.

لقد عمل القائمون على برنامج صناعة التطرّف في السجون الأسدية- ومثيلاتها العراقية- على الزجّ بالسجناء المختلفين فكرياً في أتون سجالات فكرية، غالباً ما كانت تتسم بالعنفية، ولم تكن كل الخلافات فكرية، بل إنّ بعضها كان تنظيميَّاً، حيث كانت تجرى انتخابات حقيقية في سجن صيدنايا، لكن الصراع بين التشكيلات الإسلامية بلغ ذروته في المفاوضات التي جرت تمهيداً للخروج من صيدنايا بين لجنة من تسعة قياديين إسلاميين ولجنة من النظام، دامت يومين وانتهت بإعلان الخروج من صيدنايا.

لتنفيذ البرنامج اتبعت أجهزة النظام إجراءً تضمن فيه تحويل مدنيين أبرياء إلى إسلاميين متشددين، وفي حالات عديدة يحملون فكراً تكفيرياً، وبالتالي يتحولون إلى إرهابيين؛ كل ذلك جرى ببطء خلال سنتين أو ثلاث سنوات، لكن بفاعلية وتأثير ونتائج مضمونة، وقد بدأ البرنامج بالقبض على أطفال وشبان صغار بحجج متفاوتة في سخافتها، كحيازة شريط لشيخ إسلامي أو كتاب يحوي أحاديث نبوية، اعتقلوا فتية من عربين وجوبر لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة، ووضعوهم مع عتاة الإسلاميين، أمثال «حيدر الزمّار» و«أبو حذيفة الأردني» و«إبراهيم الظاهر» و«إبراهيم الشعفا»، والبعض من هؤلاء الشبان قبض عليه في أماكن السهر والرقص، واتهموا لاحقاً بأنّهم سلفيون جهاديون، علماً بأنّ معظم من كان في هذا القسم لا يصلّون ولا يقرؤون القرآن، ومع ذلك فقد صار بعض هؤلاء أمراء في مرحلة لاحقة من الصراع السوري، كما جرى خلط مدنيين مع عناصر القاعدة القادمين من معارك في العراق للعلاج في سوريا أو في استراحة بين جولتي قتال أو عائدين إلى منازلهم وذويهم، إضافة لأقليّة من بقايا الإخوان المسلمين، ولعدد من السلفيين الجهاديين، وعناصر من جند الشام، وفتح الإسلام، وحزب التحرير الإسلامي.

تبدأ التهيئة من الفروع الأمنية بالضغط النفسي والجسدي، حيث يتعمّد السجَّان شتم الأعراض وإهانة الكرامة وشتم الله والإسلام والرسول، إضافة للتجويع والتعطيش والمنع من الحركة أو رفع الصوت أو تبادل الأحاديث في مجموعة لا تزيد عن اثنين، والنوم المتلاصق، ويمنع المعتقلون من أي اتصال بالعالم الخارجي، كما يجري تصعيد الشعور الطائفي، فالسجَّان يتقصّد إظهار طائفيته في اللهجة والشتائم ليحدث التأثير المطلوب وهو الشعور بالتمييز والاضطهاد الطائفي.

وتعمل المخابرات على جمع المعتقلين العاديين مع إسلاميين متشددين أو مقاتلين قادمين من العراق، وهنا تبدأ عملية التفاعل وتبادل الهم والشعور بالظلم ويتم التوسُّع والاستفاضة في الشرح لتغذية الشعور بالاضطهاد الطائفي، الممارس من «النظام العلوي» مستدلِّين بأنّ غالبية السجَّانين هم من العلويين، وأنّ التهم الموجّهة للمعتقلين هي تهم إسلامية، ومن ثم تلقائياً بعد أن تسود وحدة الحال بين الجانبين، ويتم التزام الوافدين الجدد بالصلاة وبقية الشعائر الدينية، من صيام الاثنين والخميس وآداب الإسلام العامة في الطعام والجلوس وسنن الصلاة وحفظ القرآن، وذلك بسبب هيمنة الإسلاميين عليهم، فهم معتقلون سابقون أو مقاتلون في العراق وأفغانستان، إضافة إلى حاجة السجين للاستعانة بالعبادة استعداداً للرحيل عن الحياة الذي يتهددهم بفعل التعذيب أو المرض أو الجوع أو القهر النفسي.

عند الحكم على هؤلاء المعتقلين المدنيين الأبرياء بأحكام وتهم إسلامية تصل بين سلفي دعوي، وسلفي جهادي، وسلفي تكفيري، وقاعدة، وإخوان مسلمين… يتغيَّر سلوك هؤلاء ويزول آخر حاجز بينهم وبين قدامى الإسلاميين والأمراء والمقاتلين. فالأمل الذي كان لديهم بالبراءة والخروج من المعتقل يتبخَّر، ويقول الواحد منهم لنفسه: «طالما النظام يريدنا أن نكون سلفيين فسوف نصبح سلفيين، ليس لدينا ما نخسره بعد الآن».. فيبدأ الإسلاميون المحترفون بلعب دورهم المنتظر الذي لم يتمكنوا منه قبل الحكم على هؤلاء الأبرياء، فيبدؤون بتلقينهم دروس الدين علناً أو بشبه العلن، وتبدأ دروس «ضوابط التكفير».

هكذا يصنع التطرّف في بلادنا، في ظلمات السجن الرهيب ذلك السجن الذي يعد مقبرة لزائريه، واغتيالاً للأمل بالخروج منه إلى حياة آمنة مطمئنة، ومع ذلك فإنّ نظام الأسد لم يقطع الأمل لهؤلاء بالحياة خارج المعتقل، بالعفو الرئاسي الصادر بموجب المرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 31/5/2011، بل ليكونوا في موقع قيادة العديد من الكتائب «الإسلامية» التي تشكلت بعد فترة زمنية قياسية من تاريخ خروجهم، إذاً ليست هي الرأفة والرحمة بحال السجناء المعذبين، لكنه الخبث والدهاء الذي يهدف إلى شيطنة الثورة، وإدخال سوريا في نفق مظلم من العتمة الكثيفة، ويغرق الوطن ببحر من الدماء الساخنة، نعم ليست رأفة من نظام يصرّ على إخراج دفعات من المتطرّفين، ليعود ويعتقل بدلاً منهم أطفالاً بعمر الورود، يضربون الأرض بأرجلهم إذا قصر أهاليهم بهدايا العيد وشراء الدباديب، أطفال لا يريدهم الأسد وحلفاؤه أن يكونوا على مقاعد الدراسة يتعلمون الرياضيات والرسم والموسيقا، فالحاكم المستبد يكره الموسيقا، كما الدواعش يكرهونها.

  عبد الناصر الحسين

ليفانت – عبد الناصر الحسين

مع دخول النظام السوري في عزلة دولية بعد مقتل رئيس الحكومة اللبنانية «رفيق الحريري»، وإجباره على الخروج من لبنان، شرع، ومنذ عام 2005، في دراسة بعض السيناريوهات التي تنتظره بعد احتلال أمريكا للعراق، والقيام بتدريبات عملية عليها لاستخدامها- إن دعت الضرورة- فقد وضعت العديد من السيناريوهات الاستباقية للاستعداد لمواجهة أي طوارئ محتملة، وجعلت من المعتقلين الإسلاميين ومن سجن «صيدنايا» العسكري فئران تجارب.

في عام 2005، قام نظام الأسد بتنفيذ برنامج تدريبي عملي لإعداد إسلاميين جهاديين، كجزء من اختبار أكبر لصراع محتمل، ومكان الاختبار هو سجن «صيدنايا العسكري»، فقد تمّ تسليم السجن للمعتقلين الإسلاميين بالتدريج، ابتداء من الاستعصاء الأول في 27 آذار 2008، ثم الاستعصاء الثاني في 5 تموز 2008، وبعده تمت العودة إلى فصل السجناء، لكن الإسلاميين كانوا ينتقلون من طابق إلى آخر بواسطة التسلّق على الحبال داخل مجاري التهوية.

البرنامج قام على حشد مئات المعتقلين الإسلاميين ومعتقلين أبرياء ثمّ زجّهم في السجن من أجل تطعيمهم بالتطرّف، وذلك تزامناً مع تطبيق برنامج مدروس من الضغط النفسي والجسدي على السجناء لسنوات عديدة، ولم يكن معتقل صيدنايا فقط مكاناً لهذا البرنامج الترويضي، فلقد كان أيضاً مكاناً لتنظيم الحركات الإسلامية العنيفة التي ظهرت خلال الثورة السورية، كجيش الإسلام بقيادة زهران علوش، وأحرار الشام بقيادة حسان عبود، وصقور الشام بقيادة أحمد عيسى الشيخ، ولعل أخطرهم «نديم بالوش» الذي ظهر دوره في شمال اللاذقية في خطف ضابط من الجيش الحر من تركيا ثم قتله، وفي قتل “أبو بصير اللاذقاني”.

لقد عمل القائمون على برنامج صناعة التطرّف في السجون الأسدية- ومثيلاتها العراقية- على الزجّ بالسجناء المختلفين فكرياً في أتون سجالات فكرية، غالباً ما كانت تتسم بالعنفية، ولم تكن كل الخلافات فكرية، بل إنّ بعضها كان تنظيميَّاً، حيث كانت تجرى انتخابات حقيقية في سجن صيدنايا، لكن الصراع بين التشكيلات الإسلامية بلغ ذروته في المفاوضات التي جرت تمهيداً للخروج من صيدنايا بين لجنة من تسعة قياديين إسلاميين ولجنة من النظام، دامت يومين وانتهت بإعلان الخروج من صيدنايا.

لتنفيذ البرنامج اتبعت أجهزة النظام إجراءً تضمن فيه تحويل مدنيين أبرياء إلى إسلاميين متشددين، وفي حالات عديدة يحملون فكراً تكفيرياً، وبالتالي يتحولون إلى إرهابيين؛ كل ذلك جرى ببطء خلال سنتين أو ثلاث سنوات، لكن بفاعلية وتأثير ونتائج مضمونة، وقد بدأ البرنامج بالقبض على أطفال وشبان صغار بحجج متفاوتة في سخافتها، كحيازة شريط لشيخ إسلامي أو كتاب يحوي أحاديث نبوية، اعتقلوا فتية من عربين وجوبر لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة، ووضعوهم مع عتاة الإسلاميين، أمثال «حيدر الزمّار» و«أبو حذيفة الأردني» و«إبراهيم الظاهر» و«إبراهيم الشعفا»، والبعض من هؤلاء الشبان قبض عليه في أماكن السهر والرقص، واتهموا لاحقاً بأنّهم سلفيون جهاديون، علماً بأنّ معظم من كان في هذا القسم لا يصلّون ولا يقرؤون القرآن، ومع ذلك فقد صار بعض هؤلاء أمراء في مرحلة لاحقة من الصراع السوري، كما جرى خلط مدنيين مع عناصر القاعدة القادمين من معارك في العراق للعلاج في سوريا أو في استراحة بين جولتي قتال أو عائدين إلى منازلهم وذويهم، إضافة لأقليّة من بقايا الإخوان المسلمين، ولعدد من السلفيين الجهاديين، وعناصر من جند الشام، وفتح الإسلام، وحزب التحرير الإسلامي.

تبدأ التهيئة من الفروع الأمنية بالضغط النفسي والجسدي، حيث يتعمّد السجَّان شتم الأعراض وإهانة الكرامة وشتم الله والإسلام والرسول، إضافة للتجويع والتعطيش والمنع من الحركة أو رفع الصوت أو تبادل الأحاديث في مجموعة لا تزيد عن اثنين، والنوم المتلاصق، ويمنع المعتقلون من أي اتصال بالعالم الخارجي، كما يجري تصعيد الشعور الطائفي، فالسجَّان يتقصّد إظهار طائفيته في اللهجة والشتائم ليحدث التأثير المطلوب وهو الشعور بالتمييز والاضطهاد الطائفي.

وتعمل المخابرات على جمع المعتقلين العاديين مع إسلاميين متشددين أو مقاتلين قادمين من العراق، وهنا تبدأ عملية التفاعل وتبادل الهم والشعور بالظلم ويتم التوسُّع والاستفاضة في الشرح لتغذية الشعور بالاضطهاد الطائفي، الممارس من «النظام العلوي» مستدلِّين بأنّ غالبية السجَّانين هم من العلويين، وأنّ التهم الموجّهة للمعتقلين هي تهم إسلامية، ومن ثم تلقائياً بعد أن تسود وحدة الحال بين الجانبين، ويتم التزام الوافدين الجدد بالصلاة وبقية الشعائر الدينية، من صيام الاثنين والخميس وآداب الإسلام العامة في الطعام والجلوس وسنن الصلاة وحفظ القرآن، وذلك بسبب هيمنة الإسلاميين عليهم، فهم معتقلون سابقون أو مقاتلون في العراق وأفغانستان، إضافة إلى حاجة السجين للاستعانة بالعبادة استعداداً للرحيل عن الحياة الذي يتهددهم بفعل التعذيب أو المرض أو الجوع أو القهر النفسي.

عند الحكم على هؤلاء المعتقلين المدنيين الأبرياء بأحكام وتهم إسلامية تصل بين سلفي دعوي، وسلفي جهادي، وسلفي تكفيري، وقاعدة، وإخوان مسلمين… يتغيَّر سلوك هؤلاء ويزول آخر حاجز بينهم وبين قدامى الإسلاميين والأمراء والمقاتلين. فالأمل الذي كان لديهم بالبراءة والخروج من المعتقل يتبخَّر، ويقول الواحد منهم لنفسه: «طالما النظام يريدنا أن نكون سلفيين فسوف نصبح سلفيين، ليس لدينا ما نخسره بعد الآن».. فيبدأ الإسلاميون المحترفون بلعب دورهم المنتظر الذي لم يتمكنوا منه قبل الحكم على هؤلاء الأبرياء، فيبدؤون بتلقينهم دروس الدين علناً أو بشبه العلن، وتبدأ دروس «ضوابط التكفير».

هكذا يصنع التطرّف في بلادنا، في ظلمات السجن الرهيب ذلك السجن الذي يعد مقبرة لزائريه، واغتيالاً للأمل بالخروج منه إلى حياة آمنة مطمئنة، ومع ذلك فإنّ نظام الأسد لم يقطع الأمل لهؤلاء بالحياة خارج المعتقل، بالعفو الرئاسي الصادر بموجب المرسوم التشريعي رقم 61 تاريخ 31/5/2011، بل ليكونوا في موقع قيادة العديد من الكتائب «الإسلامية» التي تشكلت بعد فترة زمنية قياسية من تاريخ خروجهم، إذاً ليست هي الرأفة والرحمة بحال السجناء المعذبين، لكنه الخبث والدهاء الذي يهدف إلى شيطنة الثورة، وإدخال سوريا في نفق مظلم من العتمة الكثيفة، ويغرق الوطن ببحر من الدماء الساخنة، نعم ليست رأفة من نظام يصرّ على إخراج دفعات من المتطرّفين، ليعود ويعتقل بدلاً منهم أطفالاً بعمر الورود، يضربون الأرض بأرجلهم إذا قصر أهاليهم بهدايا العيد وشراء الدباديب، أطفال لا يريدهم الأسد وحلفاؤه أن يكونوا على مقاعد الدراسة يتعلمون الرياضيات والرسم والموسيقا، فالحاكم المستبد يكره الموسيقا، كما الدواعش يكرهونها.

  عبد الناصر الحسين

ليفانت – عبد الناصر الحسين

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit