رسائل أنقرة نحو القاهرة.. اضطرار استراتيجي في عالم متغيّر

رامي شفيق
رامي شفيق

ربما من الصعب فصل الملفات السياسية عن بعضها البعض، ورؤية مساراتها التحليلية وتداعياتها دون وعي بتقاطعها وتشابكها معاً.

انطلاقاً من ذلك ينبغي قراءة الرسائل المتواليةـ طيلة الأشهر الماضية، من الجانب التركي الذي يسعى نحو شق جيب في نفق أزمة العلاقات المصرية التركية بعد قرابة سبع سنوات من تراكم وتعقد المشهد، مرة، على تخوم الأيديولوجيا التي يرفعها رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، ومرة أخرى، عبر تضخم الذات وتمدّد أفق صراعاته أكثر مما ينبغي وتحتمل مناورات السياسية.

سعت تركيا عبر الأزمات المتلاحقة التي ضربت النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، خلال العقود السابقة، وما أفضت إليه سقوط عواصم كبرى في المنطقة، سيما بغداد ودمشق، أن يقبض على مقدرات الإقليم المتخم بالنزاعات والأزمات، من خلال الترويج  لنموذج الإسلام السياسي الذي ينبغي أن تتبعه التنظيمات المماثلة، سيما لحظة استلامها الحكم في القاهرة وتمددها في نقاط ساخنة أخرى، بيد أنّ موجات التقدم التي بدت في متخيل أردوغان تبددت مع وعي المصريين ورفضهم لمجريات الأمور وخروجهم في الثلاثين من حزيران (يونيو) عام 2013.

في تلك اللحظة التي كانت فيها إدارة باراك أوباما تلملم أوراقها وتتحرك نحو إعادة ترتيب المشهد، مرة أخرى، في الشرق الأوسط، بينما زمن ولايته الرئاسية يوشك على الانتهاء، كان أردوغان يصوب كافة طاقات غضبه تجاه القاهرة غافلاً عن القدر الحتمي، المهم والحيوي، للقاهرة، من الناحية الجيوستراتيجية، وتأثيراتها، إقليمياً ودولياُ.

كما لم يدرك أردوغان أنّه من الصعوبة بمكان أن تستقر أنقرة وأوضاعها الإقليمية بينما القاهرة تتحرّك في خط موازٍ لأهدافها ومصالحها، خاصة وأنّ أنقرة التي واصلت تحركاتها الخشنة ضد القاهرة كانت قد انخرطت عمداً في الأزمة الليبية وهي تدرك يقيناً أنّ ليبيا واحدة من أهم محددات الأمن القومي المصري. ولن تغفل القاهرة وتترك مصير ليبيا في يد الميلشيات والمرتزقة التي تدفع بهم حكومة الرئيس لتسخين مسرح الأحداث ورفع درجة التوتر إلى الحدود القصوى التي تجبر وتضطر القاهرة على الارتماء نحو طاولة المفاوضات والخضوع لجملة شروطه وأهدافه، وهو ما لم يتحقق بطبيعة الحال.

واصلت أنقرة تمددها الخشن في العراق وسوريا وليبيا وأذربيجان دون إدراك لتداعيات ذلك على المستوى الاستراتيجي، كون الملفات الأخيرة تتشابك حولها أطراف إقليمية عديدة، فضلاً عن الحضور الروسي في ليبيا وسوريا تحديداً، والذي يفضي بالحتمية نحو التنسيق المتبادل فيما بينهما، إذ تتشابك المصالح وتتباين عبر أكثر من مستوى.

والأمر الذي وضع أنقرة في مأزق حقيقي على خلفية انخراطها في هذه الملفات التي تتقاطع مع مصالح قوى إقليمية ودولية هم بالأساس في حالة تنافس أو بالأحرى صراع.

وعليه، يمكن بسهولة أن نرى تركيا وطهران في حالة تنافس عبر ملفات محددة، وعلى استعداد أن يتعاونا في أخريات، في الوقت ذاته، وكذا بينهما وموسكو وبين تلك القوى جميعا وبكين، بيد أنّ كل ذلك ما يزال يرتبط بمحدد رئيس، وهو إرادة الهيمنة الأمريكية على العالم والخدش الذي أصابها خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب.

ولذلك نستطيع أن نرى منسوب تأثير تركيا في ليبيا غير مؤثر، وبالتالي لا نستطيع إبصار حضور تركيا داخل الفضاء الليبي، بل ينبغي القول مباشرة أنّ القاهرة أحدثت تحولاً مباشراً لصالحها في ليبيا .

يظل التحول الاستراتيجي في شرق المتوسط، باعتباره نقطة جيواستراتيجية حرجة في الوضع الإقليمي والدولي، كنتيجة لكافة التداعيات الاقتصادية والسياسية لاكتشافات الطاقة الحاضرة بقوة في البحر المتوسط. وعلى واقع هذا التنافس تحركت القاهرة نحو عقد اتفاق ترسيم للحدود البحرية مع اليونان، المنافسة لتركيا، الأمر الذي عقد الوضع الاستراتيجي التركي الذي دخل في أزمات عديدة، سيما مع فرنسا الذي وصل إلى حد التلاسن فيما بين أردوغان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي إطار الأزمة التي تعانيها تركيا، اضطر أردوغان إلى الدخول في مباحثات مع باريس، والحديث مباشرة مع ماكرون عبر الفيديو، حيث جاء بيان الرئاسة التركية “يمكن لتركيا وفرنسا تقديم مساهمات كبيرة للأمن والاستقرار وجهود السلام من أوروبا إلى القوقاز والشرق الأوسط وأفريقيا”.

ومن هنا، ينبغي أن تعي تركيا جيداً وحزب العدالة والتنمية أن واقع السياسة الدولية لا يقوم أبداً على مرتكز القوة الغاشمة فقط، بل ينبغي أن يدرك أن العمل السياسي والدبلوماسي دوماً يكون في مقدمة القوة ومتمماً لها أيضاً.

ومن خلال ذلك المبدأ يمكن قراءة السياق الذي تحركت من خلاله أنقرة نحو القاهرة وسعيها عبر أصوات دوائر الحكم في تركيا للتواصل مع القاهرة من خلال تصريحات إبراهيم كالين، المتحدّث باسم الرئاسة، وكذلك تصريحات وزير الخارجية التركي، تشاويش أوغلو، بينما غابت تصريحات القاهرة طيلة الأوقات الماضية، حتى خرجت تصريحات صحفية عن مصدر رسمي أوضح أنّه ليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه توصيف “استئناف الاتصالات الدبلوماسية” مع الوضع في الاعتبار أنّ البعثتين الدبلوماسيتين المصرية والتركية موجودتان على مستوى القائم بالأعمال اللذين يتواصلان مع دولة الاعتماد، وفقاً للأعراف الدبلوماسية المتبعة.

وأكد المصدر الرسمي، أنّ الارتقاء بمستوي العلاقة بين البلدين يتطلب مراعاة الأطر القانونية والدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الدول على أساس احترام مبدأ السيادة ومقتضيات الأمن القومي العربي.

وأضاف المصدر أنّ مصر تتوقع من أي دولة تتطلع إلى إقامة علاقات طبيعية معها أن تلتزم بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وأن تكف عن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

تدرك القاهرة جيداً عمق الخلافات التي تضرب علاقات البلدين التي تمتد من ملف الإخوان إلى شرق المتوسط مروراً بملف ليبيا، والمتغيرات التي طرأت بانتقال السلطة في البيت الأبيض إلى الحزب الجمهوري، وتحرك الرئيس جو بايدن نحو إعادة صياغة السياسة الخارجية الامريكية بعيداً عن سياسات سلفه دونالد ترامب، الذي وقع في أواخر أيام حكمه عقوبات على تركيا على خلفية شراء الأخيرة منظومة دفاع جوي روسية أس 400، والتي تعكس بوضوح مناورة أردوغان باللعب مع موسكو على حساب تحالفها التاريخي مع واشنطن.

وهو الأمر الذي دفع إدارة الرئيس بايدن أن تقبض عضلات وجهها في وجه أردوغان عبر عدد من الملفات، أبرزها في ليبيا، ثم إعلانها بشكل مباشر ضرورة خروج كافة ميلشيات المرتزقة من ليبيا في مقاربة واضحة لفلسفة إدارة بايدن نحو الانخراط بشكل مباشر في الأزمة الليبية وعدم الارتكان لأنقرة كوكيل مناهض للحضور والنفوذ الروسي الذي أدى بنتائج على غير أهداف ومصالح واشنطن.

ذلك كله يمنحنا صدق القراءة والتأمل في تحرك أنقرة عبر كافة مستويات الحكم نحو القاهرة ورغبتها في الجلوس على طاولة المفاوضات للاشتباك والحوار عبر ملفات عديدة تأزمت من خلالها العلاقات، بدءاً من ملف الإخوان ووصولاً إلى شرق المتوسط، وما يتصل به من ملفات إقليمية.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق