بين الهتاف للحرية وحمل السلاح.. ماذا حملت أعوام الثورة العشرة للسوريات؟

نساء سوريات

ليفانت- نور مارتيني

لم يكن يخطر ببال السوريين قبل عشر سنوات، أنّهم قادرين على رفع علم لحزب أو منظمة دولية خارج تلك المعطيات التي تسمح بها المنظومة الأمنية..كثير من السوريون كانوا ينظرون بحرقةٍ وغيرة إلى مشهد تحطيم تمثال الرئيس العراقي “صدّام حسين” في نيسان/ أبريل عام 2003، دون أن يجرؤوا على التصريح حتى لأنفسهم بتلك الرغبة..

السوريات كنّ جزءاً هاماً من تلك المنظومة الفكرية، التي روّج لها نظام القمع في سوريا، فكانت الأمّهات واحداً من صمّامات الأمان التي اتّكأ عليها النظام السوري لتوطيد أركان نظامه الاستبدادي، من خلال بثّ الرعب في قلوبهنّ.

في 15 آذار/ مارس، تغيّر المشهد تماماً، فكانت النساء حاضراتٍ بقوة في المظاهرات التي خرجت في سوق الحميدية الدمشقي العريق، ليتحوّل الهتاف المطروح من قبل الأجهزة الأمنية في مسيرات التأييد التي تشهدها شوارع سوريا مع كلّ مناسبة ذات صلة بالنظام، “الله..سوريا.. بشار وبس”، إلى “الله ..سوريا.. حرّية وبس”، تلهج به حناجر المتظاهرين، دونما خوف.. يومها بدأت الأمهات يدركن أن التغيير قادم، وأن الثورة استحقاق لا مفرمنّه.. إلا بالانخراط فيه..

غير أنّ المنظومة الأمنية، سعت بكلّ ما أوتيت من جبروت وصلف، إلى ابتزاز النساء، وتعنيفهن، سعياً منها إلى تركيعهن، وبدأت تصبّ جامّ غضبها عليهن، فاعتقلت كلّ النسوة اللواتي نادين بالحرية وندّدن بالحل الأمني، وانتقلت لتمارس طغياناً أشدّ على كلّ السيدات اللواتي وقّعن على بيان إدانة لحظر دخول المواد الغذائية إلى محافظة درعا، التي كانت قد خرجت برمّتها ضدّ الأسد، والذي أسماه النظام ساخراً بـ”بيان الحليب”، لتتوالى سلسلة من الانتهاكات التي لا تنتهي، دفعت ثمنها كلّ السوريات، دون استثناء، تماماً كما قاسى منها ما قاسى الرجال والأطفال السوريون، ولم تنجٌ منها الحيوانات والبيئة..

لعلّ التقارير والإحصاءات الصادمة، تشير بما لا يرقى إليه شكّ أن النسوة السوريات، دفعن أثماناً باهظة في سبيل حرية سوريا وكرامتها، وانخرطن في مختلف المجالات، لمؤازرة الثورة وتحقيق أهدافها، دون أن يعرن اهتماماً للضريبة الباهظة التي تنتظرهن، حيث تفيد التقارير الاقتصادية إلى أنه يوجد في سوريا حالياً 13.4 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، إضافة ل13 مليون شخص في جميع أنحاء المنطقة، ويوجد 5.5 مليون لاجئ سوري يقيمون في البلدان المضيفة. و يقدر أن أكثر من 7 ملايين امرأة وفتاة في سن الإنجاب وما يقرب من نصف مليون حامل في سوريا وفي المنطقة في أمس الحاجة لخدمات الصحة الجنسية والإنجابية عالية الجودة.

نساء سوريا.. قبل وبعد

كثيرة هي الانتقادات التي تواجهها السوريات، ففي حين يشار بأصابع الاتهام بالتطرّف إلى المرأة السورية، تحديداً في المناطق التي تهيمن عليها تنظيمات متشدّدة دينياً، بصرف النظر عن المؤسسة الدينية المسيطرة على المنطقة.

سوريات أخريات ممن هاجرن إلى أوروبا، وجدن أنفسهن يواجهن تهماً تطال المفاهيم الإخلاقية، ولا يمكن الإنكار -بطبيعة الحال- أنّ ردود الفعل على الكبت الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع الأبويّ في سوريا، كانت صادمةً، سيما في ظلّ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

أخريات، وجدن أنفسهن مضطرات لحمل السلاح في بعض الأحيان، بعد أن فقدن المعيل والسند، سيما حين يتعلّق الأمر بالكينونة والوجود، وهو ما دفع “سعاد الكياري” إلى حمل السلاح، وبطبيعة الحال هو ذاته ما دفع فتيات مناطق شمال شرق سوريا، حين هاجم تنظيم “داعش” المنطقة ابتداء من عام 2014.

كلّ هذه التوجهات جعلت من المرأة السورية محطّ انتقادٍ في مناسبات عدّة، متناسين أنّ لكلّ فعل ردّ فعل يساويه في الشدّة ويعاكسه في الاتجاه، ما يعني أنّ المجتمع السوري أساساً أفضى بالنساء إلى هذا الحال.

حول المنظومة التربوية والتحدّيات الاجتماعية التي تواجهها المرأة السورية، قبل وبعد الثورة، ترى الصحفية السورية “ميساء آقبيق” والتي سبق وأن عملت لسنوات في تحرير أحد البرامج المختصة في شؤون المرأة والطفل، في قناة “أبو ظبي” التلفزيونية، أنّ “جذور المشكلة تعود إلى التربية الاجتماعية، التي هي ذكورية في الغالب، فالأمهات يعمدن إلى تنشئة الإناث منذ نعومة اظفارهنّ على مفاهيم تتعلق باسترضاء الزوج، والاهتمام بقضايا ثانوية، دون أن يزرعن فيهنّ قيم البحث عن الذات، ودون أدنى محاولة لحثّهن على بناء شخصيتهن المستقلة”، موضحةً أنّ “سمات التربية هذه تنسحب على أغلب البيئات السورية المحافظة، الأمر الذي أحدث لى كثيراتٍ صدمةً حضارية، عندما انتقلن إلى المجتمعات المنفتحة بشكل مفاجئ”.

الصحفية السورية ميساء آقبيق

من جهتها اعتبرت الصحفية السورية “غصون أبو الذهب“، رئيسة تحرير موقع “سيريا بريس”، تقول لـليفانت نيوز: “تشاركت المرأة السورية في كل بقاع الجغرافية السورية المعاناة وتبعات الحرب، ودفعت أثمانًاً باهظة، وهذا دفعها لإثبات وجودها في عدة مجالات تركت فيها بصمات يعتدّ بها” وبيّنت أنّه “لابد أنّ لكل مكان خصوصية وأولويات مختلفة، فالنساء في الداخل مازلن يبحثن عن الأمان وسبل العيش، وهذا جعل المرأة أكثر بحثاً عن العمل، بسبب الحاجة الاقتصادية وأخريات يحاولن اكتساب بعض المهارات، وتمكين أنفسهنّ على عدة أصعدة منها سياسي ومهني وتقني وغيرها”.

خصوصية المكان والمرأة السورية

 ألقى التوزع الجغرافي بظلاله على التجارب النسائية، فوجدت بعض النسوة السوريات أنفسهنّ في مجتمعات أكثر انغلاقاً من المعهود، ما أدى إلى تراجع حقوق المرأة، وتدهور المنظومة المجتمعية في بعض الأحيان، كما هو الحال في ظلّ داعش، أو حتى في الكانتونات المغلقة المنتشرة في دول الجوار والمغترب، حيث تقيم نسوة لم يقيّض لهنّ أن يمتلكن المقدرة على التحصيل العلميّ الذي يسمح لهنّ بشيء من الاستقلالية، ضمن هذه المجتمعات التي يهيمن الذكور على القرار فيها عادةً، فيكون الخيار الأقرب إلى الواقع هو تقديم الكثير من التنازلات الاجتماعية مقابل إيجاد موطئ قدم في هذه المجتمعات، في حين تكون ردّة الفعل عكسية في أحيان أخرى، فتتمرّد النساء بردود تفوق المتوقّع، وهو تماماً ما كشفت عنه حالات الطلاق والتفكّك الأسري في بعض الأحيان.

وبهذا الصدد، ترى “أبو الذهب” أنّه ” في تركيا وجدت المرأة السورية حلولاً مختلفة جعلتها تنخرط في سوق العمل، وبتنا نرى سيدات في أعمال لم نعتاد عليها في سوريا، وهذا يدل على أن المرأة السورية لها قدرة مميزة على التكيف والعمل بكرامة، أما المرأة السورية في أوربا فقد عاشت ثقافة أخرى مختلفة وجدت فيها الاستقلال المالي والقوانين الداعمة، مما جعلها أكثر تحرراً واستقلالاً وتحكّماً في حياتها، ومن نافل القول أن المرأة السورية أينما كانت وتحت أي ظرف وفي أي بقاع جغرافية، أثبتت بجدارة أنها على قدر المسؤولية، ووجدت لها موطئ قدم”.

ميساء آقبيق“في حديثها لـ”ليفانت نيوز”، اعتبرت أنّ “النساء في مناطق قسد، كنّ على الدومام أفضل حالاً، حيث أنّهن أكثر انفتاحاً، ولا تعاني مجتمعاتهن من هذا القدر الكبير من التفريق بين الذكور والإناث، لهذا كانت المرأة الكردية أكثر انطلاقاً من مثيلاتها في المناطق الأخرى، لدرجة مكّنتها من أن تكون امرأة مقاتلة”، وتنوّه الصحفية السورية إلى أنّه “بالطبع لا بدّ من وجود استثناءات متعلّقة بالنساء الكردية وهي ناجمة عن تركيبة المجتمع برمّته، كقضايا الأسرة والزواج والطلاق التي تتشابه مع محيطها السوري، وبالمقابل فإنّ حالة حمل السلاح قلما شهدناها في المجتمعات السورية باستثناء المقاتلات النساء اللواتي كنّ يقاتلن إلى جانب نظام الأسد”.

كما أوضحت أنّ “بعض النساء ممن انتقلن إلى المجتمعات الأوروبية، من مجتمعات هي أساساً منغلقة، لم يمهلن أنفسهن فرصة للتعرّف إلى المجتمع الجديد، فكانت ردّات فعلنّ مبالغ فيها”، ولفتت إلى أنّ “النساء السوريات في بعض المناطق المتشدّدة، وبسبب الانغلاق لم يتقبّلن المرألأة السافرة، في حين لم تعانِ النسوة الوافدات إلى أوروبا أو أمريكا من هذه المشاكل، بسبب تركيبة المجتمع المنفتحة على كلّ الثقافات والأديان.

ما هو الدور المنوط بالمرأة السورية..بعد 10 سنوات من الثورة؟

عادةً ما تقع على عاتق المرأة مهمة إعادة بناء المجتمعات التي تمزّقها الحروب، ويبدأ الحل من عندها، ليشمل المجتمع برمّته، فالذكاء العاطفي الذي تتمتع به النساء يجعل منهنّ أكثر قدرةً على التكّهن بمواطن الضعف والالتفاف عليها لمعالجتها.

اقرأ المزيد: أليس مفرج لليفانت: ملف المعتقلين.. أداة مساومة لرفع العقوبات عن النظام

ففي ألمانيا على سبيل المثال، وفي العديد من المدن الكبرى، يوجد نصب تذكاري يرمز إلى شخصية أُطلق عليها اسم “امرأة الأنقاض”. ويقال إن أعداداً كبيرة من هؤلاء النساء أقدمن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بكل حماس، على إزالة الأنقاض في المدن المدمرة.

نساء الأنقاض

وكان المستشار الألماني السابق هلموت كول، قد أشاد بهنّ عام 2005 في مدينة ميونيخ، ووصف نساء الأنقاض بأنهن “رمز لتصميم الألمان على البناء والبقاء على قيد الحياة”. وأضاف: “يذكر النصب التذكاري بالعدد الكبير من النساء اللواتي تطوعن لإزالة أنقاض الحرب”.

وفي حين قلّلت المؤرخة ليوني تريبر، من شأن هذا الحراك النسوي، حيث قالت: “لم تلعب النساء إلا دورا ثانوياً في إزالة الأنقاض في المدن الألمانية”، وتابعت: “فرغم أن 60 ألف مرأة تقريبا شاركت في برلين مثلا في إزالة الأنقاض، إلا أن هذه نسبة لا تزيد على خمسة بالمائة من سكان المدينة من نسبة النساء آنذاك. وفي منطقة الاحتلال البريطانية لم تبلغ هذه النسبة إلا 0.3 بالمائة”، غير أنّ الرمزية من خلال إقامة نصب تذكاري لهن، تشير إلى أهمية الدور الذي اضطلعن به.

أما في البوسنة، فقد تعرضت النساء البوسنيات خلال الحرب البوسنية للعبودية الجنسية من طرف صرب البوسنة، حيث قُدِرت عدد النساء المتعرضات للاغتصاب بين 12 ألف و 50 ألف سيدة وفتاة غالبيتهنّ من المسلمات.

وبعد نضال لم يتوقّف، تم تحميل رادوفان كاراديتش الزعيم السياسي لصرب البوسنة والجنرال راتكو ملاديتش، الذي قاد المليشيا الصربية بالإضافة للعديد من القادة السياسيين والعسكريين وشبه العسكريين، المسؤولية عن تنظيم عمليات قتل المدنيين وتشريدهم، وقد أعلن الرئيس الصربي اعتقال ملاديتش في 26 مايو 2011 وتسليمه إلى محكمة العدل الدولية.

فيما يتعلّق بالنسوة السوريات، تقول “غصون أبو الذهب”: رأينا سيدات سوريات دخلن مضمار السياسية و تبنّين قضايا حقوق الإنسان في المحافل الدولية، وأخريات برعن في مجال عملهن ونلن جوائز عالمية في الفن والعلوم والإعلام وغيرها، نعم ربما اختلفت أولويات المرأة السورية من مكان إلى آخر، وربما أصبح هناك شرخ اجتماعي ترك ظلاله على المجتمع والأسرة ولكن باعتقادي أن المرأة السورية كطائر الفينيق أثبتت ومازالت تثبت أنها ستنفض عنها الرماد وتنهض من جديد”.

اقرأ المزيد: في الذكرى العاشرة للثورة السورية.. الاتحاد الأوروبي يتعهّد بمواصلة معاقبة رموز النظام

من جهتها أكّدت الصحفية السورية “ميساء آقبيق”، أنّ “يحتاج المجتمع السوري إلى بناء ثقافة مجتمعية جديدة، ورفع سوية الوعي لدى كافة فئاته، التي تشكّل النساء واحداً منها، فدائرة العنف المغلقة التي يعاني منها المجتمع بأسره، إذا أضفنا إليها قلّة الوعي والاطّلاع لدى النساء فيما يتعلّق بقضايا التربية، هي أولى المشاكل التي ينبغي معالجتها، قبل الحديث عن دور المرأة، فالحلّ رهن بإعادة تركيب المجتمع برمّته، وتوعية الفتيات، وحينها يمكن للنساء بالقيام بدورهنّ على أفضل وجه”.

لم تنتهِ فصول المأساة السورية المتواصلة منذ عشرة أعوام، ولكنّ مرحلة “جرد الحسابات” من قبل المجتمع الدولي، التي تزامنت مع إحياء الذكرى العاشرة للثورة السورية، كشفت اللثام عن أرقام صادمة، كانت النساء أبرز ضحاياها، ولهذا من الضروري التذكير، بأنّ الإصلاح يبدأ من منح المرأة هامشاً من الثقة والمحبّة لتتمكّن من بناء بيتها، ورفع أنقاض الدمار، على غرار ما فعلته النسوة الألمانيات..

ليفانت- نور مارتيني

لم يكن يخطر ببال السوريين قبل عشر سنوات، أنّهم قادرين على رفع علم لحزب أو منظمة دولية خارج تلك المعطيات التي تسمح بها المنظومة الأمنية..كثير من السوريون كانوا ينظرون بحرقةٍ وغيرة إلى مشهد تحطيم تمثال الرئيس العراقي “صدّام حسين” في نيسان/ أبريل عام 2003، دون أن يجرؤوا على التصريح حتى لأنفسهم بتلك الرغبة..

السوريات كنّ جزءاً هاماً من تلك المنظومة الفكرية، التي روّج لها نظام القمع في سوريا، فكانت الأمّهات واحداً من صمّامات الأمان التي اتّكأ عليها النظام السوري لتوطيد أركان نظامه الاستبدادي، من خلال بثّ الرعب في قلوبهنّ.

في 15 آذار/ مارس، تغيّر المشهد تماماً، فكانت النساء حاضراتٍ بقوة في المظاهرات التي خرجت في سوق الحميدية الدمشقي العريق، ليتحوّل الهتاف المطروح من قبل الأجهزة الأمنية في مسيرات التأييد التي تشهدها شوارع سوريا مع كلّ مناسبة ذات صلة بالنظام، “الله..سوريا.. بشار وبس”، إلى “الله ..سوريا.. حرّية وبس”، تلهج به حناجر المتظاهرين، دونما خوف.. يومها بدأت الأمهات يدركن أن التغيير قادم، وأن الثورة استحقاق لا مفرمنّه.. إلا بالانخراط فيه..

غير أنّ المنظومة الأمنية، سعت بكلّ ما أوتيت من جبروت وصلف، إلى ابتزاز النساء، وتعنيفهن، سعياً منها إلى تركيعهن، وبدأت تصبّ جامّ غضبها عليهن، فاعتقلت كلّ النسوة اللواتي نادين بالحرية وندّدن بالحل الأمني، وانتقلت لتمارس طغياناً أشدّ على كلّ السيدات اللواتي وقّعن على بيان إدانة لحظر دخول المواد الغذائية إلى محافظة درعا، التي كانت قد خرجت برمّتها ضدّ الأسد، والذي أسماه النظام ساخراً بـ”بيان الحليب”، لتتوالى سلسلة من الانتهاكات التي لا تنتهي، دفعت ثمنها كلّ السوريات، دون استثناء، تماماً كما قاسى منها ما قاسى الرجال والأطفال السوريون، ولم تنجٌ منها الحيوانات والبيئة..

لعلّ التقارير والإحصاءات الصادمة، تشير بما لا يرقى إليه شكّ أن النسوة السوريات، دفعن أثماناً باهظة في سبيل حرية سوريا وكرامتها، وانخرطن في مختلف المجالات، لمؤازرة الثورة وتحقيق أهدافها، دون أن يعرن اهتماماً للضريبة الباهظة التي تنتظرهن، حيث تفيد التقارير الاقتصادية إلى أنه يوجد في سوريا حالياً 13.4 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، إضافة ل13 مليون شخص في جميع أنحاء المنطقة، ويوجد 5.5 مليون لاجئ سوري يقيمون في البلدان المضيفة. و يقدر أن أكثر من 7 ملايين امرأة وفتاة في سن الإنجاب وما يقرب من نصف مليون حامل في سوريا وفي المنطقة في أمس الحاجة لخدمات الصحة الجنسية والإنجابية عالية الجودة.

نساء سوريا.. قبل وبعد

كثيرة هي الانتقادات التي تواجهها السوريات، ففي حين يشار بأصابع الاتهام بالتطرّف إلى المرأة السورية، تحديداً في المناطق التي تهيمن عليها تنظيمات متشدّدة دينياً، بصرف النظر عن المؤسسة الدينية المسيطرة على المنطقة.

سوريات أخريات ممن هاجرن إلى أوروبا، وجدن أنفسهن يواجهن تهماً تطال المفاهيم الإخلاقية، ولا يمكن الإنكار -بطبيعة الحال- أنّ ردود الفعل على الكبت الاجتماعي الذي يمارسه المجتمع الأبويّ في سوريا، كانت صادمةً، سيما في ظلّ انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

أخريات، وجدن أنفسهن مضطرات لحمل السلاح في بعض الأحيان، بعد أن فقدن المعيل والسند، سيما حين يتعلّق الأمر بالكينونة والوجود، وهو ما دفع “سعاد الكياري” إلى حمل السلاح، وبطبيعة الحال هو ذاته ما دفع فتيات مناطق شمال شرق سوريا، حين هاجم تنظيم “داعش” المنطقة ابتداء من عام 2014.

كلّ هذه التوجهات جعلت من المرأة السورية محطّ انتقادٍ في مناسبات عدّة، متناسين أنّ لكلّ فعل ردّ فعل يساويه في الشدّة ويعاكسه في الاتجاه، ما يعني أنّ المجتمع السوري أساساً أفضى بالنساء إلى هذا الحال.

حول المنظومة التربوية والتحدّيات الاجتماعية التي تواجهها المرأة السورية، قبل وبعد الثورة، ترى الصحفية السورية “ميساء آقبيق” والتي سبق وأن عملت لسنوات في تحرير أحد البرامج المختصة في شؤون المرأة والطفل، في قناة “أبو ظبي” التلفزيونية، أنّ “جذور المشكلة تعود إلى التربية الاجتماعية، التي هي ذكورية في الغالب، فالأمهات يعمدن إلى تنشئة الإناث منذ نعومة اظفارهنّ على مفاهيم تتعلق باسترضاء الزوج، والاهتمام بقضايا ثانوية، دون أن يزرعن فيهنّ قيم البحث عن الذات، ودون أدنى محاولة لحثّهن على بناء شخصيتهن المستقلة”، موضحةً أنّ “سمات التربية هذه تنسحب على أغلب البيئات السورية المحافظة، الأمر الذي أحدث لى كثيراتٍ صدمةً حضارية، عندما انتقلن إلى المجتمعات المنفتحة بشكل مفاجئ”.

الصحفية السورية ميساء آقبيق

من جهتها اعتبرت الصحفية السورية “غصون أبو الذهب“، رئيسة تحرير موقع “سيريا بريس”، تقول لـليفانت نيوز: “تشاركت المرأة السورية في كل بقاع الجغرافية السورية المعاناة وتبعات الحرب، ودفعت أثمانًاً باهظة، وهذا دفعها لإثبات وجودها في عدة مجالات تركت فيها بصمات يعتدّ بها” وبيّنت أنّه “لابد أنّ لكل مكان خصوصية وأولويات مختلفة، فالنساء في الداخل مازلن يبحثن عن الأمان وسبل العيش، وهذا جعل المرأة أكثر بحثاً عن العمل، بسبب الحاجة الاقتصادية وأخريات يحاولن اكتساب بعض المهارات، وتمكين أنفسهنّ على عدة أصعدة منها سياسي ومهني وتقني وغيرها”.

خصوصية المكان والمرأة السورية

 ألقى التوزع الجغرافي بظلاله على التجارب النسائية، فوجدت بعض النسوة السوريات أنفسهنّ في مجتمعات أكثر انغلاقاً من المعهود، ما أدى إلى تراجع حقوق المرأة، وتدهور المنظومة المجتمعية في بعض الأحيان، كما هو الحال في ظلّ داعش، أو حتى في الكانتونات المغلقة المنتشرة في دول الجوار والمغترب، حيث تقيم نسوة لم يقيّض لهنّ أن يمتلكن المقدرة على التحصيل العلميّ الذي يسمح لهنّ بشيء من الاستقلالية، ضمن هذه المجتمعات التي يهيمن الذكور على القرار فيها عادةً، فيكون الخيار الأقرب إلى الواقع هو تقديم الكثير من التنازلات الاجتماعية مقابل إيجاد موطئ قدم في هذه المجتمعات، في حين تكون ردّة الفعل عكسية في أحيان أخرى، فتتمرّد النساء بردود تفوق المتوقّع، وهو تماماً ما كشفت عنه حالات الطلاق والتفكّك الأسري في بعض الأحيان.

وبهذا الصدد، ترى “أبو الذهب” أنّه ” في تركيا وجدت المرأة السورية حلولاً مختلفة جعلتها تنخرط في سوق العمل، وبتنا نرى سيدات في أعمال لم نعتاد عليها في سوريا، وهذا يدل على أن المرأة السورية لها قدرة مميزة على التكيف والعمل بكرامة، أما المرأة السورية في أوربا فقد عاشت ثقافة أخرى مختلفة وجدت فيها الاستقلال المالي والقوانين الداعمة، مما جعلها أكثر تحرراً واستقلالاً وتحكّماً في حياتها، ومن نافل القول أن المرأة السورية أينما كانت وتحت أي ظرف وفي أي بقاع جغرافية، أثبتت بجدارة أنها على قدر المسؤولية، ووجدت لها موطئ قدم”.

ميساء آقبيق“في حديثها لـ”ليفانت نيوز”، اعتبرت أنّ “النساء في مناطق قسد، كنّ على الدومام أفضل حالاً، حيث أنّهن أكثر انفتاحاً، ولا تعاني مجتمعاتهن من هذا القدر الكبير من التفريق بين الذكور والإناث، لهذا كانت المرأة الكردية أكثر انطلاقاً من مثيلاتها في المناطق الأخرى، لدرجة مكّنتها من أن تكون امرأة مقاتلة”، وتنوّه الصحفية السورية إلى أنّه “بالطبع لا بدّ من وجود استثناءات متعلّقة بالنساء الكردية وهي ناجمة عن تركيبة المجتمع برمّته، كقضايا الأسرة والزواج والطلاق التي تتشابه مع محيطها السوري، وبالمقابل فإنّ حالة حمل السلاح قلما شهدناها في المجتمعات السورية باستثناء المقاتلات النساء اللواتي كنّ يقاتلن إلى جانب نظام الأسد”.

كما أوضحت أنّ “بعض النساء ممن انتقلن إلى المجتمعات الأوروبية، من مجتمعات هي أساساً منغلقة، لم يمهلن أنفسهن فرصة للتعرّف إلى المجتمع الجديد، فكانت ردّات فعلنّ مبالغ فيها”، ولفتت إلى أنّ “النساء السوريات في بعض المناطق المتشدّدة، وبسبب الانغلاق لم يتقبّلن المرألأة السافرة، في حين لم تعانِ النسوة الوافدات إلى أوروبا أو أمريكا من هذه المشاكل، بسبب تركيبة المجتمع المنفتحة على كلّ الثقافات والأديان.

ما هو الدور المنوط بالمرأة السورية..بعد 10 سنوات من الثورة؟

عادةً ما تقع على عاتق المرأة مهمة إعادة بناء المجتمعات التي تمزّقها الحروب، ويبدأ الحل من عندها، ليشمل المجتمع برمّته، فالذكاء العاطفي الذي تتمتع به النساء يجعل منهنّ أكثر قدرةً على التكّهن بمواطن الضعف والالتفاف عليها لمعالجتها.

اقرأ المزيد: أليس مفرج لليفانت: ملف المعتقلين.. أداة مساومة لرفع العقوبات عن النظام

ففي ألمانيا على سبيل المثال، وفي العديد من المدن الكبرى، يوجد نصب تذكاري يرمز إلى شخصية أُطلق عليها اسم “امرأة الأنقاض”. ويقال إن أعداداً كبيرة من هؤلاء النساء أقدمن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بكل حماس، على إزالة الأنقاض في المدن المدمرة.

نساء الأنقاض

وكان المستشار الألماني السابق هلموت كول، قد أشاد بهنّ عام 2005 في مدينة ميونيخ، ووصف نساء الأنقاض بأنهن “رمز لتصميم الألمان على البناء والبقاء على قيد الحياة”. وأضاف: “يذكر النصب التذكاري بالعدد الكبير من النساء اللواتي تطوعن لإزالة أنقاض الحرب”.

وفي حين قلّلت المؤرخة ليوني تريبر، من شأن هذا الحراك النسوي، حيث قالت: “لم تلعب النساء إلا دورا ثانوياً في إزالة الأنقاض في المدن الألمانية”، وتابعت: “فرغم أن 60 ألف مرأة تقريبا شاركت في برلين مثلا في إزالة الأنقاض، إلا أن هذه نسبة لا تزيد على خمسة بالمائة من سكان المدينة من نسبة النساء آنذاك. وفي منطقة الاحتلال البريطانية لم تبلغ هذه النسبة إلا 0.3 بالمائة”، غير أنّ الرمزية من خلال إقامة نصب تذكاري لهن، تشير إلى أهمية الدور الذي اضطلعن به.

أما في البوسنة، فقد تعرضت النساء البوسنيات خلال الحرب البوسنية للعبودية الجنسية من طرف صرب البوسنة، حيث قُدِرت عدد النساء المتعرضات للاغتصاب بين 12 ألف و 50 ألف سيدة وفتاة غالبيتهنّ من المسلمات.

وبعد نضال لم يتوقّف، تم تحميل رادوفان كاراديتش الزعيم السياسي لصرب البوسنة والجنرال راتكو ملاديتش، الذي قاد المليشيا الصربية بالإضافة للعديد من القادة السياسيين والعسكريين وشبه العسكريين، المسؤولية عن تنظيم عمليات قتل المدنيين وتشريدهم، وقد أعلن الرئيس الصربي اعتقال ملاديتش في 26 مايو 2011 وتسليمه إلى محكمة العدل الدولية.

فيما يتعلّق بالنسوة السوريات، تقول “غصون أبو الذهب”: رأينا سيدات سوريات دخلن مضمار السياسية و تبنّين قضايا حقوق الإنسان في المحافل الدولية، وأخريات برعن في مجال عملهن ونلن جوائز عالمية في الفن والعلوم والإعلام وغيرها، نعم ربما اختلفت أولويات المرأة السورية من مكان إلى آخر، وربما أصبح هناك شرخ اجتماعي ترك ظلاله على المجتمع والأسرة ولكن باعتقادي أن المرأة السورية كطائر الفينيق أثبتت ومازالت تثبت أنها ستنفض عنها الرماد وتنهض من جديد”.

اقرأ المزيد: في الذكرى العاشرة للثورة السورية.. الاتحاد الأوروبي يتعهّد بمواصلة معاقبة رموز النظام

من جهتها أكّدت الصحفية السورية “ميساء آقبيق”، أنّ “يحتاج المجتمع السوري إلى بناء ثقافة مجتمعية جديدة، ورفع سوية الوعي لدى كافة فئاته، التي تشكّل النساء واحداً منها، فدائرة العنف المغلقة التي يعاني منها المجتمع بأسره، إذا أضفنا إليها قلّة الوعي والاطّلاع لدى النساء فيما يتعلّق بقضايا التربية، هي أولى المشاكل التي ينبغي معالجتها، قبل الحديث عن دور المرأة، فالحلّ رهن بإعادة تركيب المجتمع برمّته، وتوعية الفتيات، وحينها يمكن للنساء بالقيام بدورهنّ على أفضل وجه”.

لم تنتهِ فصول المأساة السورية المتواصلة منذ عشرة أعوام، ولكنّ مرحلة “جرد الحسابات” من قبل المجتمع الدولي، التي تزامنت مع إحياء الذكرى العاشرة للثورة السورية، كشفت اللثام عن أرقام صادمة، كانت النساء أبرز ضحاياها، ولهذا من الضروري التذكير، بأنّ الإصلاح يبدأ من منح المرأة هامشاً من الثقة والمحبّة لتتمكّن من بناء بيتها، ورفع أنقاض الدمار، على غرار ما فعلته النسوة الألمانيات..

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit