أسبوع بلا سكر”.. ماذا عن يوم جبر خاطر؟

جمال الشوفي
جمال الشوفي

قال أحدهم لشيخ حكيم: كان جدي يجْبر المكسور، فأجابه الحكيم نعم، ولكن رحم الله من كان يجبرها قبل أن تنكسر.. وتردّد أمي اليوم الله يجبر بخاطر كل أم فقدت وليدها، ميتاً أو مهاجراً أو معتقلاً أو ضحية مجانيّة.. فيجيبها ذات الحكيم رحم الله من بإمكانه أن يَجبْر خاطرها قبل أن ينكسر. سكر

لم يعد مستغرباً في هذا البلد شيء. اليوم، وفي موجة تشبه هستيريا الإنكار المطلق، حيث لا ترى ولا تسمع سوى خيالاتك، فتضحك ولا أحد يعلم على ماذا تضحك! يطلق إعلام السلطة السورية حملة “أسبوع بلا سكر”! ويستضيفون على شاشات ومواقع التواصل الاجتماعي خبراء التغذية في كيفية التعامل مع الطريقة الصحية المثلى في التعامل مع نقص السكر، و/أو أخطار زيادته على الصحة، أخطار نقصه المفاجئ! ولم يتطرّق ذات الإعلام مرة للسبب الذي أوصل السوريين لهذا الدرك!

لا عجب، فوزيرٌ يقول إنّ السوريين لا يمتلكون ثقافة الدور لهذا يحدث الزحام على محطات الوقود! بينما ذات الوقود يباع بالسوق الحرة بأضعاف سعره لا يشير إليه! ووزير العدل يطلق حملة محاربة الفساد ويلقي القبض على موظف يبيع الطابع بزيادة خمسين ليرة عن سعره النظامي، مدشناً حملة ضد الفساد، بينما يكشف الإعلام عن فاتورة عشاء لابنه تتجاوز النصف مليون ليرة لا أحد يراها! ووزير آخر يردّد أنّ المدرس الذي لا يكفيه راتبه فليستقيل. وعادل إمام في مسرحية “الزعيم” ما زال يردّد: “إحنا لما نقول إنّ الطعام بما فيه الخضار واللحوم وغيره ح يضعف القدرة الجنسية عند الرجال الجميع ح يقاطع الطعام”! فلا عجب أن يعتقد دعاة الصمود والممانعة أنّ الامتناع عن السكر لأسبوع سيعزّز الاقتصاد الوطني ويرفع من معنويات الشعب! ويضيف جاري، المعلم المتقاعد: جيد أنّهم يقولون أسبوع بلا سكر فسنرتاح من عبء شرائه، ولم يقولوا كلوا كاتوه كما قالت ماري أنطوانيت ذات يوم للشعب الفرنسي، فأسبوع بلا سكر أهون من يوم بلا ملح أو خبز.

في شهر آذار نفسه، شهر عيد المرأة والأم والمعلم، وعيد النيروز وألوان الفرح، شهر الانتقال للربيع من البرد للدفء، شهر الثورة السورية وحلم استرداد الدولة، حلم الشباب في الحرية والحقوق والدستور، ما زال الإعلام السوري يقول: اصمدوا في وجه المؤامرة الكونية، ويمارس ذات سياسة الإنكار لحقيقة الواقع ومجريات السنوات العشر من الدمار والتهجير والتنكيل بالسوريين، سواء من كانوا ثواراً ومعارضين وحتى من كانوا مواليين، فكلهم ضحايا على قربان الاستبداد والديكتاتورية. وسياسة الإعلام السوري النعامة ليست أفضل حال منا حين تنكر الواقع، فدفن الرأس في الرمل ينفع صاحبه، وليبقى كامل جسمه مكشوفاً للعيان فوحدها العين ووحده العقل من يرى، فادفنه في الرمل، وهذا أضعف الإيمان.

لا عجب، ففي شهر آذار نفسه يصل الدولار لخمسة آلاف تقريباً، وحملة أسبوع بلا سكر تعود بالذاكرة لحملة الليرة عزتنا قبل عام، حين أطلق ذات الإعلام، عبر بعض مروجيه، حملة عنوانها “الليرة عزتنا” تدليلاً على قيمة الليرة المعنوية للوطن والمواطن! والتي تمكن المواطن من شراء أي سلعة بليرة بس! ووقتها كانت قيمة الليرة في بداية قفزاتها البهلوانية أم الدولار، فقد وصل حينها الدولار الواحد للألف ليرة! أما اليوم وقد نطح سقف الخمسة آلاف، مترافقاً مع سحق في الأسعار وغياب القدرة الشرائية للمواطن عن شراء قوت أسرته ليومين فقط براتبه الذي بات يعادل ما لا يزيد عن عشرة دولارات، يردّد ذات الإعلام أسبوع بلا سكر، أسبوع بلا حلو، وربما القادم أسبوع بلا بصل، وأسبوع بلا ماء.. فهل ينتهي مفعول هذه الإبرة المخدرة بأيام مثل ما كانت إبرة الليرة عزتنا، ويصحو المتبقي بهذا المسمى بلد، على واقع لا فيه لا سكر ولا ملح ولا خبز!

تحدثت تقارير المنظمات الأممية عن أنّ ما يزيد عن مليون سوري باتوا يتامى، ومثلهم معوقين بإصابات حرب! وفي نيسان 2018، قالت اليونسيف إنّ 2.8 مليون طفل سوري حرموا من التعليم بسبب الحرب، وفي تقريرها لعام 2017 صنفت سوريا الأخطر في دول العالم على حياة الأطفال. وفي العام 2019، 83% من سكان سوريا دون مستوى خط الفقر، من بينهم 7.5 ملايين طفل سوري في الداخل ودول النزوح بحاجة لمساعدات، عدا أنّ 40% من البنى التحتية للمدارس قد تضررت، كما أنّها خارج التصنيف العالمي، علمياً وتربوياً. وأنّ سوريا في رأس قائمة الدول الأكثر فساداً حسب معيار منظمة الشفافية الدولية CPI (المرتبة 178 من 180 عالمياً)، والأكثر خطراً على الصحفيين. حينها كان يمكن البدء بجبر الكسر قبل حدوثه النهائي، حينها كان من الممكن التوصّل لمفاوضات فعلية تستعيد للسوريين باقي رمق لهم في الحياة! فوحده التغيير السياسي سيكون فاتحة ما بعده من جبران خاطر وحملات عنوانها أيامكم أعياد وازدهار وسكر، لكن ذات العقلية الصلفة تصرّ على التهرّب من حقائق الواقع وأرقامه ومعطياته، وتصرّ على المماطلة في سياق استحقاقات التغيير السياسي المطلوب وهذا ليس بسحر.

وحيث إنّ الجميع يدرك ضمناً أنّه لا حل سحري لسوريا اليوم، فلا عصا موسى يمكنها أن تشقّ البحر مرة أخرى كممر نجاة، ولا هبة ربانية ستنزل الخروف على إبراهيم بدل ابنه أضحية عيد، لكن ثمة ما يمكن أن يفتح البوابة لاستعادة هذا الشعب العريق أسس استقراره وأمانه وحياته الكريمة، فمن قضى لا يمكن إرجاعه ولكن العدالة تشفي جروح قلوب من بقي، هكذا يردد لسان أم المعتقل! فيكفي أن تعترف هذا الحكومة وسلطتها السياسية بمسؤوليتها عمن أوصل هذه البلاد لهذا المكانة، حتى يجبر بخاطرها وتبدأ باستعادة عافيتها. فالتاريخ ليس ببعيد عن الألمان الذين دمرت دولتهم بحرب عالمية، فكان للنساء ولقدرة الإنسان الألماني طاقة كبرى على استعادة تاريخ ألمانيا الكبير، وها هي اليوم من أقوى اقتصادات أوروبا والعالم.

أسبوع بلا سكر يا سادة النفاق طريق نحو المزيد من الاستنزاف اللانهائي، والذي قد يصل بالنتيجة بحكم هذا الإنكار والصلف المتعنت وسياسة الدول المتصارعة في وعلى سوريا، إلى نهاية لا تحمد عقباها من تقاسم تركة هذا البلد، بينما يكفي اليوم ساعة واحدة من استقالة جماعية سلطوية ومعارضة من التبعية لقرارات هذه الدول والانسحاب من حياة السوريين السياسية اليومية، حينها يمكن أن نقول: قدر الله وما شاء فعل، فمن كان ذا حكمة في صبر دام عشر سنوات قادر على تحويل الكسر العام لجبر الخواطر، حين تتردد كلمة واحدة مسؤولة: سامحيني يا أمي!

هي ذات الكلمات التي رددها أبراهام لينكولن إبان الحرب الأهلية الأمريكية في قوله: “بفضل نبذ الحقد تجاه أي أحد، وبالإحسان للمجتمع، وبالحزم في الحق، هلموا جميعاً ننجز العمل الذي نقوم به لتضميد جراح الأمة، والعناية بمن تحمل عبء الحرب، وأرملته وابنه اليتيم، لنعمل كل ما يحقق السلام العادل والدائم، ورعايته فيما بيننا وبين الأمم قاطبة”، فهل من يجرؤ اليوم على أن يجبر بخاطرك يا أم المعتقل والمهجر والضحايا؟. سكر

جمال الشوفي

ليفانت – جمال الشوفي