حكومة الوحدة الليبية.. الطريق نحو المستقبل ومحددات الجغرافيا السياسية

رامي شفيق
رامي شفيق

تراوح الأزمة الليبية مكانها بفعل عدد من العوامل، يأتي في مقدمتها الأوضاع الداخلية والمحلية، التي تكمن في النسق القبلي الذي يحكم المجتمع وتركيبته الديموغرافية التي تتكون من قبائل عديدة ومتنوعة تمتد من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. ويعدّ هذا الأمر من أبرز العوامل التي ساهمت في تشكيل الحياة السياسية الليبية منذ عقود طويلة مضت. حكومة 

غير أنّ اعتبارات الفراغ السياسي وتداعياتها المتمثّلة في سقوط المؤسسة الأمنية، وتداعي قوات الأمن الداخلية والجيش، قد ساهمت بشكل كبير في أن تبدو الهوية القبلية بديلاً عن هوية الدولة، وأضحت رقماً مهماً في معادلة الأزمة الليبية، سواء من ناحية الوزن النسبي للمكون القبلي في الداخل أو خريطة تحالفاتها الإقليمية، ما ساعد في اشتعال الأمور خلال سنوات العقد الفائت.

اتّسم نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي بالفراغ السياسي؛ إذ انعدم حضور الأحزاب والنقابات المهنية. وعبر ذلك أضحت القبيلة محدداً رئيساً للاستقرار أو دافعاً مباشراً للاضطراب على خلفية حيازتها الهيمنة، وحضور نفوذها في كافة التحالفات، كنتيجة مباشرة لتوظيف نظام القذافي للمكوّن القبلي، كواحدة من آليات النظام السياسي في فرض قبضة حكمه على المواطنين واعتبارها القناة المتاحة للمرور نحو المكاسب الحياتية الروتينية، التي ينبغي التعامل معها باعتبارها مفردات أساسية للمواطن في ظل أي نظام حكم.

يبرز العامل الثاني في المتغيرات العنيفة التي ضربت النظام الإقليمي، وقد فرضت على جميع اللاعبين في الشرق الأوسط التحرك في مناطق الصراع لحصد المكاسب الاستراتيجية في إطار إعادة صياغة محددات الأمن وموازين القوة في الإقليم، فضلاً عن المتغيرات الدولية التي شهدت عدم الانخراط المباشر للولايات المتحدة الأمريكية نحو عدد من بؤر الصراع في الشرق الأوسط، خاصة في الملف الليبي والسوري، وهو ما حدا بتحركات نشطة للنفوذ الروسي عبر تلك الملفات، لا سيما في ظلّ سنوات حكم الرئيس الامريكي السابق، دونالد ترامب.

وهو الأمر الذي منح قوى إقليمية مساحة حركة على هامش تباينات المصالح فيما بينهما، وبدا ذلك واضحاً في كافة التحركات التركية على مسرح الأحداث الليبية. بيد أنّ الصراع الإقليمي بين الأخيرة والقاهرة عبر جملة نقاط التحمت مباشرة مع مقتضيات الأمن القومي المصري، دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التلويح باللجوء للسياسة الخشنة في ظلّ حضور قيادات وأعيان القبائل الليبية. وكان تحذير السيسي برسم “خط أحمر” عند منطقتي سرت والجفرة الليبيتين، بمثابة توظيف مباشر لكافة عناصر الأزمة الليبية بدءاً من المكون الداخلي في المجتمع الليبي وصولاً لتفاعل القوى الدولية التي تدرك تماماً أنّه لا ينبغي انفجار الأزمة الليبية.

على وقع العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، جرت سلسلة مباحثات طويلة، امتدّت نحو ست سنوات، وأعلن مطلع شهر شباط فبراير الماضي عن سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا تتحمل مسؤولية البلاد في فترة انتقالية تستمر حتى موعد انعقاد الانتخابات، في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) القادم، في ظل ترحيب دولي ودعم أمريكي واضح.

إذ أعلن فوز قائمة “محمد المنفي”، في تصويت الجولة الثانية لمنتدى الحوار السياسي الليبي، المنعقد في جنيف، بتسعة وثلاثين صوتاً، مقابل أربعة وثلاثين صوتاً للقائمة المنافسة بقيادة السيد عقيلة صالح. وتألفت القائمة الرابحة من السيد عبد الحميد دبيبه، رئيساً للحكومة، ومحمد المنفي في منصب رئيس المجلس الرئاسي الليبي.

تتسم شخصيات القائمة بكونها غير جدلية، ولا يعرف عنها انخراطها المباشر، في الصراع العسكري، خلال السنوات الماضية، غير أنّ اللقاء غير المعلن الذي قام به رئيس الحكومة المكلف مع رجب رطيب أردوغان وتصريحاته عن الاتفاقيات التجارية مع أنقرة، دفعت الظنون تتحرّك لدى بعض القوى الإقليمية، رغم زيارته الرسمية نحو القاهرة ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتصريحاته الإيجابية عن القاهرة، وكذا دورها الفاعل والرئيس باتجاه انفراج الأزمة واستقرار الأوضاع وتوحيد المؤسسات.

تبدو تداعيات عمق الأزمة في ليبيا من تفاعل عناصرها الداخلية مع الوضع الإقليمي والدولي، من ناحية، وتباين انحيازات المكونات الداخلية، من ناحية أخرى، الأمر الذي يتجلّى في الخلاف على أكثر من مستوى بداية من صعوبة الاتفاق على مكان انعقاد جلسة مجلس النواب المخوّل له منح الثقة في الحكومة، ثم الاتفاق على تسمية الوزراء المكلفين في الحكومة الانتقالية، ويضاف إلى ذلك تعقيدات الحصول على ثقة البرلمان ذاته، ما دفع عبد الحميد الدبيية أن يعلن استعداده اللجوء إلى الخيار الثاني، وهو ملتقى الحوار السياسي في جنيف، كبديل عن مجلس النواب.

ثمة حقيقة لا ينبغي التحايل عليها أو تأويلها عبر أي مستوى، وهي أنّ كافة تصريحات عبد الحميد الدبيبة تسعى نحو التحرك بخفة بين مستويات القوة النسبية في الفضاء الليبي، سواء على مستوى حيازتها النفوذ والهيمنة في الداخل، أو ارتباطاتها الإقليمية والدولية. والأمر يبدو واضحاً حين نطالع التنوّع في توزيع المناصب حسب جغرافيا المناطق الليبية ما بين الشرق والغرب والجنوب. ويتكشف ذلك بيسر وقد تم الإعلان عن هيكلة الحكومة عبر الصفحة الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “انطلاقاً من المسؤولية الملقاة على حكومة الوحدة الوطنية وتقديراً لحساسية وتحديات المرحلة الأمنية والاقتصادية، اعتمدت الحكومة في تشكيلتها الإبقاء على هيكلية أغلب الوزارات مع بعض الإضافة استثماراً للوقت وتفادياً لما قد تستغرقه عملية الدمج وإعادة الهيكلة، وضمان المشاركة الواسعة والتوزيع الجغرافي للمجتمع الليبي، وسيكون من أولويات عمل الحكومة تحسين الخدمات للمواطن، وتوحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء المراحل الانتقالية بالوصول إلى الاستحقاق الانتخابي”.

لذا، تضع حكومة الوحدة الوطنية بين يدي السادة المواطنين هيكلية الحكومة، والتي ستعرض على السادة أعضاء مجلس النواب في جلسة منح الثقة المزمع انعقادها بمدينة سرت. وقال رئيس الحكومة: ‏”راعينا في تشكيل الحكومة للموازنة ما بين الكفاءة وضمان المشاركة الواسعة لكل المناطق، من خلال الدوائر الانتخابية المختلفة، حتى تكون الحكومة ممثلة فعلياً لجميع الليبيين بتنوعهم، ووضعنا في عين الاعتبار حالة النزاع التي كانت تمر بها البلاد لسنوات وشعور فئات كثيرة بالتهميش وعدم التمثيل”.

إذ لا ينبغي أن نغفل أنّ هيكل الحكومة الذي سيعرض على مجلس النواب في سرت، ارتكز على معيار التوزيع الجغرافي، بحيث جاء منصب القائد الأعلى للجيش من المنطقة الشرقية ورئيس الأركان من المنطقة الغربية، بينما حاز الجنوب على وزارة الداخلية، وفيما اتصل بالمثلث الاقتصادي وبقية الوزارات كانت ذات المرجعية هي الحكم، حيث توزعت كافة الوزارات السيادية والاقتصادية والخدمية بحيث راعت تماماً التنوع والتوزيع الجغرافي والعدالة في إدارة الثروة.

تأسيساً على ذلك يمكن قراءة كافة التحديات التي تواجه الحكومة المكلفة نحو العبور إلى الوجود الحقيقي، سواء في الداخل وما يتصل بأزمة حيازة الثقة من محلس النواب، وكذا الاعتراضات التي ظهرت حين سربت بعض أسماء الوزراء في الحكومة وتحقيق الانتقال السلس للسلطة وجهود توحيد المؤسسات السياسية في ليبيا، فضلاً عن التحديات الإقليمية والدولية وما يتصل بما يتداول إعلامياً حول تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة بخصوص شبهة الفساد في المرحلة الأولى، وقبل اعتماد الآليات النهائية لانتخاب السلطة التنفيذية، الأمر الذي يمكنه طرح كافة التحركات نحو استقرار الاوضاع في ليبيا وإعادته الى نقطة التوتر مرة أخرى.

رامي شفيق

ليفانت- رامي شفيق