حزب العدالة والتنمية يخلق فوضى عارمة في تركيا

أنس ماماش  

بعد الفشل في الحصول على ما كان يريده في السياسة الخارجية ولم يستطيع مواجهة الأزمة الاقتصادية والسياسية في الداخل، وجد حزب العدالة والتنمية، بإدارة أردوغان، الحلّ لتعزيز سلطته من خلال جرّ البلاد إلى الفوضى ،لا سيما أنّه وحتى الآن لم يتلقَّ أي اتصال أو مكالمة من إدارة بايدن. 

لقد اتّخذ الرئيس أردوغان، الذي وقّع قرارات فاضحة واحدة تلو الأخرى بين 17 و20 مارس الجاري، خطوات قلبت قواعد المنطق السياسي. بدايتها كانت بعزل النائب عن حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، من البرلمان، في 17 مارس، ومن ثم تم رفع دعوى قضائية ضد حزب الشعوب الديمقراطي بهدف إغلاقه في اليوم التالي. وعلى الرغم من مرور فترة زمنية طويلة على أزمة حديقة جيزي التي كانت قد أصبحت مادة إعلامية يومية في الشارع التركي، آنذك، تم نقل ملكية هذا العقار، بتاريخ 19 مارس 2021، من بلدية إسطنبول لصالح مؤسسات تابعة لأردوغان، وبينما الشعب لم يكن قد استفاق من هول الصدمة من القررات السابقة الذكر، حتى نزل نبأ استبدال مدير البنك المركزي بمرسوم، في منتصف ليلة 20 مارس، كالصاعقة عليهم، وكذلك قرار إلغاء اتفاقية إسطنبول الذي وقّعه أردوغان في نفس اليوم. 

في الواقع نرى أنّ رجب طيب أردوغان قد بدأ، مؤخراً، بالتحرّك خارج قانون المنطق السياسي، واتخاذ قرارات متناقضة للتصاريح التي أطلقها، حيث قام، في بداية شهر مارس/ آذار الحالي، بالإعلان عن خطة العمل الخاصة بحقوق الإنسان، وكذلك إرسال رسائل تطبيع العلاقات مع كل من مصر والإمارات العربية والسعودية، وبما أنّ أردوغان لم يتلقَّ الاتصال الذي كان يتوقعه من إدارة بايدن، حتى هذه اللحظة، يبدو أنّه اتّخذ قرار صب البنزين في البلاد تمهيداً لإشعال نار الفوضى فيها.

فبعد إعلانه عن خطة عمل من أجل حقوق الإنسان، قام مباشرة بعزل الطبيب من أصل تركي، الدكتور عمر فاروق غيرغيرلي أوغلو، من عضوية البرلمان، وهو ناشط في مجال حقوق الإنسان وكاتب صحفي لدى الجمعية الوطنية الكبرى في تركيا، ونائب عن 27 دورة انتخابية عن حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، عن مدينة كوجالي، وكذلك رفع دعوى قضائية، ومن خلال مكتب المدّعي العام ورئيس المحكمة العليا (بكير شاهين) لإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي.

نتيجة لعملية الإبادة الجماعية السياسية غير القانونية هذه ضد حزب الشعوب الديمقراطي، تحاول إدارة حزب العدالة والتنمية تعطيل أداء حزب الشعوب الديمقراطي، وفي حالة تم إغلاقه، فإنّه سيحاول إخلاء المزيد من الساحة السياسية لأنّه يخشى أن يتم تجميع كتلة حزب الشعوب الديمقراطي تحت إشراف حزب جديد يكون أقوى من ذي قبل. لهذا السبب، في لائحة الاتهام التي أعدّها المدّعي العام، بكير شاهين، هناك حظر سياسي ووقف للمساعدات المالية لـ500 شخص، الذين يشكلون العمود الفقري لحزب الشعوب. يمكن لحكومة حزب العدالة والتنمية النظر في هذين الخيارين بدلاً من إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي.

منذ البداية، هناك مثقفون ناقشوا مسألة إغلاق حزب الشعوب الديمقراطي بسبب إصرار حزب الحركة القومية، الذي يريد إغلاق هذا الحزب بأي وسيلة كانت. الآن يمكن إضافة قرار آخر إلى جملة القرارات التي أطلقها أردوغان ولا تتوافق مع المنطق، في الأيام الأخيرة. لذا ومن أجل فهم مسار السياسة، منذ آذار (مارس)، من الضروري تجاوز المنطق قليلاً.

حزب الشعوب الديمقراطي، الذي استهدفه زعيم حزب الحركة القومية (MHP)، دولت بهجلي، بقوله: “يجب إغلاقه إلى الأبد”، والذي يتحالف معه حزب العدالة والتنمية، يواجه الإبادة الجماعية السياسية من قبل الحكومة. لذا يتعيّن على أردوغان، الذي يمكن أن يصبح رئيساً من خلال تحالفه مع حزب الحركة القومية، تلبية العديد من مطالب حزب الحركة القومية. على الرغم من أنّ حزب العدالة والتنمية يبدو في السلطة، إلا أنّ هناك مؤشرات على أنّ الحزب القومي هو الذي يحكم البلاد.

مع العلم أنّه إذا سحب (MHP) دعمه لأردوغان، فسوف تصبح العدالة والتنمية، كالسمكة التي قذفت خارج الماء، لذا تقوم إدارة حزب العدالة بالضغط بشكل عشوائي على جميع المفاتيح المتواجدة أمامها. لقد تمت إضافة الضغط القومي لحزب الحركة القومية إلى الحكم الاستبدادي لأردوغان، الذي لا يريد أن يفقد سلطته.

فبينما كانت كل الشبكات الإخبارية التركية ما تزال مشغولة بمسألة عزل النائب البرلماني، قام أردوغان بجرّة قلم بالتوقيع على نقل ملكية حديقة جيزي إلى مؤسسة قريبة منه، لكي لا يلتفت الشعب إلى هذه القضية التي كانت حساسة جداً، آنذاك، فكما نذكر، بتاريخ 27 مايو 2013، شهدت البلاد موجة احتجاجات عارمة امتدّت إلى كل أصقاع تركيا وقتها، بسبب قرار أردوغان عن خطة تطوير المنتزه ضمن إطار آلية الأعمال والإنشاءات.

فعندما بدأت الحكومة مناقشة موضوع الحديقة، اقترب الاقتصاد خطوة أخرى في اتجاه الوضع الصعب، فإقالة رئيس البنك المركزي، ناجي أغبال، بموجب مرسوم، وتعيين البرفسور الدكتور شهاب كاوجي أوغلو بدلاً منه، كل هذه الأمور كفيلة في إثارة الفضول لدينا، فإلى متى سيستطيع البرفسور والمدير الجديد أن يستمر في إدارة البنك والبقاء في مركزه، لا سيما أنّه تم تغيير أربعة رؤساء في أربع سنوات؟ فناجي أغبال الذي تمكن من البقاء في منصب محافظ البنك المركزي لمدة 132 يوماً فقط، كان شاكراً لرئيس الجمهورية على إقالته، كاشفاً الوضع المزري لحالة البنك المركزي.

وعلى الرغم من عدم توضيح سبب إقالة أغبال، يقول البعض إنّه تم فصله لأنّه كان يشكك في خسارة 130 مليار دولار، وبالنسبة للبعض لأنّه لم ينجح. مهما كان السبب، بالفعل لقد كان محافظ البنك المركزي السابق في مهمة انتحارية، بدون الاعتماد على الإصلاحات الهيكلية وإجراء تغييرات في السياسة الخارجية، لم يكن من الممكن التخلّص من محنة البنك المركزي، من خلال رفع أسعار الفائدة فقط مع السياسات النقدية. بمعنى آخر، كان ناجي أغبار يحرث في حقل الألغام.

كانت استجابة الأسواق لهذا التغيير المفاجئ في إدارة البنك المركزي قاسية للغاية. اضطرت بورصة إسطنبول، التي شهدت أكبر انخفاض في السنوات الأخيرة، إلى الإغلاق عدة مرات. بعد انخفاض قيمة الليرة التركية بشكل مفرط وبسبب التقلبات، توقفت البنوك عن بيع وشراء العملات الأجنبية، لقد تراجعت تركيا إلى ما بعد عام 1980.

فالشارع التركي لم يكن قد استوعب بعد صدمة مسلسل الإقالات المتتالية، حتى يجد نفسه في صدمة عصبية أخرى قد تؤدي به إلى الانهيار العصبي، وهي انسحاب حكومة أنقرة من اتفاقية إسطنبول، وهي اتفاقية مجلس أوروبا بشأن منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري، موقعة من قبل 45 دولة مع الاتحاد الأوروبي، والتي تحدّد المعايير الأساسية في منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري والتزامات الدول في هذا الصدد، فقد أدّى تصديق تركيا لأول مرة على هذه الاتفاقية الخاصة بالانسحاب من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، التي أعدّها مجلس 12 آذار/ مارس 2012، إلى إحداث موجة صدمة جديدة.

أدّى إلغاء توقيع الرئيس على قرارات اتّخذها البرلمان في تركيا إلى نقاش جديد من قبل المعارضة. فبحسب المعارضة؛ لا يمكن للرئيس أن يلغي قرارات اتّخذها البرلمان بهذه الطريقة العشواء، ومن غير المعروف بالفعل نوع النتيجة التي ستحصل عليها المعارضة، والتي رفعت بدورها هذه المسألة للقضاء من أجل البتّ فيها.

وبعد انسحاب أردوغان من اتفاقية إسطنبول وبتشجيع من الجماعات الإسلامية، ظهر على بعض وسائل الإعلام الموالية لحزب العدالة والتنمية في تركيا، موالين للرئيس، يزعمون أنّ بإمكانهم إحلال الشريعة بدلاً من القانون في غضون 15 دقيقة.

فلقد كان من الصعب جداً في الأسبوع الماضي فهم السياسة التركية، رغم أنّها في الواقع تستند إلى منطق واحد. ففي بداية مارس، عندما قام أردوغان بشرح خطة العمل الخاصة بحقوق الإنسان، وادّعى بتحسين العلاقات مع مصر والإمارات والسعودية، على الرغم من أنّ كل هذه الخطوات الإيجابية المرئية التي حاولت العدالة والتنمية جاهدة من خلالها اجتذاب انتباه الولايات المتحدة إليها وفشلت، فرأت أنّه لا يمكنها الخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية إلا بخلق جو من الفوضى.

يبدو أنّ أردوغان سيضغط بشكل أعمى على جميع المفاتيح الموجودة أمامه حتى يرى نوراً من الولايات المتحدة، فلقد بدأ بصب نيران غضبه في تل أبيض، الواقعة في منطقة الحكم الذاتي، في شمال وشرق سوريا، ففي حال لم ترَ أمريكا هذه النيران، والتي من المحتمل أيضاً أن تحرق حزب العدالة، سيقوم أردوغان بتصديرها إلى خارج الحدود، فلقد أصبح كالطفل المريض عقلياً الذي يكسر ويخرّب كل ما يجده أمامه، منتظراً شخصاً يقوم بتوبيخه، وعلى ما يبدو بأنّه لن يتوقف حتى يتلقّى مكالمة من بايدن. 

أنس ماماش

ليفانت – أنس ماماش ليفانت