الحملة النوويّة وحلف شمال الأطلسي ضد روسيا في كرباخ

أنس ماماش  

نتيجة لمخاوف تركيا من ضم روسيا لناغورنو كارباخ لأراضيها، لجأت لإقامة قواعد عسكرية لها في المنطقة، وكذلك قوة نووية من خلال ضم باكستان أيضاً للعبة، كل هذا من أجل منع التقدم الروسي في تلك المناطق.

ففي صبيحة 27 سبتيمبر / أيلول 2020، قامت أذربيجان بالهجوم على إقليم كرباخ مدعومة من تركيا بالجماعات الجهادية التي استقدمتها أنقرة من سوريا وليبيبا وزجّت بهم في الحرب التي دارت بين الجيش الأذري والأرمني، والتي دامت 44 يوماً، وبعد إعلان وقف إطلاق النار بوساطة روسيّة، اكتسب الوضع الناتج بعداً جديداً.

نتيجة للاتفاقية الموقّعة بوساطة الكرملين، ستبقى قوات حفظ السلام الروسية في مناطق ناغورنو كاراباخ، حيث يعيش الأرمن لمدة خمس سنوات. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار بين القوتين مع وصول قوات حفظ السلام الروسية إلى المنطقة، إلا أنّ الخلافات البعيدة عن الحل ما تزال مستمرّة هناك. كما وادّعت كل من حكومتي باكو وأنقرة بأنّ روسيا قد أخلّت ببنود الاتفاق المبرم، متحججّين بأنّ موسكو قد نشرت قوات إضافية زائدة عن المتفق عليه، لذا تخشيان من السيطرة الروسية الكاملة للمنطقة.

ترجمت تركيا مخاوفها ضد روسيا من خلال إقامة قواعد عسكرية لها في المنطقة، وبما أنّ أنقرة كانت على علاقة وثيقة مع باكستان في السنوات الأخيرة، هذا ما دفعها لطلب المساعدة من حكومة إسلام أباد. نجد أنّ تركيا تحاول استخدام المكابح النووية ضد روسيا.

على الرغم أنّ مشكلة ناغورنو كارباخ ليست مهمة لباكستان، لكنها ترى أنّ التحالف مع تركيا، يعني تحالفين سنيين رئيسيين، مهم جداً من حيث توطيد السلطة والقيادة. فقيام تركيا بدعوة قوة نووية سنيّة مثل باكستان إلى ناغورنو كارباخ التي تُعتبر مظلة حماية لإيران، سيشكل تهديداً للسلام الإقليمي، لا سيما أنّ طهران أعربت عن استيائها الشديد من تصرفات أنقرة، ففي هذه الحالة وبوجود الضيف الجديد المدعو للمنطقة (باكستان)، سيزداد الضغط السني على إيران بشكل أكبر.

تهدف تركيا ومن خلال إقامة كل تلك القواعد العسكرية على الأراضي الأذربيجانية إلى تحقيق هدفين وهما:
– تجهيز أذربيجان للانضمام إلى حلف الشمال الأطلسي (الناتو).
– السعي جاهدةً لإبرام اتفاقيات مع دول المنطقة من أجل كبح الجموح الروسي.

فكما نعلم منذ 18 فبراير 1952، فُتح باب الناتو أمام تركيا التي أصبحت عضوة فيها نتيجة التهديدات السوفيتية باحتلال تركيا التي كانت تشكل المنطقة العازلة بين الغرب والسوفيت، تلك التهديدات خلقت درع حماية لحكومة أنقرة، لذا نجد تركيا تسعى لأجل وصول أذربيجان للمصير نفسه، وبالفعل بدأت حكومة أنقرة العمل لتحقيق هذا الهدف في ناغورنو، فهي تحاول إقامة (5) قواعد عسكرية لها في أذربيجان وعلى طول الحدود مع ناغورنو، كي تستخدم هذه القواعد كوسيلة ضغط من أجل ضم باكو إلى الناتو بحجة أنّ روسيا تهدّد باحتلال الإقليم المتنازع عليه، مدّعيةً بأنّ أذربيجان تعيش الماضي التي عاشته تركيا أثناء تهديدات السوفيت لها عام 1952، وبالتالي ستلقى باكو نفس المصير، مع العلم أنّ قاعدة الناتو التي أُقيمت في أذربيجان تشكل تهديداً مباشراً على موسكو أكثر منها على أرمينيا، وهكذا فإنّ انضمام حكومة أذربيجان للناتو يعني أنّ روسيا تفقد نفوذها على باكو.

تخطط تركيا إنشاء قاعدة عسكرية في ناختيشيفان المتمتعة بالحكم الذاتي والتابعة لأذربيجان، كما تسعى أنقرة لبناء قواعد الناتو في المناطق التي تعرف سابقا بالاتحاد السوفيتي. السؤال الأهم، كيف سيكون الرد الروسي على هذا المخطط؟

بسبب اتفاقية نظام الدفاع الجوي S400 التي وقعتها مع تركيا، تمتنع روسيا الآن عن الرد القاسي، لأنّ موسكو تسعى من خلال هذه الاتفاقية إبعاد ومن ثم إخراج تركيا من حلف الناتو وسحبها إلى جانبها، لذا نجد موسكو تهضم كل تلك التصرفات المبتذلة لتركيا، فأنقرة تعلم تماماً مدى أهميتها بالنسبة لروسيا، فهي أهم من أذربيجان وأرمينيا، لذا نجدها تتقلب وتتفنّن بلعب الكرة بشكل جيد، لكن مسألة إنشاء قواعد للناتو على الأراضي التي ما تزال روسيا تنظر إليها على أنّها ملك لها، هذا يعني (انتبه خطر الانفجار) أي الخطوط الحمراء الروسية.

لطالما ستمتثل تركيا لاتفاقية S400 مع روسيا، إذاً فهي في الأمان نوعاً ما، أما إذا اختارت تركيا جانب الناتو وتخلّت عن اتفاقية أنظمة الدفاع الجوية، فعليها أن تتحمل البرق الروسي، وبالفعل نجد أنّ حكومة أنقرة دخلت مع الولايات المتحدة في المساومة على نظام الدفاع التي اشترته من روسيا ضد الأكراد، حيث أشارت تركيا في حال أوقفت أمريكا دعمها للأكراد في سوريا فإنّها ستقوم من جانبها بالتخلّي عن نظام الدفاع الجوي الروسي، بمعنى آخر (ورقة S400 مقابل الورقة الكردية).

في مثل هذه الحالة، سوف يكون ردّ روسيا هو الأشد قسوة على القواعد التركية المزمع إقامتها في أذربيجان وناختشيفان. القواعد التركية المزمع إنشاؤها في هذه المناطق التي تسيطر عليها روسيا لن تكون ممكنة إلا بمقابل تنازلات كبيرة، وإلا فإنّ هذه القواعد، التي قد تعني قواعد الناتو، ستضرّ بمصالح روسيا في المنطقة.

يمكن لروسيا، التي تتوق إلى أن تكون ضامناً لنقل موارد النفط والغاز الواقعة على ساحل بحر قزوين لأذربيجان إلى الغرب، أن ترى انضمام أذربيجان إلى الناتو جنباً إلى جنب مع هذه القواعد التركية بمثابة كارثة. وفي هذا الصدد، ستشهد تركيا صراعات سياسية كبيرة ومساومات تصل لذروة عالية مع روسيا.

يبدو أنّ علاقات حكومة علييف الحالية في أذربيجان مع روسيا قد سُلمت بالكامل إلى أيدي تركيا، بعبارة أصح (قام الملك باستبدال موقعه مع القلعة) أي لكي يبتعد علييف عن المواجهة مع روسيا استبدل الأدوار مع تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، فإدارة علييف تفضل الاستقرار السياسي بينها وبين كل من روسيا وتركيا، فهي تخشى الانهيار والتحطّم بين روسيا، القوة العظمى في المنطقة، وتركيا، القوة المتوسطة الحجم، نلاحظ ذلك بأنّه في الآونة الأخيرة لم يقم علييف بزيارة رسمية لتركيا ذلك من أجل الحفاظ على ميزان السياسة.

لقد تمكنت أذربيجان وبدعم تركي وباكستاني السيطرة على بعض مناطق ناغورنو، ومن المحتمل قيام إسلام أباد وأنقرة بدفع باكو لحل عسكري، فالتصريحات التي أدلى بها علييف مؤخراً بخصوص التجهيزات التي تقوم بها أرمينيا من خلال زيادة عدد الجيش في المنطقة، وإلى كل ما هنالك، دليل على أنّ حيدر علييف يستعد بالفعل لعمل عسكري محتمل.

لقد تخطّت حرب ناغورنو كرباخ كل من أرمينيا وأذربيجان، ليتحوّل إلى صراع على الوضع السياسي والاقتصادي بين روسيا وتركيا، فكرباخ تشكل أهمية جيواستراتيجية كبيرة جداً بدلاً من أهمية مناجم الذهب الجزئية التي تمتلكها، بالنسبة لهاتين القوتين كونها البوابة التجارية إلى آسيا الوسطى، لذا تقوم تركيا بالضغط على روسيا وأرمينيا من أجل فتح ممر ناختيشيفان الذي يمر من أراضي أرمينيا، ومنها إلى أذربيجان والجمهوريات التركية الصغيرة واصلةً إلى الصين، ففي حال تأجيل موضوع هذا الممر قد تقوم تركيا بدفع باكو إلى حربٍ جديدة، وقد تدقّ أجراس الحرب مرة أخرى في ناغورنو كارباخ، ولكن هذه المرة ستكون الحرب غنية بالفرقاء المشاركين.

أنس ماماش

ليفانت – أنس ماماش