كُلّ مَن يُعارض أردوغان (إرهابي).. مُثقفاً أكان أم أمياً

أردوغان والإرهاب

لطالما وسمت تركيا معارضي سياساتها الداخلية بـ”الإرهاب”، وبشكل خاص الحركات الكردية المسلّحة، في إطار تجاهل أس القضية وأساسها، كونها الطريق الأسهل لأي متقلد منصب في تركيا، بغية التغطية على أعقد قضية تهدّد حاضر تركيا ومستقبلها، ما دامت تتجاهل الحلّ السياسي، وتستعيض عنه بالحلّ الأسهل الذي لا يحتاج إلا إلى قرار بالقضاء على الآخر بقوة السلاح، وترهيبه بالسجن الطويل، والتعذيب والموت.

ذلك الدرب كان أردوغان قد اختاره أخيراً، بعد فشله في السير على درب السلام الذي لطالما تحدّث عنه مع بدايات صعوده للحكم في تركيا العام 2002، حيث لا يستطيع أردوغان إنكار أنّ الكُرد من أوصلوه إلى السلطة، نتيجة وعوده لهم بحلّ القضية الكردية بالطرق السلمية، والتي وصلت إلى مراحل لا بأس بها، قبل أن ينكس بعهده في العام 2015، فيسجن السياسيين الكُرد من بعدها، من أمثال صلاح الدين دميرتاش، ويتحوّل كغيره من الساسة الأتراك إلى الأسلوب الذي لا يحتاج عناءً سياسياً، إلا وهو الحرب، ووصم خصومه بـ”الإرهاب”.

أردوغان

الاحتجاج مرفوض على قراراته

لكن ما يكشف زيف الادعاءات التركية الرسمية التي تفترض أنّ كل من يعارضها هو “إرهابي” بالفطرة، الأحداث التي تحصل في جامعة بوغازيتشي في إسطنبول، عندما عيّن أردوغان، في الثاني من يناير الماضي، أحد أعضاء حزبه العدالة والتنمية ويدعى “مليح بولو” كرئيس لها، رغم كونه من خارج ملاكها التدريسي، الأمر الذي اعتبره طلبة الجامعة تعدّياً على مؤسستهم التعليمية، ودفعهم للاحتجاج على ذلك.

اقرأ أيضاً: أوروبا تستفيق مُتأخرة على استغلال الإسلام السياسي لقوانينها

احتجاج دفع قوات الأمن التركية إلى الاشتباك مع المتظاهرين، منذ بداية العام الجاري، عندما ردّد المحتجّون هتافات بينها “مليح بولو ليس رئيسنا” و”لا نريد رئيس جامعة تعينه الدولة”، فيما ساند أعضاء الهيئة التدريسية بالجامعة المتظاهرين، وقالوا إنّ “بولو، هو أول رئيس جامعة يتم اختياره من خارج الجامعة منذ الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980″، مضيفين: “لا نقبل ذلك، لأنّه ينتهك بوضوح الحرية الأكاديمية والاستقلالية العلمية وكذلك القيم الديمقراطية لجامعتنا”.

استمرار الاحتجاجات وتوسّعها

بيد أنّ القضية تحوّلت إلى ما يشبه معركة “كسر العظم”، بين رئيس يجد نفسه مالكاً لتركيا ولا يحق لأحد فيها أن يتفوّه ببنت شفة خارج طاعته، وبين شبان مفعمين بحب الحياة الحرة، باتوا كما يبدو يجدون في رئيس يحكم بلادهم منذ قرابة العقدين، عائقاً أمام ازدهار بلادهم وأمنها الداخلي والخارجي، وعليه تواصلت الاحتجاجات الرافضة لقرار أردوغان، بعد مرور أكثر من شهر على قرار التعيين، إذ تجدّدت المظاهرات في الأول من فبراير الجاري، وكالعادة، تعاملت معها القوى الأمنية بخشونة، فاحتجزت العشرات من الطلبة المعتصمين.

عنف وخشونة، عقب عليها الدبلوماسي التركي السابق ورئيس مركز “إيدام” للأبحاث، سينان أولغن، ضمن تغريدة عبر “تويتر”، قائلاً: “لا شيء يبرّر هذه الوحشيّة للشرطة، من المحزن رؤية هذه الأحداث في جامعة بوغازيتشي، مؤسسة التعليم العالي للنخبة.. يجب احترام حرية الاحتجاج السلمي”، وتجدّدت المواجهات، في الثالث من فبراير، استخدمت خلالها الشرطة التركية الغاز المسيل للدموع وطاردت المحتجين، فيما قدّر شهود عيان ووسائل إعلام بأنّ ما مجموعه 50 إلى 60 شخصاً، قد أوقفوا.

اقرأ أيضاً: ومرّت ذكراك يا سليماني وأنت تنتظر الثأر.. وستنتظر طويلاً

في حين زعم وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، أنّ “79 من الموقوفين على خلفية أحداث الشغب بجامعة بوغازيتشي في إسطنبول، هم أعضاء في تنظيمات إرهابية”، قائلاً إنّ “المحتجّين كانوا على وشك اقتحام مكتب رئيس الجامعة، قبل أن تتدخل القوات الأمنية لتوقيفهم”، مدّعياً “توقيف 108 أشخاص إثر الحادثة، بينهم 101 من خارج الجامعة”، ووفق الوزير فإنّ الموقوفين أعضاء في تنظيمات إرهابية، مثل جبهة حزب التحرر الشعبي الثوري (DHKP/C)، والحزب الشيوعي التركي/ المؤتمر الماركسي-اللينيني (TKP/ML)”.

أما مليح بولو، رئيس الجامعة المُعيّن من قبل أردوغان، فأكد أنّه لا ينوي ترك المنصب، رغم تصاعد التوترات واعتقال أكثر من 300 شخص في يومين سابقين لتصريحه، وأوردت وسائل إعلام تركية، عن مليح بولو قوله للصحفيين في إسطنبول: “لا أفكر مطلقاً في الاستقالة”، قائلاً لمحطة “خبر ترك” إنّ “الأزمة ستنتهي تماماً في غضون ستة أشهر”.

تأييد دولي للطلبة

ومع توسع واستمرار التظاهرات الجامعية، صدرت مواقف دولية مؤيدة لحقهم بالاحتجاج، ومنها موقف الخارجية الأمريكية، التي قال الناطق باسمها، وهو نيد برايس، خلال تصريحات نقلها حساب الخارجية الأمريكية عبر “تويتر”، في الرابع من فبراير: “بشأن المظاهرات السلمية في تركيا، فحرية التعبير، وحتى الأحاديث التي قد يجدها بعضهم غير مريحة، هي عنصر حاسم في فاعلية وحيوية الديمقراطية التي ينبغي حمايتها”.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يُوجّه أوروبا لدروب وعرة ومُنزلقات خطيرة

تصريح أزعج الحكومة التركية، فعقبت وزارة الخارجية بأنّه لا يحق لأي جهة التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، مدّعيةً أنّ حقوق التجمع والتظاهر وحرية التعبير مضمونة وفقاً للدستور، وأنّه “تم الكشف عن محاولات تسلل وتحريض على الأحداث من قبل أشخاص من خارج الجامعة، ولهم ارتباط بمنظمة إرهابية”، كما لم يكتفِ البيان بوصم المتظاهرين بالإرهاب، بل حذّر كذلك ممن سماهم بـ”الجهات التي تستعمل ما قال عنه لغة التحريض وتشجيع المجموعات التي تسلك الطرق غير المشروعة للقيام بالأعمال الاستفزازية وغير القانونية”، قائلاً: “ما تزال في الذاكرة صور العنف غير المتناسبة من قبل قوات الأمن في دول مسماة بالديمقراطية والمتقدمة، ضد مدنيين ومواطنين أبرياء كانوا يعارضون السلطة الحاكمة في بلادهم”، في إشارة كما يبدو إلى واشنطن.

الشيء بالشيء يُذكر

ولأنّ الشيء بالشيء يذكر، يبدو أنّ النصح الأمريكي لأنقرة بضرورة الاستجابة لمطالب المُحتجين، ازعجها فعادت إلى اتهاماتها السابقة، فزعم وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، بأنّ السلطات الأمريكية تقف وراء محاولة الانقلاب المزعومة في بلاده العام 2016، قائلاً خلال حديث لصحيفة “حرييت”، إنّ الولايات المتحدة أدارت محاولة الانقلاب فيما نفذتها شبكة المعارض والداعية التركي، فتح الله غولن، الذي يقيم في الولايات المتحدة، وزعم صويلو أنّ “أوروبا كانت متحمسة حيالها”.

اقرأ أيضاً: عودة ميمونة لبطل قومي.. نافالني يصيب عصافير عدة بحجر واحد

اتهام نفته الولايات المتحدة، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، رداً عليه: “الولايات المتحدة لم تشارك في محاولة الانقلاب على السلطة في تركيا عام 2016 ودانتها فوراً، الادعاءات الأخيرة التي زعمت العكس والصادرة عن مسؤول تركي رفيع كاذبة بشكل كامل”، متابعةً بالقول: “هذه التصريحات والادعاءات الأخرى غير المسؤولة التي لا أساس لها من الصحة حول مسؤولية الولايات المتحدة عن الأحداث في تركيا غير متطابقة مع صفتها كحليف في إطار الناتو وشريك استراتيجي للولايات المتحدة”.

أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد زعم، في الخامس من فبراير، وبتصريح رسمي منه، أنّ المتظاهرين في جامعة “بوغازيتشي” في إسطنبول، “إرهابيون”، وادّعى أنّه لن يسمح لهم بتعكير صفو الدولة بأعمالهم، وذلك أثناء خطاب متلفز أمام حزب العدالة والتنمية الحاكم، قائلاً: “الإرهابيون لن يحكموا هذا البلد، سنفعل كل ما هو مطلوب لمنع ذلك”، وعليه، يتجلّى بوضوح لا لبس فيه أنّ العقلية التي تحكم أنقرة حالياً، تقول بأنّ كلّ من يُعارض أردوغان، أكان مثقفاً أما أمياً، كردياً أم تركياً، داخلياً أم خارجياً، “إرهابي” ويحقّ لأنقرة القصاص منه، بالشكل الذي يناسبها.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة