صوت المعارضة الخجول

مزن مرشد

لم يصل بعد صوت المعارضة السورية إلى قوة التأثير المطلوبة منه عالمياً، ولم يستطع حتى اليوم أن يكون مؤثراً في سير العملية السياسية في الملف السوري، والذي ما تزال تتنازعه الصراعات الإقليمية، ومصالح الدول المتدخلة، ودليل كلامي ما نحن فيه اليوم من تخبط وتشرذم بعد عشر سنوات كاملة من الحرب الدامية في البلاد، وكل ما مررنا به من أراضٍ محررة، إلى استعادتها، ومن مجلس وطني إلى ائتلاف، ومن فصائل متأسلمة إلى دولة خلافة، ومن جنيف بأجزائه، إلى أستانا بفصولها، فسوتشي، فقرارات مجلس الأمن إلى اتفاقيات خفض التصعيد، فهيئة تفاوض، فدستورية، منصات، تيارات، أحزاب، تكتلات… إلخ، مما تعرفونه جميعاً وما نزال ندور في ذات الدوائر، دون التوافق على شخص، أو الرسو على حل، أو الالتفاف حول مسار، أو الإجماع على خارطة طريق. المعارضة 

تحاول المعارضات السورية كلها أن تبذل جهدها من أجل إيصال صوتها للعالم، لكنها لم تكن جادة ولو لمرة واحدة بوضع خطة متكاملة لحل شامل وقابل للحياة ويرضي الغالبية السورية، بالطبع من المستحيل أن يرضي الجميع، ولكن من الممكن أن يحقق القبول، ويحقق المصالح المعقولة للدول الفاعلة والتي بيدها إغلاق هذا الملف الشائك، شئنا أم أبينا.

تواجه المعارضة السورية حالياً صعوبة كبيرة على الأرض، حيث نجحت قوات النظام، بدعم من القوات الجوية الروسية، في استعادة الكثير من الأراضي المحررة، وتطويق أي محاولة لإحياء الاحتجاجات السلمية في كافة المناطق، ومع انشغال سوريي الداخل بالوضع المعيشي المأساوي، لم يعد هناك أي أمل بتفجر الثورة داخلياً من جديد، وبالتالي تقع كامل مسؤولية الحل على عاتق المعارضة السورية في الخارج ولا أحد سواها، في تحريك دفة العمل، والضغط على الأطراف الفاعلة والمؤثرة.

قدمت المعارضة السورية، سابقاً، وأثناء ما سمي مباحثات السلام السورية، والتي بدأت في جنيف، مشروعاً تنصّ المرحلة الأولى منه -والتي لم يتم قبولها في ظل توازن القوى على الأرض- على مرحلة مدتها ستة أشهر، “يلتزم خلالها الطرفان المتفاوضان باحترام هدنة مؤقتة، وعودة ملايين الأشخاص الذين نزحوا بسبب الصراع واللاجئين. المعارضة 

المرحلة الثانية، التي تبلغ مدتها 18 شهراً، ستشهد حكم سوريا من قبل حكومة انتقالية، يتطلب تشكيلها “رحيل بشار الأسد وزمرته”، لكنها بالطبع لم تحدّد متى تبدأ ومتى تنتهي.

والخطوة الثالثة، والأخيرة، تدعم التغييرات من خلال “انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية” تنظم “تحت إشراف ودعم تقني من الأمم المتحدة”.

هذا المشروع تم تبنيه لاحقاً من قبل الدول الفاعلة في الملف السوري، وأقرّه مجلس الأمن بما عُرف بالقرار 2254 وبات الجميع ملتزماً به، إلا أنّه وكالعادة لم يتحقق أياً من بنوده، وبات في الواقع معطلاً أكثر منه حلاً.

تتضمن هذه الخطة عناصر من خارطة الطريق التي وضعتها القوى العظمى في فيينا، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، ولم تتقدم خطوة واحدة حتى الآن، والطامة الكبرى أنّها لم تحسم مع ذلك مسألة مصير الرئيس الأسد. 

لذلك أجد من الضروري اليوم، أن يتوحد صوت المعارضة السورية بجميع تياراتها، رسمية ومستقلة، حتى وإن كانت تعاني من اختلافات عقائدية وبنوية، فوضع البلاد وطول مدة الخراب، يحتّم على الجميع التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة، والمحاصصة السياسية، أو حتى أحلامهم بموقع سياسي مستقبلي، فإن بقي الحال على ما هو عليه، لن يكون هناك أي أمل لأي تشكيل سياسي أن يكون له مقعد سياسي في ظل بقاء الأسد. المعارضة 

يبدأ الحل من وجهة نظري، بالتفاف المعارضة حول قيادة موحدة تحظى باحترام الجميع، وتُكلف هذه القيادة الجديدة، سواء كانت شخصاً أو مجموعة، بإدارة الملف السياسي السوري العالق بين براثن الائتلاف والدول الداعمة، واللذين لا يريدان لهذه المأساة أن تنتهي.

لذلك عندما نجد من نحترمه، ونصدقه، ونفوضه بكل ثقة، نستطيع أن نضمن حينها أنّ الألف ميل قد بدأ بهذه الخطوة، عزل الأسد، ضبط السلاح، وإخراج الميليشيات كلها من كل الجنسيات من البلاد.. وفي النهاية التحضير لانتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة تخوّل السوريون أن يختاروا رئيسهم، هذا ما نريده من صوت المعارضة الخجول حتى اللحظة، فليست مشكلتنا في دستور، ولا إصلاح، ولا يمثلنا ائتلاف فاشل، أو هيئة تفاوض، لم تقدم ولم تؤخر شيئاً بالملف السوري، ولم تكن سوى تسمية جديدة، وسبوبة منفعة لمن فيها. المعارضة 

مزن مرشد

ليفانت – مزن مرشد ليفانت