البابا فرنسيس.. زيارة سلام أم خطر تعميق الشقاق

مزن مرشد

للمرة الأولى في التاريخ، يزور فيها رأس الكنيسة الكاثولوكية العراق، كأول حبر أعظم يدوس هذه الأرض العريقة، التي أكلت الحرب من أبنائها ومستقبلها طويلاً.

بعد لقائه مع قمة الهرم الشيعي في العراق -آية الله العظمى- علي السيستاني، وممثل المرجع الشيعي في البلاد الذي وعده بالسلام والأمن للمسيحيين، بدأ البابا الحج إلى مسقط رأس أبي الأنبياء، النبي إبراهيم عليه السلام، في مدينة أور.

وبرمزيته كحامل لراية السلام، صلّى من أجل الحرية، والوحدة لإنهاء الحروب والإرهاب، فهل تكفي الصلاة لتنهي سنوات طويلة من الطائفية، وتحقن الرماء؟

لا نستطيع أن نسمع اسم العراق، دون أن نشعر بالثقل الثقافي والحضاري الذي يحمله هذا الاسم، من قبل التاريخ، كانت أساطير بلاد ما بين النهرين أساساً ثقافياً خصباً لكل حضارة أتت بعدها، وتمهيداً لكل الغنى الثقافي اللاحق، ولم يخلُ التراث الشعبي من سحر بغداد ولياليها، فمنها خرجت شهرزاد وحكاياتها في ألف ليلة وليلة، وأثرت بالخيال الجمعي لأجيال وأجيال، وفيها عُرف بذخ الخلفاء، وحياة القصور المترفة.

لا نستطيع أن ننكر أنّ البلاد ومنذ نهاية الملكية، سُجنت في قبضة الديكتاتورية، وسطوة الحزب الواحد، مثل كل أخواتها في الوطن العربي المكلوم، لتشهد فيما بعد صراعاً أودى بالبلاد إلى التهكلة، فأُفقرت صاحبة ثاني احتياطيٍ نفطي في العالم، وعطشت وهي أم ثاني أضخم نهرين في الوطن العربي بعد النيل.

صراع طويل من الحروب الداخلية، والتدخل الخارجي، لتنتهي أسطورة بغداد التاريخ، ويبدأ كابوس المد الفارسي فيه، كوباء عم المنطقة كلها، فتنهكها الحروب الطائفية، ويُهجر ثلث سكانها، فتفقد بذلك تنوعها الإثني الذي امتازت به لقرون طويلة.

الآن جاء البابا فرنسيس لنشر خطاب السلام في العراق، في زيارة تعتبر تاريخية -وهي كذلك- أصرّ فيها على الصلاة مع كبار الشخصيات الإزيدية، وهي الأقلية الصغيرة التي كانت الضحية الأولى لجهاديي تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً (داعش)، ومع شخصيات دينية من الصابئة والزرادشتيين، وبالطبع عرج على أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.

الحبر الأعظم خاطب العالم أجمع من الموصل، المدينة التي اتخذها تنظيم داعش عاصمة لدولته المزعومة، فحملت زيارته شعار السلام والمصالحة.. لكنها في ذات الوقت تنطوي -برأيي- على خطر الوقوع في فخ الطائفية، أي من الممكن أن تأتي ثمارها بنتائج عكسية تماماً عما أرداها الفاتيكان.

فالأمر يتعلق بالاتصالات التي لم تنقطع بالماضي بين الشيعة والكاثوليك، منذ الخمسينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فقد زارت العديد من الشخصيات الشيعية الفاتيكان، واليوم لم يلتقِ البابا فرنسيس أي شخصية عراقية مؤثرة تمثّل العرب السنة في البلاد، الأمر الذي قد يترك أثراً سلبياً عند سنة البلاد، في ظل العلاقات المستمرة بين الفاتيكان والشيعة كما أسلفت. ولم يلتقِ أي ممثل عن الحراك المعارض على الأرض، أو لنقل الثائرين، وهذا قد يكون مؤشراً طائفياً للبعض، وقد يؤخذ على البابا كمأخذ سياسي أيضاً، بعيداً عن الهدف المقصود والمرجو من الزيارة، فالكلمات الطوباوية، والدعوة للإخاء والإنسانية، والمساواة، تصنع الخير لكنها تتعارض كلياً مع تناقضات واقع البلد، حيث يشكل الدين بكل طوائفه التربة الخصبة للكراهية والشقاق.

هذه إحدى تناقضات زيارة البابا، فهي كما الطريق إلى جهنم مرصوفة بالنوايا الحسنة، ولكن النتائج قد تأتي عكسية لأنّه يلتقي بزعماء المجتمعات التي هي في حالة حرب وشقاق، في صراع مثل الشيعة والأكراد، والشيعة والسنة.

قد يكون لعلي السيستاني خطاب سلام باستقباله للبابا، لكن علينا ألا ننسى أنّه أعطى مباركته للنظام القائم، خاصةً أنّه المرجع الأعلى للشيعة، ويحمل درجة كبيرة من المسؤولية عن إفلاس النظام الطائفي السياسي الحالي، وفشله في تجسيد الحركة الاحتجاجية التي ولدت في البلاد، وهذا ما حمله أيضاً مسؤولية إضافية بتعقيد المسألة وجعلها غير قابلة للإصلاح، ليبقى أمامنا تناقض حقيقي بين الخطاب الديني الذي روّجه أثناء زيارة رأس الكنيسة للبلاد، وبين حقيقته باستغلال الدين في حكم الدولة.

ومن الخطر الطائفي أيضاً والذي قد يولد الضغينة عند المسيحيين أنفسهم، فترحيب الشارع الشيعي المبالغ فيه لزيارة البابا، جعل المشهد يبدو وكأنّ الشيعة قضوا السنوات الماضية في الدفاع عن المسيحيين، بينما لم يكن الأمر كذلك على الأرض، بل الواقع على العكس تماماً.

لا يستطيع أحد أن ينكر ما يتمتع به البابا فرنسيس من قبول شعبي، نظراً لشخصيته الكاريزمية، لكن هناك مخاطرة كبيرة من عدم قدرته في هذه الزيارة على توحيد الصفوف المتقاتلة في العراق، فليس من السهل محو إرث سنوات من الدم المستمر، بكلمات التسامح والمحبة بيوم ونيف.

كان يمكن أن يلعب البابا دور الوسيط بنجاح كبير في صراع البلاد، لو كانت الكنيسة منخرطة سياسياً في العراق، أو لها دور فاعل، من خلال شجبه للنظام السياسي القائم، على سبيل المثال، لكنه كان سيتورّط سياسياً في مثل هذا الخطاب، بعيداً عن الهدف الروحي، لاسيما أن عمل الكنيسة اقتصر خلال سنوات الحرب، وما قبلها أيضاً، على عمل المنظمات غير الحكومية، التي لا تحظى دائماً بالاحترام، كما هو الحال في الموصل، لأنّها موجهة للمسيحيين فقط وليس للاجئين ككل.

مزن مرشد

ليفانت – مزن مرشد

للمرة الأولى في التاريخ، يزور فيها رأس الكنيسة الكاثولوكية العراق، كأول حبر أعظم يدوس هذه الأرض العريقة، التي أكلت الحرب من أبنائها ومستقبلها طويلاً.

بعد لقائه مع قمة الهرم الشيعي في العراق -آية الله العظمى- علي السيستاني، وممثل المرجع الشيعي في البلاد الذي وعده بالسلام والأمن للمسيحيين، بدأ البابا الحج إلى مسقط رأس أبي الأنبياء، النبي إبراهيم عليه السلام، في مدينة أور.

وبرمزيته كحامل لراية السلام، صلّى من أجل الحرية، والوحدة لإنهاء الحروب والإرهاب، فهل تكفي الصلاة لتنهي سنوات طويلة من الطائفية، وتحقن الرماء؟

لا نستطيع أن نسمع اسم العراق، دون أن نشعر بالثقل الثقافي والحضاري الذي يحمله هذا الاسم، من قبل التاريخ، كانت أساطير بلاد ما بين النهرين أساساً ثقافياً خصباً لكل حضارة أتت بعدها، وتمهيداً لكل الغنى الثقافي اللاحق، ولم يخلُ التراث الشعبي من سحر بغداد ولياليها، فمنها خرجت شهرزاد وحكاياتها في ألف ليلة وليلة، وأثرت بالخيال الجمعي لأجيال وأجيال، وفيها عُرف بذخ الخلفاء، وحياة القصور المترفة.

لا نستطيع أن ننكر أنّ البلاد ومنذ نهاية الملكية، سُجنت في قبضة الديكتاتورية، وسطوة الحزب الواحد، مثل كل أخواتها في الوطن العربي المكلوم، لتشهد فيما بعد صراعاً أودى بالبلاد إلى التهكلة، فأُفقرت صاحبة ثاني احتياطيٍ نفطي في العالم، وعطشت وهي أم ثاني أضخم نهرين في الوطن العربي بعد النيل.

صراع طويل من الحروب الداخلية، والتدخل الخارجي، لتنتهي أسطورة بغداد التاريخ، ويبدأ كابوس المد الفارسي فيه، كوباء عم المنطقة كلها، فتنهكها الحروب الطائفية، ويُهجر ثلث سكانها، فتفقد بذلك تنوعها الإثني الذي امتازت به لقرون طويلة.

الآن جاء البابا فرنسيس لنشر خطاب السلام في العراق، في زيارة تعتبر تاريخية -وهي كذلك- أصرّ فيها على الصلاة مع كبار الشخصيات الإزيدية، وهي الأقلية الصغيرة التي كانت الضحية الأولى لجهاديي تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً (داعش)، ومع شخصيات دينية من الصابئة والزرادشتيين، وبالطبع عرج على أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق.

الحبر الأعظم خاطب العالم أجمع من الموصل، المدينة التي اتخذها تنظيم داعش عاصمة لدولته المزعومة، فحملت زيارته شعار السلام والمصالحة.. لكنها في ذات الوقت تنطوي -برأيي- على خطر الوقوع في فخ الطائفية، أي من الممكن أن تأتي ثمارها بنتائج عكسية تماماً عما أرداها الفاتيكان.

فالأمر يتعلق بالاتصالات التي لم تنقطع بالماضي بين الشيعة والكاثوليك، منذ الخمسينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فقد زارت العديد من الشخصيات الشيعية الفاتيكان، واليوم لم يلتقِ البابا فرنسيس أي شخصية عراقية مؤثرة تمثّل العرب السنة في البلاد، الأمر الذي قد يترك أثراً سلبياً عند سنة البلاد، في ظل العلاقات المستمرة بين الفاتيكان والشيعة كما أسلفت. ولم يلتقِ أي ممثل عن الحراك المعارض على الأرض، أو لنقل الثائرين، وهذا قد يكون مؤشراً طائفياً للبعض، وقد يؤخذ على البابا كمأخذ سياسي أيضاً، بعيداً عن الهدف المقصود والمرجو من الزيارة، فالكلمات الطوباوية، والدعوة للإخاء والإنسانية، والمساواة، تصنع الخير لكنها تتعارض كلياً مع تناقضات واقع البلد، حيث يشكل الدين بكل طوائفه التربة الخصبة للكراهية والشقاق.

هذه إحدى تناقضات زيارة البابا، فهي كما الطريق إلى جهنم مرصوفة بالنوايا الحسنة، ولكن النتائج قد تأتي عكسية لأنّه يلتقي بزعماء المجتمعات التي هي في حالة حرب وشقاق، في صراع مثل الشيعة والأكراد، والشيعة والسنة.

قد يكون لعلي السيستاني خطاب سلام باستقباله للبابا، لكن علينا ألا ننسى أنّه أعطى مباركته للنظام القائم، خاصةً أنّه المرجع الأعلى للشيعة، ويحمل درجة كبيرة من المسؤولية عن إفلاس النظام الطائفي السياسي الحالي، وفشله في تجسيد الحركة الاحتجاجية التي ولدت في البلاد، وهذا ما حمله أيضاً مسؤولية إضافية بتعقيد المسألة وجعلها غير قابلة للإصلاح، ليبقى أمامنا تناقض حقيقي بين الخطاب الديني الذي روّجه أثناء زيارة رأس الكنيسة للبلاد، وبين حقيقته باستغلال الدين في حكم الدولة.

ومن الخطر الطائفي أيضاً والذي قد يولد الضغينة عند المسيحيين أنفسهم، فترحيب الشارع الشيعي المبالغ فيه لزيارة البابا، جعل المشهد يبدو وكأنّ الشيعة قضوا السنوات الماضية في الدفاع عن المسيحيين، بينما لم يكن الأمر كذلك على الأرض، بل الواقع على العكس تماماً.

لا يستطيع أحد أن ينكر ما يتمتع به البابا فرنسيس من قبول شعبي، نظراً لشخصيته الكاريزمية، لكن هناك مخاطرة كبيرة من عدم قدرته في هذه الزيارة على توحيد الصفوف المتقاتلة في العراق، فليس من السهل محو إرث سنوات من الدم المستمر، بكلمات التسامح والمحبة بيوم ونيف.

كان يمكن أن يلعب البابا دور الوسيط بنجاح كبير في صراع البلاد، لو كانت الكنيسة منخرطة سياسياً في العراق، أو لها دور فاعل، من خلال شجبه للنظام السياسي القائم، على سبيل المثال، لكنه كان سيتورّط سياسياً في مثل هذا الخطاب، بعيداً عن الهدف الروحي، لاسيما أن عمل الكنيسة اقتصر خلال سنوات الحرب، وما قبلها أيضاً، على عمل المنظمات غير الحكومية، التي لا تحظى دائماً بالاحترام، كما هو الحال في الموصل، لأنّها موجهة للمسيحيين فقط وليس للاجئين ككل.

مزن مرشد

ليفانت – مزن مرشد

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit