جرائم ضد شرفنا

مها حسن
مها حسن

ألقت امرأة بنفسها من شرفة الطابق السادس ولاقت حتفها، أو ربما تم دفعها.. حيث انتشر الخبر على مواقع التواصل، وتعدّدت صيغ الحكاية، مابين أنّ الطبيبة أو الممرضة استقبلت صديقاً في شقتها، أو بأنّه كان عامل تبديل أنبوبة الغاز، تاركة الباب مفتوحاً، ليقتحم بواب العمارة والجيران شقة السيدة منهالين عليها وعلى الرجل الذي معها بالضرب، الأمر الذي جعلها تحاول الاستنجاد بالناس عبر الخروج إلى الشرفة.. لتسقط، أو يدفعها أحدهم، وتموت.

كان المبرر الجاهز في حجة قتل المرأة، هو الشرف. حيث يملك أي عابر طريق، في بلادنا العريية، سلطة الدفاع عن الشرف، وكأنّ أيّ رجل في العالم، هو المشرف الشرعي والرسمي لتطبيق انتهاكات الشرف، المتمثلة فقط، في سلوك النساء.. إذ يمكن أن تكون طريقة ملابس امرأة ما، مدعاة لاعتبارها تمسّ بمفاهيم الشرف.

قبل أيام قليلة على حادثة الطبيبة التي سقطت من شرفة بيتها، أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، قصة تحرش رجل بطفلة في مدخل العمارة، حيث استدرجها، ورصدته كاميرات المراقبة من شقة هي عبارة عن مخبر طبي، لينتشر الفيديو في كثير من البلاد العربية.

وجد الرجل المتحرّش الكثير من الدعم، بحجة أنّ له عائلة ويجب الستر عليه، وثمّة من وضع اللوم، كالعادة، على الضحية، والتي بسبب صغر سنها، تم لوم أمها، التي لم تعتنِ كفاية بابنتها، الأمر الذي عرضها لخطر الرجال.

في بلد آخر، يقتل أب ابنته، لأنّها رفضت عريساً وفق مواصفات العائلة.. في كل يوم، نسمع المزيد عن قصص البنات المقتولات بذريعة الشرف، وفي نفس الوقت، تجري عشرات قصص التحرّش بالبنات، دون أن تحظى هذه الفتيات، بالدفاع عنهن، بالمقدار الذي تحارب به النساء الماسّات بمفهوم الشرف.

النساء الوحيدات

تروي إحدى الطالبات في عاصمة عربي، حيث توجهت للدراسة مغادرة بلدتها الصغيرة، واستأجرت مع عدة بنت أخريات، شقة مشتركة. بنات يبيع أهلهم أملاكهم للإنفاق على دراستهم، طالبات طب واقتصاد وعلوم سياسية وهندسة وإعلام يتعرضن لقهر جماعي، لا يستطيع أحد التصدّي له.

تروي الطالبة، حين عادت إحداهن ذات مساء مرهقة من الدوام، ومحبطة، فقررن لعب الورق، وحين ارتفعت أصوات ضحكة إحداهن، قامت قيامة أهل الحي، وتعرضت الطالبات لاتهامات قلة الشرف وسوء السمعة، وقام الجيران بمضايقتهن، بسبب الضحكة. ثم تتالت الاتهامات، من بينها، أنّ البنات ينشرن ملابس داخلية في الشرفة.

تصف الطالبة حالات الذعر التي تشعر بها، وتستيقظ من النوم خائفة، وهي لديها إحساس بقدرة المجتمع على إنهاء حياتها، في أية لحظة، حين تحاول أية امرأة الدفاع عن مساحتها الخاصة.

يستطيع أي رجل في المجتمع المحافظ، الذي تطبق فيه قوانين الشرف، اتهام أي امرأة بشرفها، حتى لو كان هو المعتدي عليها، وكانت المرأة قد رفضته، بين حكاية الرجل المزورة، وحكاية المرأة، الأغلبية ستصدق سردية الرجل، حيث تقف العادات والتقاليد والتشريعات ضد المرأة، منحازة بقوة للرجل، حتى وهو معتدٍ.

ماهو الشرف؟

منذ سنوات تتكرر المطالبات ذاتها، وما يزال المجتمع رسمياً وشعبياً، يقتل النساء باسم الشرف، فهو يعتبر مجرد كلام امرأة مع رجل غريب، ولو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشمولاً بمفهوم الإساءة للشرف، وتستحق المرأة بموجبه العقاب. بينما، في الطرف المقابل، لا تثور حمية المجتمع، ولا تُعتبر قوانينه صارمة وجاهزة، حين يتعلق الأمر باعتداء رجل ما على شرف امرأة، ولا يخضع سلوك الرجل المعتدي، لمفهوم الإساءة للشرف. فإذا تخيلنا مثلاً أنّ رجلاً قتل رجلاً آخر، لأنّه اعتدى على أخته، أو ابنته، فإنّ القانون لن ينظر إلى الواقعة على أنّها جريمة شرف، وغالباً، فإنّ الرجل يقتل أخته أو ابنته، الضحية، حتى يستر نفسه، ويحافظ على شرفه.

يبدو الأمر في غاية القبح والظلم، حيث المرأة في جميع الحالات، هي الكائن الشرير الذي يتوجّب إيقاع العقاب عليه، وهذا منذ النظرة البدائية إلى حواء، سيدة الغواية، وربّة الخطيئة، التي تدفع جميع النساء، حتى اليوم، أثمان تلك النظرة التأثيمية للمرأة في العالم بأكمله، لا في عالمنا الشرقي فقط، ولكن بنسبة أقوى وأوضح، في عالمنا العربي.

كامرأة، أعتبر أنّ تشريعات الشرف القائمة حتى الآن، وتبنّي المجتمع لها، هي أكبر تمثّلات الاعتداء على كرامة النساء وشرفهن، وهي التي تبرر الكثير من محاولات النيل من شرف النساء، عبر تهديدهن باتهاماتهن بقلة أو عدم الشرف.

مها حسن

ليفانت – مها حسن