قول الرأي ومعطى الدراسة.. هزيمة بلا معركة

جمال الشوفي
جمال الشوفي

سُئل عدد من الأطفال عن الحليب، فأجاب الأول أحبه مغلياً، وأجاب الثاني أفضله مع الشوكولا، بينما أجاب آخر لا أحبه أبداً فهو يسبب لي الغازات.. وحين طلب من أحدهم لا على التعيين أن يقدّم ما يرغب للباقين، قدّمه حسبما ما يحب هو ويرغب، لكن الحليب بذاته كغذاء يحتوي على الفيتامينات والأملاح المعدنية وضرورته لبناء جسم الأطفال لم يأتِ على ذكره أحد، ومن هنا تبدأ قصة أخرى.

القول في الرأي هو قول حق يعبّر بالمبدأ عن الحرية والرغبة والتمني، وهو الدارج في عالم السياسة والأحزاب والكتل اليوم، ويكاد يشكل الحلقة الأصعب اختراقها حين تتفق مجموعة على رأي ما خلاف غيرها، فيبدأ القول بالإقصاء والاستفراد وتكثر المشاكل والخلافات والتوجهات، ويقال حينها، من ينظم هذا التشتت؟

مما لا شك فيه، أنّ خلاصة الربيع العربي، وما قدم على مذبحه لليوم، هو تلك النتيجة المتعلقة بحرية الرأي بعد سواد الرأي الواحد لعقود في عالمنا السياسي، لكن الفارق الذي يمكن تقديم دراسات عدة فيه، هو كيف تصنع الرأي العام؟ وكيف يكون هذا الرأي مسؤولاً؟ وكيف تبني علاقة حوارية تشاركية لا تنافسية تنازعية درجة الخصام، حتى وإن اختلفت الآراء؟

الفارق الأساس بين الرأي والمعطى، أنّ الأول محمول على رؤية ذاتية للحدث، حتى وإن اكتملت نواحيه الموضوعية، وهذا اجتهاد خاص، يبقى معنوناً لصاحبه ورغبته وحلمه، بينما الثاني والناتج عن معطى الدراسات والأبحاث هو ذلك الذي يضع المعطيات الواقعية كما هي، سواء رغبنا بها أم لا، ويستنتج منها ممكنات وطرق وأدوات تأتي بسياقها المنهجي، هذا أولاً. وثانياً أنّها تتيح مساحة واسعة للتشاركية الحوارية والمسؤولية في اتخاذ القرار على أرضية المعطى والممكن محمولاً على اختيار الأفضل بعقل تشاركي جمعي عقلاني. وثالثاً أنّها تتيح المجال الواسع للرأي وحرية القول، لكنها تبنى على فرضيات واقعية قابلة للبرهنة عليها وتحذف الجدل العقيم حول الفرضيات الجدلية التي لا برهان عليها سوى الحلم والرغبة، فما دام الحليب قد برهن على فائدته واقعياً وعلمياً، فمن العبث البرهنة على حبّه أو لا.

في سياق المأزق الفكر السياسي العربي وعقله التأطيري، ما زالت المقولات الجاهزة تمثل الفرضيات والمسلمات الأولى كأدوات للبرهان على أي موضوع سياسي عصري، فالقول بأحقية القومية العربية فرضاً يساوي القول بأحقية الطبقة الكادحة والعمالية، ومثلها القول بأحقيّة المجتمع الإسلامي المسحوق في السنوات العشر السابقة، وجميعها تبقى مجرد فرضيات لأصحابها، تبني حرية الرأي نعم، وتبني حرية التنافس السياسي نعم، لكن بمرحلة بعد تحقيق شروط الدولة أولاً، وهذا الفرض لم يتحقق بعد! وكيفية الوصول لهذا التحقق لليوم سؤال تهكمي تشنّه كل الأطراف على الأخرى بتهمة التقصير أو المحاباة والاستفراد، فكيف وأن كل جهة تريد الدولة حسب أديلوجيتها ومذاقها وحلمها، فهذه إسلاموية، وتلك قوموية، وأخرى ماركسوية، وعلمانوية وليبرالوية، لا تمت لمعاير الليبرالية والعلمانية بصلة سوى بالعنوان، أو لنقل بالحلم والرغبة وحسب، وهذا فرض خصامي لا نهاية له لليوم، وكأنّ المسألة مسألة فلسفية في ماذا أريد؟ أو رغبة تتحقق مجرد أنّها حلمي! لكن كيف أريد، أو كيف تتحقق، أو كيف نريد معاً؟ هذا ما لم يخطر على بال إلا من بوابة قول الرأي دون المعطى والواقع والوعي المقارب للواقع.. وهذا تجاه آخر.

أطل العقل العربي على مشاكله وأزماته، منتصف القرن الماضي، بعنفوانه المحمول على نزعته التحررية من هيمنة الاستعمار الغربي، حاملاً أماني الوحدة والحرية والاشتراكية، ولم يدرك أنّ الأحلام والأماني تحتاج لمعطيات وإمكانيات تقوم بها أو تحملها إلا عندما مني بهزيمتين متتاليتين، فقد أراد رمي إسرائيل بالبحر ونسي وتناسى حكامه ونخبه، وقتها، أنّه لم يبنِ دولته العصرية، مادياً وسياسياً ومؤسساتياً، بعد القادرة على مواجهة دولة كإسرائيل، هي منتج العصرية العالمية، وإن كان اعتراف جمال عبد العناصر بعد هزيمة الـ1967، كما حللها ياسين الحافظ في الهزيمة والأيديولوجية المهزومة: بأنّنا بنينا المصانع والمدارس وسلاح الطيران ولم نبنِ الإنسان الذي يعمل ويدير هذه المؤسسات بكفاءة ومهنية، هو عنوان رئيس لهزيمة العقل العربي وقتها، لكنها بذات الوقت عنوان على ضرورة المراجعة المدققة لأسبابها ولأسباب هزيمة الوعي العربي دون معركة فصل أمام مجريات الواقع ومحطاته، وذلك حين تصبح السياسة علماً، حسب اصطلاح ماكس فيبر.

فإذا كانت فورة الشباب العربي الأولى فورة عشوائيّة غير منظمة محمولة بالأماني والرغبات الكبرى في حلم الدولة والعدالة والمساواة والحرية، هو جذر المسألة التي نعيشها اليوم، فلا يمكن الاكتفاء بهذا التحرّك العريض فرضاً للبرهان على تحقيق هذا الحلم الحق بالإرادة وحسب! وحيث لا يمكن تنحية رأي كتلة أو حزب أو توجه سياسي من المشاركة في صناعته فرضاً، وحيث لا يمكن بناء شرعية ثورية خالصة بعينها، على عدم أحقيتها التاريخية وما قدمته للشعوب من ويلات، لكن لا يوجد من يمكن أن يبرهن على شرعيته الثورية منفرداً في أي ساحة من ساحات الشارع العربي.. لكن هذه المعطيات الأولية تحيل تلقائياً ودون حاجة لذلك الجدل الطوباوي، إلى ضرورة قراءة الواقع السياسي قراءة مقاربة وعياً لمعطياته وممكناته، وهنا تبرز أهمية الدراسات البحثية ومجالاتها المتّسعة خدمة للسياسة والمصلحة العامة.

فبنما تبنى السياسة اليوم على أسس منهجية تقدمها خلاصة خبرات أي مجتمع، من خلال مراكزها البحثية المتخصصة، ما زال العقل العربي النخبوي المبني لليوم على قرارات الزعامة والنخوة والفزعة، دون الأخذ بمعايير العصر وأساليب العمل المنظم من حيث قياس الإمكانيات والمعطيات المحلية والدولية، ومدى تقاطعها أو تعارضها، هو ذات العقل الذي هُزم أمام إسرائيل في القرن الماضي، ومستمر بتكرارها لليوم. فمعظم “نخب” المجتمع السياسية في ذلك الوقت، هم اليوم إما أصحاب سلطة مطلقة وديكتاتوريات محليّة وهياكل حزبية ودشم عسكرية تدمر كل الوطن، أو كنتونات معارضة متحاجزة فيما بينها، لا خلاف جوهري بينها وبين أصحاب السلطات، سوى باستفادة الأخرى من تذرر وتشتت المجتمع وعدم انضوائه في مؤسسات مدنية متكاملة، وهنا تتكرر الهزيمة المؤلمة بعد حجم الكارثة التي نعيشها اليوم.

وحيث أنّه أدرك أنّي أقدم رأياً، لكني أتساءل منهجياً دون تحيز سوى للمسؤولية. وسؤال الكيف والممكن: هل تصحو النخب السياسية العربية من أوهام غلبة رأيها وحلمها، إلى معالجة الواقع بموازين القوى السياسية المبنية على معطيات السياسة العالمية ومتغيراتها العالمية وفق محددات وإمكانيات وطرق مختلفة؟ أم سنبقى نكتفي برأينا المنفرد وقولنا الأوحد؟ فحيث إنّه لم يعد مطروحاً بعالم السياسة اليوم الاختلاف الأيديولوجي الكلي، بقدرة إمكانية بناء المشترك النسبي الذي يحقق ترجيح إمكانيات الواقع النسبية وتحقيق الأحلام النسبية، لا بل فتح البوابات المستقبلية لتحقيق الأحلام في دولة، وإلا سيبقى التنازع في قول الرأي عنواناً عاماً لا ينتج سوى المزيد من تكريس الهزيمة ونكران كل نخبة هذا الواقع، وهذه مسؤولية تحتاج لحوار عميق وجمعي، وإلا سيقال عندها “ليتك يا أبو زيد ما غزيت”.

جمال الشوفي

ليفانت – جمال الشوفي ليفانت