كاتم صوت إيراني في لبنان

غسان المفلح
غسان المفلح

قال “حزب الله”، في بيان أصدره مساء اليوم الخميس، إنّه “يستنكر قتل الناشط السياسي لقمان سليم”، وطالب “الأجهزة القضائية والأمنية ‏المختصّة بالعمل سريعاً على كشف المرتكبين ومعاقبتهم”. ودعا “حزب الله” إلى “مكافحة الجرائم المتنقلة في ‏أكثر من منطقة في لبنان، وما يرافقها من استغلال سياسي وإعلامي على حساب الأمن ‏والاستقرار الداخلي”.

كان لقمان سليم (58 عاماً) ينتمي إلى الطائفة الشيعية، لكنه كان من أشد المنتقدين للقوة الشيعية والسياسية والعسكرية الأكبر في لبنان، حزب الله المدعوم من إيران. ولم يمنعه ذلك من تركيز كل عمله ونشاطه، في منزله في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، حيث أقام مركز “أمم” للأبحاث والتوثيق. كانت الكثير من مداخلاته التلفزيونية، في الآونة الأخيرة، تتناول حزب الله، الذي كان سليم يعتبر أنّه يأخذ لبنان رهينة لإيران. لم يتردّد في انتقاد كل الطبقة السياسية المتهمة بالفساد والعجز في لبنان.

واستعانت مراكز أبحاث عدة ومنظمات غير حكومية ودولية بخبرته ومنشوراته، بسبب استقلاليته وجرأته في تناول أكثر المواضيع حساسية. كما تناول لقمان سليم في منشوراته قضايا تبييض الأموال لإيران ولحزب الله في لبنان وخارج لبنان. لقمان سليم، اتفقنا أم اختلفنا مع ما يطرحه، لكنه كان ناشطاً لبنانياً يتوق إلى دولة لبنانية تخلو من السيطرة الإيرانية عبر سلاح حزب الله.

لقمان سليم صاحب رأي وناشط مدني وناشر وكاتب، لم يحمل بندقية، قتل في الرأس بكاتم صوت، بعدما أعلن الطب الشرعي في لبنان، يوم الخميس الماضي، أنّ الناشط والمعارض الشرس لحزب الله، لقمان سليم، أصيب بـ5 طلقات نارية، أربع منها في الرأس وواحدة في الظهر، بحسب ما أفادت الوكالة الرسمية. ظهرت معلومات جديدة صادمة، إذ كشفت مصادر طبية لـ”العربية”، أنّ لقمان سليم تعرّض للتعذيب قبل قتله، بحسب القوات اللبنانية، هذا مؤشر على أنّ المجرم أراد إيصال رسالة في ظلّ هذه الأجواء الملبدة بالماكرونية والبايدنية، التي تريد رعاية إيران من جديد، علماً أنّ هذه الماكرونية والبايدنية هي نسخ من سياسة غربية تتزعمها أمريكا وفرنسا تاريخياً في التعامل مع الملف الإيراني. هذا الاغتيال اختبار لسياسة بايدن في لبنان. هذه من الرسائل التي حملها هذا الاغتيال.

عندما يسارع حزب الله إلى إصدار بيان ينفي فيه مسؤوليته عن الاغتيال ويطالب بالتحقيق في مقتل سليم، هذا البيان يعتبر خطوة سياسية يستخدمها حزب الله بعد كل عملية اغتيال قام بها في لبنان، منذ تأسيسه بداية الثمانينيات، حتى إنّه كان يدين خطف الدبلوماسيين والمدنيين بعد تأسيسه في الوقت الذي كان يفاوض فيه أمريكا والغرب على إطلاق سراح المخطوفين. بقي حزب الله يصدر بياناً بعد كل عملية اغتيال يقوم بها. لقمان سليم كان يدرك ذلك، وكتب عدة مرات وتحدّث عدة مرات عن أنّه إذا تعرض لمحاولات اغتيال، فإنّ حزب الله سيكون خلفها. حزب الله في بيانه هذا إنما يؤكد بأنّه حان الوقت، لكي ينتقم ممن يفتحون ملفاته في المخدرات وقتل الناس وفرض الأجندة الإيرانية على اللبنانيين.

إيران كانت وستبقى في لبنان عبارة عن كاتم صوت قاتل، لا نموذج ديمقراطي يحكم ولا دولة قانون، ولغماً متحركاً لحروب أهلية صغيرة وكبيرة. هذا لا يتم بمعزل عن سيطرة أمريكية فرنسية على الملف اللبناني، وحضور إسرائيلي جامح في هذا الملف. علماً أنّ قرار مجلس الأمن 1701، الذي أتى بعد حرب تموز 2006، هو عبارة عن تطبيق حالة اللاحرب واللاسلم بين لبنان وإسرائيل، المعمول بها منذ عقود خمسة تقريباً على الجبهة السورية مع إسرائيل.

علينا أن نوسّع أفق رؤيتنا لأوضاعنا كشعوب في سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين. أليس تصريح وزير خارجية بايدن الجديد أنّه يجب عدم تصنيف الحوثيين كمنظمة ارهابية، هو رسالة لحزب الله وإيران، بأنّكم الآن أكثر أماناً؟ أليس تعيين روبرت مالي مسؤولاً للملف الإيراني في إدارة بايدن رسالة أخرى لحزب الله؟ في كلمته التي افتتح فيها ممارسة عمله، ركز أنتوني بلينكن على اليمن دون اهتمام بسوريا أو لبنان أو العراق، ولولا القليل كاد أن يحمّل كل الأطراف المسؤولية ما عدا إيران.

إننا كشعوب محكومون باستطالات أمريكا في المنطقة، ومعها استطالات فرنسا في لبنان مثلاً. هذه قضية أسس لها أوباما على نحو متين.

بغض النظر عن أنّ الاستراتيجية الأمريكية عموماً، مؤسسة على دعم كل ما من شأنه قتل شعوبنا، لكن أوباما، وفقاً لرؤيته، ترك بصمته على هذه الاستراتيجية، حيث عمل على تأسيس حالة تكون إيران فيها سيدة القتل مع روسيا في سوريا، ولوحدها في العراق ولبنان واليمن. رغم محاولات دونالد ترامب إضعاف هذه السياسة تجاه إيران، إلا أنّ الملف الأوبامي كان من المتانة بحيث يحتاج إلى تغيير استراتيجي تجاه إيران، وهذا ما لا تسطيعه حتى لو أرادت إدارة ترامب. لهذا من يتحمل سياسياً مسؤولية اغتيال لقمان سليم ليس حزب الله وإيران فقط، بل أيضاً التدخلية الفرنسية والأمريكية في مستقبل شعوبنا.

وهي تدخلية تنحو دوماً باتجاه تكريس حالة القتل من قبل قوى الأمر الواقع في السلطة في غالبية بلداننا. نظام الملالي ليس خطراً على شعوبنا فقط، بل هو الخطر القاتل على الشعب الإيراني نفسه، هذا ربما ضرر جانبي عند الساسة المتدخلين الغربيين في قتل شعوبنا. السؤال كيف هو الخروج من هذه الحالة التدخلية بالذات؟

وداعاً لقمان سليم.. تم اغتيالك لأجل ألا يعلو صوت على صوت القتلة الملاليين في لبنان.

غسان المفلح

ليفاتت _ غسان المفلح