إيران وإنعاش المريض العُضال بالمليارات الصينية

الصين وايران

لأن الواقع في إيران والصعوبات الاقتصادية الجمة التي يعيشها الشعب الإيراني، باتت تثقل كاهل النظام المهيمن في طهران، بدأت الأخيرة باللجوء إلى خيارات أخرى، مع إدراكها بأن رفع العقوبات الأمريكية عنها، قد يطول، رغم أنّ أغلب الظن بأنه سيقع في النهاية، وعليه، لا يبدو أن هناك أفضل من ينافس واشنطن في الملف الاقتصادي من عدوتها الاقتصادية الأولى والتي تسعى للاستحواذ على مكانتها كأقوى قوة عالمية، ألا وهي الصين.

التوافق ليس جديداً

وليس ذلك بمستغرب، فالصين وروسيا حليفتان عملياً لإيران، من خلال دعم ملفها النووي وتأييده على أكثر من صعيد، وقد تجلى ذلك في الثلاثين من نوفمبر العام الماضي، عندما دانت الخارجية الصينية اغتيال العالم النووي الإيراني، فخري زاده، داعية إلى إجراء تحقيق شامل، حيث قالت وقتها المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشون ينغ، إنّ “الصين صدمت باغتيال عالم إيراني، وتدين هذا العمل العنيف وتأمل في إجراء تحقيق شامل في هذه القضية”.

اقرأ أيضاً: التجبّر الإيراني الخارجي وعكسه لـ”الهشاشة الداخلية”

ومع بداية العام الجاري، وعقب إصرار النظام الإيراني استفزاز الإدارة الدولية بالتملّص من الاتفاق النووي المبرم بالعام 2015، دعت وزارة الخارجية الصينية، في الخامس من يناير الماضي، إلى توخي الهدوء وضبط النفس، وقالت المتحدثة باسم الوزارة، إن على جميع الأطراف تجنّب اتّخاذ خطوات قد تؤدي إلى تفاقم التوترات، وذلك رغم إعلان إيران عن إنتاج أول كمية من اليورانيوم المخصب بدرجة 20 بالمئة، في مفاعل فوردو النووي.

وعادت المتحدثة الصينية، في الثامن عشر من يناير الماضي، لتشد من أزر إيران، بالقول إنّ بكين تؤمن بأنّ عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي الإيراني “هي الطريق الصحيحة الوحيدة للخروج من المأزق”، وتابعت أنّ “الصين تدعم الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران في معالجة قضايا الضمانات من خلال الحوار والتشاور، وتأمل في أن تلعب جميع الأطراف المعنية دوراً بنّاء في هذا الصدد”، مختتمة حديثها بتوجيه لوم لطيف إلى إيران بعبارة إنه “ينبغي على إيران أيضاً استئناف تنفيذها الكامل للاتفاق”.

فخري زادة

واشنطن تدرك الدور الصيني

تصريحات وتعاطٍ صيني جعل الجانب الأمريكي متيقناً أكثر من أي وقت، بمدى التأثير الصيني على الجانب الإيراني، والذي بات مساوياً إلى حد بعيد للدور الروسي، وهو ربما ما دفع بوزارة الخارجة الأمريكية، في التاسع عشر من فبراير الماضي، للقول إن واشنطن تأمل في أن تسمح المصالح المشتركة بالعمل مع روسيا والصين بشأن الملف النووي الإيراني، إذ قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إنّ “روسيا والصين لعبتا دوراً بناءً في الماضي خلال المفاوضات بشأن خطة العمل الشاملة (الاتفاق النووي الإيراني)، حيث لم تكونا معنيتين بحصول إيران على أسلحة نووية، ولم تكونا مهتمتين بحدوث نزاع في المنطقة”.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وشراكة النظام بالدم السوري.. لعشر سنوات

وجاء ذلك التصريح بالتوازي مع إعلان سابق للولايات المتحدة، أشارت فيه إلى اهتمامها بإجراء مفاوضات مع إيران تحت رعاية الاتحاد الأوروبي وبمشاركة الوسطاء الدوليين “الستة”، ومن بينهم موسكو وبكين، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، إنّ “الولايات المتحدة تلقّت دعوة من ممثل رفيع عن الاتحاد الأوروبي للمشاركة في اجتماع للدول الست وإيران لبحث المسار الدبلوماسي حول البرنامج النووي الايراني”، مضيفاً أنّه “يمكن أن نتوقع أنّ المصالح نفسها ما تزال تعمل حتى الآن، وأنه بالرغم من الخلافات الجادة سنكون قادرين على العمل معهم (روسيا والصين)”.

ليأتي الرد الصيني عقب قرابة الأسبوعين، موازياً بين واشنطن وإيران، لا بل ملقياً باللوم الأكبر على واشنطن، من خلال دعوتها لاتخاذ الخطوة الأولى، إذ قال المسؤول الصيني الكبير، وانغ يي، في السابع من مارس الجاري، إنّه يأمل بأن ترفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على إيران، وأنّ إيران يتوجب عليها تحمل مسؤولياتها أيضاً في هذه العملية، وذكر وقتها، عضو مجلس الدولة في الصين، أنّه يأمل في أن ترفع الولايات المتحدة ما وصفه بـ”العقوبات غير المبررة” عن إيران.

تعاون اقتصادي يكسر العقوبات

كما لم تضيع طهران وبكين وقتاً أكثر، مستغلتين القرار الأمريكي الضمني برفع العقوبات، على الرغم من عدم دخوله حيز التنفيذ، ليقرر البلدان استفزاز واشنطن، وتوجيه ضربة لعقوباتها على طهران، عبر توسيع التعاون الاقتصادي، الذي سيشكل بلا شك متنفساً للاقتصاد المتهالك في طهران، عبر زيادة معدلات التبادل النفطي، وهو ما ذكرته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، في التاسع عشر من مارس الجاري، عندما قالت إنّ الصين زادت وارداتها من النفط بشكل حاد من إيران وفنزويلا، وذلك بالاستناد إلى بيانات من شركة “Kpler” التحليلية، إذ بلغ حجم واردات الصين النفطية من إيران في شهر مارس، 918 ألف برميل في اليوم، والتي تعد من أكبر (المبيعات النفطية الإيرانية) منذ فرض الحصار الأمريكي لتوريد النفط والمنتجات النفطية من إيران عام 2018.

اقرأ أيضاً: التوبة التركية لمصر.. ومهمة القاهرة التاريخية في ليبيا وسوريا (2)

لافتةً كذلك استناداً إلى بيانات من شركة “Refinitiv”، إلى أنّ الصين استوردت النفط من فنزويلا، فيما لم تغفل مصادر الصحيفة الإشارة إلى أنّ الإيرادات الإيرانية والفنزويلية من النفط زادت إلى الصين، بعد “وعود جديدة ” من الإدارة الأمريكية بتخفيف العقوبات على إيران مقابل الوفاء بشروط الاتفاق النووي، وهو ما حدث في فنزويلا، بعد وعود أمريكية بإزالة العقوبات عن البلاد في حال تم إجراء “انتخابات حرة ونزيهة”.

اتفاقات بالمليارات

ليتكلل التعاون الصيني الإيراني أخيراً، بما لم يكن ربما في حسبان القيادة الأمريكية، حيث وقعت كل إيران والصين، السبت/ السابع والعشرين من مارس، اتفاقاً للتعاون الاستراتيجي مدته 25 عاماً، سيعالج وفق طهران القضايا الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الأميركية القاسية عليها، ووفق تقرير للتلفزيون الإيراني، ستغطي الاتفاقية التي أطلق عليها اسم الشراكة الاستراتيجية الشاملة، مجموعة متنوعة من الأنشطة الاقتصادية من النفط والتعدين إلى تعزيز النشاط الصناعي في إيران، بجانب التعاون في مجال النقل والزراعة.

اقرأ أيضاً: من اليونان إلى السودان.. الرياض وجهاً لوجه مع أنقرة (2)

وذكر محللون مقربون من طهران أنّ الصين تتوسّع في نفوذها عبر العالم من خلال “خط الحرير الجديد” الذي سيشمل 130 دولة في العالم، وأنّها ستقدم 400 مليار دولار لطهران بموجب الاتفاقية التي وقّعت بينهما، وسوف تستغل هذه الأموال في تطوير البنية التحتية والتكنولوجية والموانئ وقطاعات أخرى، ليبقى السؤال الأهم، هو كيف ستتعامل واشنطن ودول المنطقة مع الطارئ الصيني الجديد، والذي قد يمنح طوقاً للنجاة وينعش الاقتصاد والنظام المتهالكين في طهران؟.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة