العنف الجنسي كوسيلة تعذيب في فروع أمن الدولة

العنف الجنسي كوسيلة تعذيب في فروع أمن الدولة

بتاريخ 11/3/2021 كان موعد الجلسة الرابعة والستين من محاكمة المتهم أنور رسلان في المحكمة الإقليمية العليا بمدينة كوبلنز. حضر الشاهد مع محاميته الخاصة التي تقدمت بطلب بداية الجلسة مفاده عدم عرض اسم موكلها أو أي معلومات شخصية أخرى، والسماح له بالإبقاء على الكمامة لأنّ موكلها خائف مما حدث مع شهود آخرين، وخاصة من خلال وسائل الإعلام العربية والضغط الذي تعرضوا له أو التهديدات التي وصلت لعائلاتهم، وخاصة أنّ عائلته ما تزال في سوريا. وافقت هيئة القضاة على طلب المحامية، ولم يُفصح عن معلومات الشاهد الخاصة للحضور.

تحدّث الشاهد بداية عن سبب اعتقال أفرع أمن الدولة له، والذي لم يكن السبب مشاركته بالمظاهرات، وإنما كِسر في هويته الشخصية جعلهم يعتقدون أنّه فعلها عمداً لأنّ “الشيخ العرعور” طلب حينها من المتظاهرين كسر هوياتهم الشخصية، كنوعٍ من الاحتجاج على النظام في سوريا، بالإضافة لأنّه ينحدر من مدينة حمص التي كانت حينها تعجُّ بالمظاهرات المناهضة للنظام. اتُهم الشاهد بالتطرّف الإسلامي وأطلق عليه وعلى آخرين لقب “العراعير”.

أُخذ الشاهد لفرع أمني يقع في منطقة الجسر الأبيض، وقال للقضاة إنّهم كانوا معصوبي الأعين هناك ووجوههم نحو الحائط وأظهرهم مكشوفة لعناصر الأمن، طلب عناصر الأمن منهم القفز في المكان مع ترديد عبارات ممجدة للنظام ومهينة للمعارضة، أثناء ذلك قاموا برمي أعقاب السجائر المشتعلة على المعتقلين، إحدى تلك الأعقاب أصابت الشاهد ولكنها لم تنطفئ فجاء عنصر وأطفأها بظهره، وعندما صرخ الشاهد نتيجة ذلك جاء عنصر آخر وقال: “هذه صرخة امرأة”، ثم قام بإدخال مقدمة فوهة البارودة في شرج الشاهد. لم يكتفوا بهذا الاعتداء الجنسي عليه، بل قاموا بملامسة شعره واللعب بحلمات الصدر أيضاً، الأمر الذي كان مهيناً أكثر كما قال. الشاهد أكد أيضاً أنّ ذلك لم يحدث معه فقط بل قال إنّ شخصين على الأقل ممن كانوا معه تعرضوا للعنف الجنسي قبل نقلهم سوياً إلى فرع الخطيب. كان من الواضح أنّ الشاهد لم يكن يعلم حينها بتراتبية أفرع أمن الدولة، وأنّه بالغالب كان حينها لدى فرع الأربعين، وهو الفرع المسؤول عن المداهمات والاعتقالات لصالح فرع الخطيب.

نُقل الشاهد بعدها مع المعتقلين الآخرين باتجاه فرع الخطيب، أثناء الطريق كان يتم توقيفهم على كل حاجز عسكري، حيث يصفهم العساكر هناك بالعراعير ويبدؤون بضربهم، قام عناصر أحد هذه الحواجز برمي المعتقلين خارج الباص على أرضٍ مليئة بالبحص وداسوا عليهم بالأقدام.

فروع أمن الدولة

بعد وصوله إلى فرع الخطيب ومروره بالإجراءات المعتادة، أُدخل إلى زنزانة مكتظّة، وبقي خمسة أيام غير قادر على النوم لأنّه لم يجد مكاناً، لذلك أصابته حالة هستيرية تخيّل من خلالها أن كل ما يجري حوله غير واقعي، وبدأ بالطرق على باب الزنزانة بقوة مطالباً السجَّان بإخراجه من هناك.

تمتع الشاهد حينها بمعارف قوية كانوا مع النظام، والذين حاولوا منذ لحظة اعتقاله التدخل لإخراجه، حتى إنّ أحدهم استطاع تأمين زيارة خاصة لوالدة الشاهد مع أحد مساعدي حافظ مخلوف، الأمر الذي ساعد الشاهد، كما يعتقد، بالخروج من فرع الخطيب بعد 14 يوماً على كفالته الشخصية وإمضائه على ورقة تعهد وعدم تعرضه للتعذيب خلال الأيام التي قضاها هناك، لكن وبرغم تلك الواسطات تعرّض الشاهد من قبل عناصر فرع الخطيب أثناء أخذه إلى التحقيق وإعادته إلى الزنزانة إلى بعض الإهانات بالكلام والدفع أحياناً، وأيضاً تعرض للتحرش الجنسي حين قام أحد العناصر بوضع إصبعه على شرج الشاهد دون إدخاله.

تحدّث الشاهد أيضاً عمَّا رآه من عنف لدى الأمن عندما شارك في المظاهرات، وكيف تم إطلاق النار مباشرة عليه في إحدى المظاهرات ولكنه لم يُصب، وفي مظاهرات بمنطقة الميدان سمع صوت إطلاق الرصاص ورأى بعدها قتلى وجرحى.

بسبب طريقة خروجه من فرع الخطيب ووجود منع سفر عليه، اضطر الشاهد لزيارة فرع الخطيب في كل مرة أراد بها السفر لأخذ إذنٍ خطيِّ من الضابط الذي أطلق سراحه، تملكه حينها الخوف كثيراً بأن يُطلب منه البقاء في الفرع مرة أخرى. بإحدى المرات طلب الضابط ليأخذ منه الإذن فقيل له أنّه انشقّ، ولكن الضابط المسؤول عن إطلاق سراح الشاهد، بحسب معرفته، كان من مدينة الباب، الأمر الذي يتعارض مع حقيقة أنّ رسلان من منطقة أخرى، وبالرغم من ذلك فقط تعرّف الشاهد على صورة رسلان ضمن الصور التي عُرضت عليه لدى الشرطة الجنائية، ولكنه قال في المحكمة إنّ ظهور صورة رسلان في الإعلام حين اعتقاله عام 2019 كان له تأثير عليه، وبالتالي لا يستطيع الجزم إن كان هو الشخص الذي رآه في فرع الخطيب أم لم يكن هو، وقال للقضاة: “هناك ما يوحي أنّ هناك شبه كبير بينه وبين الصورة التي أشرت لها، لا أعلم كم تستطيعون تخيل أنفسكم مكاني وأنا أقف أمام ضابطٍ في سوريا قد يأمر بإنهاء حياتي في أي لحظة ومدى الخوف الذي كنت فيه، نعم لقد قلتُ إنّ هناك شبهاً ولكني لستُ متأكداً”. سأله بعدها القضاة عن قدرته على سماع أصوات التعذيب من مكتب هذا الضابط فأجاب بأنّه كان قادراً على سماعها كل الوقت في هذا المكتب، حتى أنّه أشار لموقف حدث عندما سأله ذلك الضابط إن كان العناصر قد قاموا بتعذيبه، وقال إنّه وجد الموقف ساخراً، ولكنه لم يستطع الضحك أمام المحقق على سؤاله هذا، وما جعل هذا السؤال يبدو مضحكاً للشاهد حينها هو أنّ أصوات التعذيب كانت مسموعة حتى أثناء التحقيق معه.

الجدير بالذكر أنّه فيما ورد في بيان دفاع المتهم رسلان بداية هذه المحاكمة، والذي تلاه محاميه حينها، كان قوله أنّهم حققوا مع المئات من الموقوفين، وأنّ التحقيقات كانت مسالمة وهادئة ولم يكن هناك تعليمات باستخدام العنف.

بعد انتهاء الشاهد وخروجه من قاعة المحكمة، أكد المحامي السيد شارمر، وهو محام للادعاء بالحق المدني، أنّ شهادة هذا الشاهد كانت من ضمن الشهادات التي ذكروها في بيانهم المتعلق بالعنف الجنسي على اعتبارها جريمة ضد الانسانية، وأنّ هذا البيان أظهر بوضوح شديد أنّ استخدام العنف الجنسي كان ممنهجاً في الأفرع الأمنية.

ليفانت – لونا وطفة