حياتنا وطنِين لا نسمعه

حماد الثقفي

سرعان ما أصبحت الحاجة إلى البيانات موضوعاً أساسياً لا غنى عنه في ظلّ الأزمة الأخيرة، كوفيد-19، وارتباطه بكافة جوانب حياتنا للتعرّف عليها ولفهم لُغة الإنسان، ومجتمعه الذي ظلّ رقمياً آخذاً في حسبانه التطور الذي من شأنه أن يرسم ملامح المستقبل القادم.

إذ تسيطر عليه الآن الشركات الخاصة بهيمنتها على حجم كبير من البيانات في العالم (كقطاعات تكنولوجيا المعلومات وشركات الاتصالات وشركات التجزئة)، لكن جميع هذه التوجهات تعتمد على جودة البيانات التي تُعالجها، وهكذا تصبح البيانات مصدراً للثروة والقيمة العامة.. وهل يجب علينا إيجاد ميثاق أساسي للبيانات ليتمكّن الأفراد من فهم حقوقهم ومسؤولياتهم؟ ومن المسؤول عن جودة وأمن بياناتنا؟ وكيف نتحكّم ونضمن الخصوصيّة؟ وأخيراً، هل سيستمرّ الأفراد بتقديم البيانات دون الحصول على مقابل مادي؟

في هذا السياق، يمكننا القول إنّ قيمة البيانات تتعدّى كونها “النفط الجديد”، فالمجتمعات التي تعمل دون بيانات دقيقة أشبه بمن يسير دون بوصلة في المرحلة القادمة من التاريخ البشري، وهذا ينطبق بالأخصّ على الشركات والقطاعات الأخرى.

ولنرى الكاتب والمؤلف الموسوعي، والتر إيساكسون، وتحديده مراحل ثلاث للعلوم البشرية، وصفها بالثورات العلمية الثلاث في آخر مائة عام من تاريخ البشرية: (الأولى في كتابه السيرة الذاتية لأينشتاين كثورة نووية أثرت على علوم الفضاء والطب والتسلّح، تليها ثورة المعلومات التي نظمت المعرفة التراكمية بشكل رقمي دقيق جداً في كتابه الأكثر مبيعاً عن مؤسس آبل، ستيف جوبز، وأخيراً التكنولوجيا الحديثة، وتفوقها على سابقتيها كونها تقوم على التشفير في كافة مجالاتنا اليومية بأسلوب يُثير الجدل والمخاوف من قدرتها على التحكم بالعالم ومصيره بل وتوجيهه، وكأنّه آلي أو خادم روبوتي)، والدليل ما أُثير بعد جائحة كورونا وحقن الإنسان أو زرع شريحة ما بداخله، ولا ننسي بطل المرحلة الـRNA أو الحمض النووي الريبوزي، كما كتب عنه الكاتب د. شامان حامد مقالأً عنونه (بشرة خير.. RNA ثغرة بقلب كورونا)، لما فيه من تدخل شكك فيه البعض بعد إنتاج لقاحي «فايزر» و«موديرنا» ووصفه بالتدخل الاستباقي، وبالتالي اللعب بأقدار الناس.

ويظهر ذلك جلياً في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يَعِد بإحداث تغييرات جذرية في المجتمع والحكومات سوياً، وهنا تقع على عاتق الحكومات مهمة مراجعة أعداد كبيرة من القوانين، وتطبيق مبادئ الحوكمة على الفضاء السيبراني، وذلك ابتداءً من توحيد وفرض القوانين المتعلقة بالخصوصية والحماية من خرق البيانات وانتهاءً بالقوانين التي تضمن حيادية الشبكة وتدفق البيانات، إذ هناك نجاحات أثبتتها التطبيقات السعودية (أبشر – توكلنا.. إلخ) عبر بوابات وطنيّة تُمسك بزمام الأمر وأمام عينيها الخصوصية التي شرّعها الخالق، بإشراك أفراد المجتمع بفاعلية، سواء أكانوا مزودي الخدمات ومستخدميها، أشبه بمنصّة مفتوحة تشاركيّة وسريعة الاستجابة بين الحكومة والمتعامل، لتكون المملكة وقيادتها النور الذي يهدي العالم لإنسانيّة الخير، في حين بدأت بعض الدول بتقييد أنظمة الإنترنت فيها مما يضع مفهوم حيادية الشبكة على المحك، لنرى دولاً تتدخل وتقمع الحريات وتنادي بها، كتركيا وإيران وغيرهما.. لنرى إنفاق الشركات على البيانات والتحليلات قد وصل 274 مليار دولار عام 2020، لتكون البيانات بمثابة منجم ذهب خالص عبر بياناتهم الصحية.

ويتعجب الكاتب الصيني الأميركي، كاي فوو لي، إذا كان بيننا الآن، عندما ألف كتابه «القوى العظمى للذكاء الصناعي» 2018، وقوله إنّ “البيانات الضخمة هي النفط الجديد”، لتجد أنّ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم اليوم يبلغ أكثر من 4 مليارات وسبعمائة مليون شخص، وهم المستهدفون ونحن معهم نسير على دروب الأصعدة المالية والاستهلاكية والصحية، معلنين دون إدراكنا نمط ومواعيد حراكنا بين شبكات عنكبوتية أو قل ذُباب عنكبوتي ليس له طنين.

حماد الثقفي

ليفانت – حماد الثقفي