رغد صدام الطامحة إلى الحكم

عمار ديوب
عمار ديوب

تجاهلتُ بداية الاستماع إلى ابنة الدكتاتور، ولكن الاهتمام العام، أثار “اشتياقي”، وكان ذلك. كان دفاعها عن أبيها وقادة عشيرته، ونظامه فجّاً ووقحاً، وكأنّ العراق لا يقوم إلّا بهم، وليس له من قيمة قبلهم أو بعدهم. أتفق معها على أنّ العراق احتُلَ عام 2003، وأنّ قادته بعد ذلك التاريخ أَذلّوا العراقيين وألحقوهم بإيران، ولكنهم كانوا أذلاء أيضاً أثناء حكم صدام حسين وعصابته، الذين حكموا العراق بالدم والمجازر والقتل، ومنعوا أي شكلٍ من أشكال الحريات.

لا شك أنّ العصابة التي حكمت العراق ما قبل 2003، دافعت عن سلطتها وعن العراق ضد إيران، ولكن من أجل سلطتها أولاً. تقول مستخفة بعقولنا إنّ والدها عاش كما كل العراقيين بعد حصار 1991، حينما غزا الكويت بغباء شديد، وأُخرِجَ منه بتحالفٍ دوليٍّ. وبعدها عانى العراق، ولأكثر من عشرين عاماً، كل أشكال الحصار، ولكن العصابة بقيت حاكمة، فكيف يعاني من يحكم ثروات العراق؟ لا يرف لرغدٍ عين، وهي تقول إنّ صدام حكم لأكثر من أربعين عاماً، بل وتبالغ في “الوقاحة” قائلة بأنّ العالم كلّه تحكمه أنظمة ديكتاتورية. طبعاً، هذا كذب لا يحتاج إلى دليل، وغزو العراق لا يعني ديكتاتورية أمريكية بل يعني حرباً إمبريالية لتدمير بلدٍ، تَوهمت سلطته أنّ الحاجة إليه لم تنتهِ بعد، وبالتالي صار لا بد من شطبه.

استوقفني أنّ السيدة رغد لم توجه تحية للثورة العراقية، التي تكبدت حتى الآن أكثر من ألف شهيد، ومئات المعتقلين، ويُلاحق أفرادها من قبل المليشيات بشكلٍ يوميٍّ، ومنذ انطلاقتها. كان كلامها كلّه عن عائلتها وحزب البعث ومقاومة الأمريكان. هي إذاً، لا تعطي بالاً للعراقيين، وتحاول استدرار عواطفهم بمهاجمة الاحتلالين، الأميركي والإيراني، والنظام الفاسد في العراق. لم تتعلم ابنة الديكتاتور شيئاً من تجربة سقوط نظام والدها، وأنّ الشعوب لا تطيق صبراً بحالة العبودية، وترغب بالتنفس، أقصد الحريات، والتغيير المستمر لرجالات الحكم، واعتماد الديموقراطية، ورفع كاهل أجهزة الأمن. تجاهلت الثورة ومجدت نظام البعث ومظلومية والدها وإخوتها وأخوته وقادة عشيرته، ولا شيء آخر.

كُتِبَ الكثير عن حرب الأنفال والمجازر حينها ضد الأكراد، وكُتِبَ عن عمها “علي الكيماوي”، وكانت الضحايا بعشرات الآلاف وتدمير القرى. تصمت رغد عن ذلك كليّةً. المُحاور لم يكن كفئاً كذلك، ولم يُحرِج السيدة أبداً بسؤالٍ عن ذلك. كانت أسئلته أقرب لتلميعها وصورة صدام حسين. أغلب الظن كانت الأسئلة مُعدّة جيداً، ولها غايات سياسية بالضرورة، ولكن أن تتورّط رغد بذلك، فهو دليل على طموح سياسي مستقبلي، وهو ما لم تنفهِ ولم تؤكده، وطبعاً هو حقٌ لها.

حقها هذا، يرفضه برلمانيون عراقيون فاسدون ومقتدي الصدر وآخرون، بادروا إثر المقابلة، لتفعيل أية مؤسسات لاجتثاث البعث في العراق، وبالغ البعض بضرورة إرسال رسائل توبيخية إلى المملكة السعودية والأردنية، لإظهار رغد إعلامياً. هذا يوضح مقدار الهشاشة في النظام الطائفي في العراق، وضرورة استثمار المقابلة لإعادة تشريع أنفسهم. الفئات الرافضة هذه بدورها تتجاهل الثورة، كما فعلت رغد، بينما كان عليهم الانشغال بهموم المواطنين، وتأمين حاجاتهم، وفك التبعية لإيران، وطرد عناصر حرسها الثوري من العراق. فقط الثورة تريد بناء وطن للعراقيين، وأمّا كافة من وصل للحكم في العراق وبعد 2003 ورجال صدام حسين كذلك، فإنّهم يسعون للسلطة، بكل الطرق والأساليب. لم تتوقف لحظة السيدة عن الإشادة بالقادة العرب، وكذلك صمت مقتدى وقادة المليشيات وأغلبية السياسيين في العراق عن إيران.

حاول بعض المحللين ربط ظهور رغد بطبخةٍ إقليميةٍ، وبأنّها أفضل من تعبر عن “العرب السنة”. طبعاً لا يمكن لابنة صدام حسين أن تقبل بهكذا طبخة، فهي إمّا أن تستلم الحكم كاملاً، وعلى كل العراق وإمّا لا. أجوبة السيدة تقول ذلك. الآن اللعبة في ملعب الأنظمة العربية وسواها، وأما غياب ممثلين جاديين عن “العرب السنة” فيتطلب شخصيات سياسية أقل من رغد، وتقبل بالشراكة مع النظام الحالي، وهذا شأن آخر.

حديث ابنة الديكتاتور، يقول إنّ الأبناء يماثلون أباءهم، ويكرّرون الأخطاء ذاتها، ولا يتعلمون شيئاً، وربما علينا القول: إلّا ما رحم ربي. الأهم إنّ ما يمنع بروز الديكتاتوريات مجدّداً، ليس إسقاط الجنرالات، فهذا عبد الفتاح السيسي يحكم مصر بقبضةٍ من حديد، وفي اليمن ولبيبا شهدنا دكتاتوريات متعددة غير علي عبد الله صالح والقذافي، والأمر ذاته في سوريا؛ ما يمنع ذلك هو بناء نظامٍ ديموقراطي يستند إلى المواطنة، وألّا يستند إلى أيّة مرجعية دينية أو طائفية أو مظلومية قومية مثلاً؛ لنلاحظ أنّ لبنان ورغم ثورته الأخيرة لم يستطع الإطاحة بشخصية واحدة من نظامه. وفي العراق استُبدلت شخصيات بأخرى، ولم يُحاكم واحد منهم. إذاً لا خيار للخلاص من الاستبداد بكل أشكاله، الديني والسياسي، إلا بنظامٍ سياسيٍّ يقطع معه كلية، وهذا لا يخرج عما ذكرنا.

تمّت محاكمة أبرز رموز نظام صدام حسين، عبر آليات طائفية “شيعية” وانتقامية، وكانت بمثابة التأسيس لمظلومية أخرى في العراق، ومهما قلّلنا من شأن ذلك، فهناك مظلومية تخصّ صدام وعشيرته وحزب البعث، ولو أضفنا الكوارث التي فعلها الاحتلال الأمريكي والإيراني والنظام ما بعد صدام بالعراق، فإنّنا لن نعدم بروز رمزيةٍ جديدة لصدام وحزبه وجيشه ودولته. إنَّ ترحم قطاعات من العراقيين على تلك المرحلة، ليس رغبة باستعادتها، كما تتوهم رغد وحزب البعث هناك، بل هو رد فعل على جملة السياسات الفاشلة التي اعتمدت منذ 2003.

إنّ أفضل ما برز في العراق بعد 2003، هي ثورته الأخيرة، فهي وحدها التي تجاوزت الانقسامات الطائفية والقومية والتاريخية، ورفضتها كلّها، فقد عَرَّفَ الثوار ثورتهم بالوطنية، وهذا يوضح الوعي الدقيق بكارثة الاحتلالات للعراق، وقد رفضوا النظام الناهب، وطالبوا بتغييره وليس بالدخول فيه، إذاً لا يمكن إصلاح نظام الفساد والنهب والتبعية والطائفية؛ وبالتالي أين رغد الطامحة، والنظام الحالي مما يقوله شباب العراق، ويُقتَلونَ بسببه.

لا نصيب لرغدٍ في السلطة، ولا يمكن استمرار نظام الحكم في العراق أو لبنان وسواهما؛ الثورات التي تنطلق في منطقتنا، ومنذ عقدٍ، تقول بضرورة التغيير المجتمعي والاقتصادي، والتخلص من كل أشكال الاستبداد أو العصابات الحاكمة، وانتهاج الديمقراطية المواطنية.

عمار ديوب

ليفانت – عمار ديوب