قراءة فيها قضية الشعب السوري

  عبد الناصر الحسين
  عبد الناصر الحسين

في شهر مارس/آذار، اندلعت الثورة السورية المباركة، فكانت ثورة «سلمية شعبية وطنية حقوقية»، ضد «نظام بشار الأسد» الذي ورث الحكم الديكتاتوري عن والده «حافظ الأسد»، وكان نظامه نظاماً إرهابياً فاسداً مستبداً.

واجه نظام الأسد الانتفاضة السلمية بقمع غير مسبوق، مستخدماً كل وسائل الجريمة المركبة، وأوشك على السقوط، فتدخلت «إيران» بكل ثقلها، تزود النظام بالمال والرجال والسلاح والخطط الرهيبة. وبعد سنوات من القتل والإجرام استدعى كلُّ من النظام وإيران حليفهم الروسي لتأمين الغطاء السياسي في مجلس الأمن والغطاء الجوي لقتل المدنيين من حاضنة الثورة.

تدخلت المجموعة الدولية في الصراع المحتدم في سوريا طارحة فكرة الحل السياسي الذي يراعي موازين القوى العسكرية على الأرض، ويساير توازنات مراكز القوى العالمية. فنتج عن تدخلها حزمة من القرارات الدولية تركزت في بيان جنيف الذي يمثّل الحد الأدنى من تطلعات الشعب السوري. لكن موسكو كان لها رأي آخر، فقد خطَّت مساراً آخر عُرِف بمسار «أستانة» بهدف القفز على «مسار جنيف» واستدراج المعارضة للقبول بفكرة بقاء الأسد في السلطة من بوابة الواقعية السياسية.

لكن الأسوأ هو ما حدث في البيت الداخلي للثورة السورية، حيث تم استدراج الثورة إلى «العسكرة» في وقت كان حمل السلاح محظوراً على الشعب السوري ومتاحاً لشبيحة النظام الطائفي. والأخطر من ذلك هو إلزام الثورة المسلحة بقواعد اشتباك خبيثة أفقدت قوى الثورة زمام المبادرة وحصرتها في هوامش ضيقة.

وكذلك توريط الثورة السورية بفكرة «الأسلمة» واتخاذ الدين كواجهة سياسية تستخدم شعارات وخطابات وأهدافاً مغايرة تماماً لما خرج الشعب السوري من أجله، ثم عملوا على «أرهبة الثورة السورية» بإلباسها لبوس «تنظيم القاعدة» الإرهابي، وهو المستهدف دولياً من خلال حرب كونية أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضده. ثم ظهر ما يمكن وصفه بما هو «فوق الإرهاب» وهو «الإرهاب الداعشي» الذي دفعت به إيران في المشهد السوري، والذي أرسل رسائل التهديد للعالم الغربي، ولدول الخليج، وتحديداً السعودية. وذلك بهدف تسويق نظام الأسد على أنّه يحارب الإرهاب نيابة عن العالم، وأنّه ضحية الإرهاب.

من أبرز العوامل المؤثرة في الثورة السورية، كان الخلاف الخليجي بين قطر والسعودية، حيث افترقت المواقف بشدة بينهما من ناحيتين: الأولى تتعلق بالعلاقة مع إيران، والثانية مرتبطة بملف الإرهاب. الأمر الذي انعكس على الثورة بشكل خطير فالانقسام «القطري-السعودي» قابله في الثورة السورية انقسام «ثوري-قاعدي»، انتهى إلى رجحان كفة القطريين متمثلاً برجحان كفة القاعدة على فصائل الثورة، التي تلقت ضربتين، الأولى عسكرية من قبل «جبهة النصرة»، والثانية سياسية بتوريطها بمسار أستانة.

ومن أهم منعطفات الثورة السورية، انعقاد التحالف الدولي لمحاربة «تنظيم داعش» عام 2014، وقد عرضت أمريكا على بعض فصائل الثورة السورية دعماً مالياً وعسكرياً مقابل قتال التنظيم، لكن الفصائل رفضت الفكرة بتأثير واضح من تركيا والإخوان المسلمين.

علماً بأنّها حوربت من قبل تنظيم داعش، فقدمت أمريكا العرض نفسه على «وحدات حماية الشعب الكردي» التي تلقفت الفكرة، وصارت من وقتها شريكاً قوياً للمجتمع الدولي، وخاضت الحرب ضد داعش محققة انتصاراً حاسماً على التنظيم، بغطاء من طيران التحالف، فضاعت فرصة ثمينة على الثورة السورية، التي احتضنت بالكامل من قبل تركيا، التي كرست ميلاً واضحاً لسياسة «دعشنة الثورة» وحصر السلاح الثوري في محاربة «قوات سوريا الديمقراطية»، والتي تقودها وحدات حماية الشعب الكردي. وخلال احتضان تركيا للثورة السورية تم اختصار المشهد العسكري بجزأين أساسيين هما: «هيئة تحرير الشام» (النصرة سابقاً) بزعامة الجولاني. و«الجيش الوطني» الذي تم تشكيله من عناصر «الجيش الحر» ليكون جيشاً رديفاً للجيش التركي، تستخدمه تركيا لرسم الخارطة التي تضمن لها منطقة آمنة شمال سوريا خالية من الوجود الكردي.

أما سياسياً، فقد حرصت تركيا على إلزام الثورة السورية بمسار أستانة، الذي ضمن للنظام سحب الأرض المحررة من تحت أقدام القوى الثورية، وترحيل السوريين إلى الشمال السوري في مخيمات البؤس والشقاء.

لقد استغلت كبرى دول العالم الكركبة الحاصلة في البيت الثوري لتلعب ألاعيبها البهلوانية، متذرّعة بالإرهاب، الذي أثبتت الوثائق أنّه لم يكن منتجاً شعبياً سورياً، بل كان حالة مخابراتية معقدة. فأمسكت كل دولة بجزء من الملف السوري حسب قوتها، وثقل قرارها السياسي، ليبدأ التزاحم على النفوذ في سورية الجريحة، وتفقد سوريا قرارها الوطني المستقل، حيث تنازل الأسد عن جزء كبير منه، وتنازلت المعارضة عن الجزء الآخر.

  عبد الناصر الحسين

ليفانت – عبد الناصر الحسين