هل يًستعاد “سيناريو العراق” بعد الاستفزازات النووية الإيرانية؟

الاتفاق النووي

مرهف دويدري – ليفانت – خاص

تدرك إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن وهي ترفع شعار الديبلوماسية أولاً أن عليها استخدام قنوات قد لا تفضلها لوضع حد لطموحات إيران النووية، إصرارها على تفضيل الديبلوماسية على غيرها والاستعانة بمسؤولين من عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما قد يمنح الإيرانيين فرصة أكبر للمراوغة وانتظار مزيد من التنازلات من طرف الأميركيين، حيث اعتادت إيران انتهاك الاتفاق النووي المبرم عام 2015، إلا أن آخر ما قامت به يحمل حساسية كبيرة، نظراً لأنه قد يمهد لإنتاج أسلحة نووية في منطقة الشرق الأوسط المضطربة بالفعل، ومنذ شهر، أعلنت إيران زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة، وهو مستوى أعلى بكثير من معدل 3,67 المنصوص عليه في الاتفاق.

فيما يرى مراقبون، أن محور النقاشات داخل الإدارة الأميركية يتمثل في العودة إلى الاتفاق الأصلي أو السعي إلى صفقة أكبر تشتمل قيوداً على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، في كلتا الحالتين، فإن أحد الخيارات المطروحة على الطاولة هو الحصول على نوع من الاتفاق المؤقت الذي يمكن أن يبني الثقة بين الجانبين بعد انسحاب الولايات المتحدة بشكل أحادي من الاتفاقية التي يطلق عليها رسمياً خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2018.

بالمقابل، قال وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في مقابلة مع التلفزيون الإيراني: “من الممكن العدول عن الخطوات التي اتخذتها إيران خارج نطاق الاتفاق النووي”، وأضاف: “يمكن بدء المحادثات مع أميركا عندما تفي كل الأطراف بالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي”، مشيراً إلى عدم تغيير الإدارة الأميركية الحالية سياسة “الضغوط القصوى” التي انتهجها ترامب مع طهران، مشدداً علة أن “أميركا تدمن فرض العقوبات وطهران لن ترضخ للضغوط”.

وكالة الطاقة الذرية في سعيها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

وصل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي إلى طهران، عشية انتهاء مهلة حددتها إيران لتقليص عمل المفتشين بحال عدم رفع واشنطن للعقوبات المفروضة عليها، مع دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن لتعاون دبلوماسي بشأن الملف النووي الإيراني، حيث سيلتقي مسؤولين إيرانيين بارزين من أجل التوصل إلى حل مقبول من الطرفين (إيران والوكالة الدولية)، متلائم مع القانون الإيراني، لتتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من مواصلة نشاطات التحقق الأساسية في إيران، وبموجب قانون أقره مجلس الشورى الإيراني في ديسمبر، يتعين على الحكومة الإيرانية تعليق التطبيق الطوعي للبروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، في حال عدم رفع واشنطن للعقوبات بحلول 21 فبراير.

مفاعل نووي

بالمقابل، حذّرت الولايات المتحدة والدول الأوروبية المنضوية في الاتفاق، إيران من تبعات خطوتها المقبلة، ودعت هذه الدول بعد اجتماع لوزراء خارجيتها إيران الى تقييم عواقب إجراء خطير كهذا، خصوصا في هذه اللحظة التي تسنح فيها الفرصة، العودة إلى الدبلوماسية، وصرّح المتحدّث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس أن على إيران أن “تتعاون بشكل كامل وفي الوقت المناسب” مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكداً أن على إيران التراجع عن خطواتها والامتناع عن اتّخاذ خطوات أخرى من شأنها التأثير على تطمينات الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي لا تعتمد عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها في المنطقة فحسب، بل العالم بأسره.

الاتفاق النووي.. بين تعنت إيراني وشروط أمريكية

أكد الرئيس الأميركي جو بايدن سعيه مراراً وتكراراً إن الولايات المتحدة ستنضم مجدداً إلى الاتفاق النووي الإيراني الأصلي إذا استأنفت طهران الامتثال لشروط الاتفاق، لكن داخل إدارة بايدن، تمحورت النقاشات بين كبار المساعدين حول ما إذا كان هذا المسار هو أفضل طريق، أو ما إذا كان يجب اتباع طرق أخرى، ربما تكون أكثر تعقيداً، وقد تتجنب الصفقة الأصلية الموقعة بين إيران والقوى الدولية، وكانت إيران قد قلصت التزاماتها بشكل كبير بما في ذلك رفع تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة. كما زادت احتياطياتها من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5% بأكثر من 10 أضعاف الحد المسموح به في الاتفاق النووي.

اقرأ المزيد   الاتحاد الأوروبي: الاتفاق النووي الإيراني عند “منعطف حرج”

وكان قد أقر مجلس صيانة الدستور في إيران قانوناً نهاية العام المنصرم (2020) يلزم الحكومة بوقف أنشطة الأمم المتحدة لتفتيش مواقعها النووية ورفع مستوى تخصيب اليورانيوم عن الحد المنصوص عليه في الاتفاق النووي لعام 2015 إذا لم تُخفف العقوبات عن طهران خلال شهرين، ووافق البرلمان الذي يقوده المحافظون بأغلبية كبيرة على مشروع القانون يطالب الحكومة بتجاهل القيود الأخرى التي اتفقت عليها طهران مع الدول الكبرى، حيث سيقيّد هذا الإجراء بعض جوانب نشاط مفتشي الوكالة التي تبلغت من طهران دخول الخطوة حيز التنفيذ في 23 شباط.

هل تسعى إيران للسلاح النووي؟

القيود التي فرضها الاتفاق النووي المبرم عام 2015، تتركز بشكل خاص على تقييد أنشطة إيران النووية ووضع عقبات كاملة إذا ما قررت طهران إنتاج قنبلة نووية، لكنها بدأت في إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة عشرين بالمئة، في أبرز إجراء تصعيدي لها منذ بدء تراجعها التدريجي عام 2019 عن تنفيذ غالبية التزاماتها الأساسية، بموجب الاتفاق النووي الدولي، وبشكل دائم تصر إيران على أنها لم تسع قط للحصول على السلاح النووي وأنها لن تفعل ذلك أبداً، وتقول إن أنشطتها في هذا المجال هي للأغراض المدنية فقط، لكنها في الوقت ذاته، تسرّع من وتيرة انتهاك القيود المفروضة على أنشطتها النووية، بموجب الاتفاق.

نووي

بالمقابل يرى مراقبون إن سعي إيران لامتلاك أسلحة نووية هو نتيجة حسابات استراتيجية، تجبرها على السعي وراء رادع قابل للتطبيق ضد مجموعة التهديدات التي تشعر أنها تنحاز ضدها، فالولايات المتحدة هي القوة الإقليمية المهيمنة وأقوى دول المنطقة متحالفة معها من جهة، ومن جهة أخرى ترى إيران نفسها محاطة بقواعد وأصول عسكرية أميركية، وهو ما يشكل عليها خطر “وجودي” على نظام الملالي المسيطر على الحكم في إيران، وبالتالي ينظر النظام الإيراني، إلى أن حيازة تكنولوجيا الأسلحة النووية تضمن صد الجهود الخارجية للإطاحة به.

ولعل وصول إيران إلى مستوى تخصيب اليورانيوم بالإضافة لتكنولوجيا قادرة على إنتاج أسلحة نووية سيغيّر ميزان القوى في المنطقة، ويمنح طهران يدا طويلة لمتابعة هدفها المتمثل في السيطرة على الشرق الأوسط والتمدد بشكل أكبر عبر الردع “الشرير” الذي تنتهجه منذ “انتصار الثورة الإسلامية”، وبالتالي سيحصل وكلاء إيران مثل حزب الله اللبناني وغيره من الميليشيات الشيعية الموالية لطهران على حماية مظلة نووية إيرانية، مما يزيد من التهديد الإرهابي لنفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وإسرائيل والحلفاء الإقليميين الآخرين.

الترويكا الأوروبية.. الوسيط “المنحاز” للاتفاق النووي

بحث وزراء خارجية الدول الأوروبية الكبرى والولايات، مسألة إعادة إحياء اتفاق 2015 المبرم مع إيران بشأن برنامجها النووي، قبل أيام من انقضاء مهلة نهائية حددتها طهران ستفرض من بعدها قيوداً على عمليات التفتيش، إلا أن إيران فرضت قيود على بعض عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية تنفيذاً لقرار البرلمان الذي يلزم الحكومة بهذا الإجراء في حال لم ترفع واشنطن عقوباتها التي فُرضت منذ 2018، وتعتبر هذه الخطوة هي الأحدث ضمن سلسلة الخطوات التي اتخذت تدريجاً منذ مايو 2019، منها زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 20 بالمئة، بينما يحددها الاتفاق بـ3,67.

نووي إيران

ويرى خبراء في سياسات الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، أن للاتحاد مصالح هامة في بقاء الاتفاق النووي على قيد الوجود وذلك لضمان الاستقرار في منطقة الخليج العربي، التي تُعَدّ ذات أهمِّية قصوى لإمدادات الطاقة العالمية وتأرجُح أسعارها، وحلحلة الصراعات الإقليمية بُغية تأمين الحماية لأوروبا ضدّ معضلات الهجرة إلى البلدان الأوروبية، فضلًا عن موجات الإرهاب التي طالت عددًا من مدن القارة، بالإضافة لتعزيز صادرات الاتحاد خصوصاً البضائع الصناعية بتوسيع نطاق الشراكة الاقتصادية مع إيران، كونها تمثِّل فرصة ذهبية أمام الشركات الأوروبية، في ظلّ اقتناص الشركات الأمريكية لمعظم الفرص الاستثمارية في منطقة الشرق الأوسط.

اقرأ المزيد   الاتفاق النووي في أيامه الحاسمة.. بين الشروط الأمريكية والتعنت الإيراني

وكان قد استضاف وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان، نظيريه الألماني هايكو ماس والبريطاني دومينيك راب، في باريس بينما انضم إليهما وزير الخارجية الأميركي الجديد أنتوني بلينكن عبر الفيديو، حيث حذّرت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا من أن إيران “تقوّض” فرص العودة إلى المفاوضات لإنقاذ الاتفاق المبرم عام 2015 بشأن برنامجها النووي بخرقها المتكرر للنص، بعد إعلانها بدء إنتاج اليورانيوم المعدني. وقالت ايلي جرنمايا من المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية “لا تزال هناك نافذة صغيرة للحدّ من الأضرار التي قد تنجم عن الخطوات الإيرانية المقبلة”.