معركة الصلاحيات الدستورية.. هل بات الشارع أمل النهضة الأخير؟

تونس

 

مرهف دويدري – ليفانت 

انتهجت الدولة التونسية في أعقاب ثورة 2011 نظاماً سياسياً هجيناً يمزج بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي، ما ساهم في تعميق الخلافات بين رأسي السلطة في ما يتعلق بالصلاحيات الدستورية، فالنظام السياسي الذي أسسه الباجي القايد السبسي وراشد الغنوشي، وكرّسه دستور 2014، تتوزع فيه السلطة التنفيذية بين طرفين، رئيسي الجمهورية والحكومة، مع صلاحيات أوسع للثاني، وهو المتسبب الرئيس في الأزمة التي تعيشها تونس في الوقت الحاضر، فهو ليس نظاماً برلمانياً قائماً على الفصل بين السلطات، كما في الأنظمة البرلمانية التي تقوم على الفصل المرن بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، ولا نظاماً رئاسياً، مثل الأنظمة الرئاسية التي تعرّف بأنها تقوم على الفصل الصارم بين السلطتين.

وعلى الرغم من أنّ دستور 2014 يحدّد مركز الثقل في السلطة التنفيذية في البرلمان والحكومة، حيث يرى مراقبون أن هناك حدوداً واضحة لتدخل رئيس الجمهورية في السلطة التنفيذية خاصة في الدفاع والأمن القومي والعلاقات الخارجية، باعتباره يمثل سيادة الدولة، فيما تمّ ضبط اختصاصات رئاسة الحكومة في ضبط السياسة العامة للدولة بوضوح، فإنّنا نجد أن مركز الثقل الحقيقي داخل السلطة التنفيذية في الوقت الحالي ليست في الحكومة، ولكن في قصر الرئاسة في قرطاج، وهو ما جعل الأزمة مستمرة حول التعديل الحكومي في تونس، بعد أن ارتدت طابعاً دستورياً وحرب صلاحيات بين السلطتين الرئيسيتين في البلاد، فيما لوحت حركة النهضة التي تتمع بأغلبية برلمانية بمشاركة حلفاء السياسة بتحريك الشارع.

وتأتي المواجهة السياسية بينما تواجه البلاد موجة شديدة من وباء كوفيد-19 وتداعيته الاقتصادية، وكذلك اضطرابات اجتماعية منذ يناير تزامنا مع الذكرى العاشرة لثورة 2011 التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ومع استمرار الأزمة السياسية غير المسبوقة في تونس بين رئيسي الجمهورية والحكومة يحذر مراقبون من مخاطر دعوة كل طرف أنصاره للنزول إلى الشارع، كما بات واضحاً من دعوات الأحزاب اليمنينية بقيادة حركة النهضة بمقابل أحزاب اليسار بقيادة حزب العمال التونسي.

الأزمة السياسية.. تعديل حكومي وصراع سلطات؟

نشرت منظمة “أنا يقظ” غير الحكومية والمتخصصة في ملفات الفساد، تقارير أكدت فيها وجود شبهات في تضارب مصالح وفساد تحوم حول الوزراء الـ 11 الذين اقترح رئيس الحكومة هشام المشيشي في إطار استكمال إجراءات التعديل الوزاري الذي نال تزكية مجلس النواب ، والذي يرفضه الرئيس قيس سعيد تماماً، بعد أن أكد مراراً أن عدداً من الوزراء الجدد تحوم حولهم شبهات فساد، لم يفصح عن أسمائهم رغم مطالبة المشيشي له بذكرهم.

السعيد والمشيشي

بدوره أعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي، إعفاء خمسة من وزرائه من مهامهم، لتأتي في إطار زيادة الضغط على الرئيس للقبول بالوزراء المدعومين من الإتلاف الحاكم الذي تقوده النهضة واستقبالهم في قصر قرطاج لأداء اليمين الدستوري، بدعوى أن المشيشي سأل محكمة هيئة مكافحة الفساد، وهي مؤسسة مستقلة، عن الوزراء الذين عينهم، وأجابته بأنه لا توجد شبهات فساد حولهم،

اقرأ المزيد   تونس.. أزمة التعديل الحكومي مستمرة والنهضة تهدد بالنزول للشارع

من جهته، وجه سعيّد، رسالة إلى المشيشي، بحسب الرئاسة التونسية على صفحتها على فيسبوك، قالت إنها “تتعلق بالجوانب القانونية للتحوير الوزاري وخاصة بتجاهل بعض أحكام الدستور”، وأضافت الرئاسة، أن “الكتاب تضمن أيضا تذكيرا بجملة من المبادئ المتعلقة بضرورة أن تكون السلطة السياسية في تونس معبرة عن الإرادة الحقيقية للشعب، وأن اليمين لا تقاس بمقاييس الإجراءات الشكلية أو الجوهرية، بل بالالتزام بما ورد في نص القسم وبالآثار التي ستُرتب عليه لا في الحياة الدنيا فقط ولكن حين يقف من أدّاها بين يدي أعدل العادلين”.

الشارع والشارع المضاد..

حشدت حركة النهضة التي تتزعم الائتلاف الحاكم في تونس بالإضافة لتولي زعيمها راشد الغنوشي رئاسة البرلمان، أنصارها من أجل المشاركة في تظاهرات لاستعراض قوتها أمام خصومها السياسيين والرد على الرئيس قيس سعيد ودعوات حل البرلمان، حيث قالت الحركة في بيان تعليقاً على مسيرتها: “تشهد بلادنا منذ أشهر عديدة تواتر ممارسات ومواقف غير مسؤولة تحاول إرباك العملية الديمقراطية بالبلاد والتشكيك في جدواها وتسعى إلى تعطيل عمل الحكومة ومؤسسات الدولة السيادية”. وأضافت: “هذه الممارسات فاقمت تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين وهمشت الإهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والصحية”.

مسيرة النهضة

وجاءت مسيرة النهضة التي أطلقت عليها الحركة شعار “الدفاع عن الشرعية والمؤسسات والدستور”، للرد على مظاهرات مضادّة خرجت لدعم الرئيس قيس سعيد، تطالب باستقالة الحكومة وحل البرلمان وتغيير النظام السياسي، رفعت فيها شعارات مناوئة لحركة النهضة التي اعتبرت أنها أحد أهم محركات الأزمة السياسية في البلاد، وكذلك مناهضة لزعيمها راشد الغنوشي.

بالمقابل، نزل أنصار حزب العمال التونسي بدورهم إلى الشارع استجابة لدعوة من الحزب للتنديد بما وصفه في تدوينة على صفحته الرسمية على فيسبوك بـ”العبث بمنظومة الحكم بمصالح تونس وشعبها”، حيث انطلقت المسيرة العمالية من ساحة باب الخضراء باتجاه شارع بورقيبة، وهو ما أثار المخاوف من إمكانية حدوث تماس بين التظاهرتين وسط تحذيرات من انزلاق الوضع نحو العنف والفوضى.

العمال التونسي

ورفع المحتجون العماليون، شعارات تطالب بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من قبيل “شغل حرية كرامة وطنية”، مؤكدين أنهم خرجوا للشارع لكي لا تنفرد حركة النهضة الإسلامية بالشارع ليكون هناك صوت مخالف يقول: كفى عبثاً بمصالح هذا الوطن وهذا الشعب، وقال حمة الهمامي الأمين العام لحزب العمال لوسائل الإعلام : “نحن غيورون على مكسب الحرية ولا نستعمل العنف في التعبير عن حالة بلادنا المنهارة اقتصاديا والشعب التونسي هو الوحيد القادر على إيقاف الانهيار”، وأضاف: “استمرت حركة النهضة عشر سنوات في الحكم وهي تدّمر تونس، هي ومن يتحالف معها، لذا رسالة لكل التونسيين والتونسيات تحملوا مسؤوليتكم في هذه الأزمة للنزول للشارع باعتباره الحل الديمقراطي، فالشارع التونسي هو الذي طرد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي”، مشدداً على أن “رسالتنا الوحيدة اليوم موجهة للشعب التونسي بأن البلاد في ضياع وليس هناك برلمان وليس هناك حكومة ولا رئيس دولة ولا يوجد اهتمام بمصالح الشعب من قبل السلطة”.

ضربة استباقية.. الغنوشي يحرّك الشارع قبل سحب الثقة

واجه رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي والذي يتزعم حركة النهضة الإسلامية، خطر الإبعاد من منصبه في يوليو الماضي، عندما تقدمت 4 كتل نيابية بلائحة لسحب الثقة منه، أسقطها البرلمان في جلسة عامة، بعد تصويت 97 عضواً بـ”نعم” بينما عارض اللائحة 16 نائباً، فيما اعتبرت 18 ورقة ملغاة، إذ يعود الفضل في بقاء الغنوشي على رأس البرلمان إلى حليفه حزب “قلب تونس”.

الغنوشي

إلا أن كتلا برلمانية وعددا من النواب المستقلين، اقتنعوا بضرورة الإسراع في سحب الثقة من الغنوشي بعدما وقفوا على حقيقته وعلى تجاوزاته التي قد تصل إلى تهديد المصالح الحيوية للبلاد وأمنها القومي، وبدأوا في التوقيع على العريضة جديدة على أمل الوصول إلى النصاب القانوني لتمريرها وعرضها على التصويت في جلسة عامة للبرلمان، من أجل إبعاد الغنوشي عن المؤسسة البرلمانية، حيث ارتفعت الأصوات داخل البرلمان، المحذّرة من تداعيات استمرار بقاء الغنوشي في منصبه على الأداء البرلماني وعلى مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد.

اقرأ المزيد  نقابة الصحفيين التونسيين تدين اعتداءات متظاهري النهضة على أعضائها

فيما كشفت مصادر تونسية عن عقد صفقة بين أحد الأحزاب التونسية ورئيس البرلمان من أجل تجنيب الأخير ما يجري من حراك نيابي من أجل سحب الثقة منه، إلا أن النائب بدرالدين القمودي أكد أن عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي في طريقها إلى النجاح هذه المرّة، رغم الضغوطات التي تمارسها حركة النهضة من أجل إجهاضها وإنقاذ زعيمها، ولم يخفِ القمودي وجود ضغوطات تمارسها النهضة على بعض النواب لرفض اللائحة وعدم التوقيع عليها، مشيرا إلى أن الغنوشي في موقف محرج ويواجه تذمّرا من نواب كتلة قلب تونس الذين يهدّدون بالانضمام إلى العريضة في صورة عدم الإفراج عن زعيمهم نبيل القروي.