سياسة حزب العدالة والتنمية الجديدة عبر جنازات موظفي حكومتها

أنس ماماش  

جبل كاره القابع داخل الحدود الداخلية لإقليم كردستان العراق والبعيد كل البُعد عن الحدود التركية، والذي تعرّض لهجوم بري وجوي في 10 فبراير 2021، من قبل الجيش التركي، ونتج عنه مأساة كبيرة ضمن صفوف الجيش. حيث نفذ الجيش التركي عملية عسكرية كبيرة ضد هذا الجبل بحجة إنقاذ أسرى أتراك من بين أيدي عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK).

هذه العملية تذكرنا بفيلم هوليود الشهير (savıng prıvate ryan)، والأسرى هم عناصر من الجيش والشرطة واثنان من جهاز الاستخبارات الوطنية (MIT)، وهما (إرهان بكجتين)، رئيس الأنشطة الانفصالية العرقية التابعة لجهاز الاستخبارات التركي في الخارج، و(أيدين غونيل)، مدير الموارد البشرية التابع لنفس الجهاز في الخارج، حيث تم أسرهم من قبل (PKK) منذ 6 أعوام، وتعرّض المعسكر الذي كانوا محتجزين فيه للقصف الجوي لأيام بصواريخ ثقيلة تزن (500 و1000)كغ.

في الواقع إنّ أسلوب وطريقة العملية العسكرية التي نفذتها تركيا من أجل تحريرالأسرى، كما ادّعت، هو دليل قاطع على هدف حكومة أنقرة بنقل هؤلاء، كأحياء أم أموات، إلى تركيا، ولكن سارت الرياح بما لا تشتهيه أنقرة، حيث لم تأخذ تركيا في الحسبان الموقع الجغرافي لجبل (كاره) الذي يقع في العمق الداخلي لكردستان، وتضاريس الجبل الذي يبلغ عرضه (75) متراً وعمقه (25) متراً، وتجاهلت أنقرة حقيقة أنّ حزب العمال الكردستاني هو الأقوى في هذه المنطقة، وعلى الرغم من تعرّض كاره لقصف جوي مكثّف بمدافع الهاوتزر من قبل (41) طائرات مقاتلة، وبراً بإنزال الجنود بمروحيات (سيكور سكي)، إلا أنّ الجيش التركي سحب ذيول هزيمته مرة أخرى كما سحبها من منطقة (ZAP) عام 2008، عندما خسر خسارة نكراء في تلك المنطقة أيضاً، فالتاريخ أعاد نفسه معهم في (كاره).

خطط تركيا المسبقة بعدة أشهر للهجوم، ونتائج العمليات الدبلوماسية المكثّفة كان لها أهداف متعددة:

الهدف الأول: إلى جانب إطلاق سراح الأسرى، كان هناك هدف آخر، وهو أسر أحد كبار قادة حزب العمال الكردستاني واقتياده إلى تركيا، كنوع من الدعاية الانتخابية لأردوغان، من أجل الحصول على أصوات ناخبة تحضيراً للانتخابات المبكرة، ذلك لأنّ تصاريح أردوغان بشأن “سنذهب إلى القمر” لم تلقَ اهتماماً وترحيباً من قبل الشعب، فلجأ إلى خطة الهجوم التي كان قد تمّت دراستها والتحضير لها منذ أشهر عدة، فالطريقة التي قُصف بها المعسكر بـ(41) طائرة مقاتلة، ما هي إلا حقيقة واضحة بأنّه لن ينجو أحد من ذاك الهجوم، وهذا مثير للشكوك. ففي الواقع الأسرى تمت تصفيتهم عمداً من قبل الجيش التركي، ولم يكونوا مصدر اهتمام لأردوغان، فوصولهم إلى تركيا على قيد الحياة أو مكفنين يصب في مصلحته، ففي حال وصول السجناء وهم على قيد الحياة، فإدارة أردوغان كانت ستعلن النصر الساحق، وفي حال موتهم فإنّ أردوغان سيتهم حزب العمال بقتلهم، وسيقومون بالضغط على (PKK) في الساحات الدولية، من خلال الإعلان عبر وسائل الإعلام بأنّهم قاموا بإعدام السجناء، كل هذا كي تمهد أنقرة لنفسها الطريق لعمليات عسكرية جديدة على سنجار وعلى مناطق الإدارة الذاتية، في شمال شرق سوريا (روجافا).

الهدف الثاني: الاستيلاء الكامل على (كاره) وإيقاع خسائر كبيرة في الجزء العسكري الخلفي لحزب العمال، ونشر دعاية بين شعبه بأنّه قد أنهى الحزب بشكل نهائي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، قطع أواصر الاتصال بين (كاره) وروجافا، حيث تعتقد تركيا بأنّ الجبل هو منطقة العبور لعناصر (الكريلا) من وإلى سوريا وشمال العراق، كما كانت تركيا تخطط أيضاً لمزيد من عمليات الحصار على روجافا، لهذا السبب ركزت أنقرة العملية العسكرية حول الجبل الأبيض (Çiyaye Spi) أيضاً.

الهدف الثالث: الغرض الآخر من هذه العملية، هو إضعاف النضال الكردي من أجل الحرية، وجذب إدارة جو بايدن المنشغلة بتشكيل حكومة جديدة في الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات، ضمن الشروط التي تريدها أنقرة، فحالة الفوضى والافتقار للتنظيم التي تعيشها أمريكا، حالياً، اعتبرتها تركيا فرصة مناسبة غير قابلة للتعويض للقيام بالهجوم العسكري.

ورغم تحذيرات مركز الدفاع الشعبي، التابع لحزب العمال الكردستاني، من تعرّض معسكر الأسرى للقصف، واصل الجيش التركي قصفه ليل نهار، مما أدّى إلى مقتل هؤلاء السجناء، الذين كانوا في أيدي حزب العمال الكردستاني منذ 6 سنوات، لم يواجهوا أي تهديد على حياتهم قبل العملية. على العكس من ذلك، بل كان يتم تلبية احتياجاتهم الخاصة أسبوعياً، ويمكنهم الاتصال بعوائلهم عبر وسائل الإعلام والبريد. فمنذ شهرين قام أهالي الأسرى بمراجعة الحكومة لمعرفة مصير أولادهم، وكان رد الحكومة التركية عليهم كالآتي: “لقد قام حزب العمال الكردستاني بتصفية أولادكم، نحن كحكومة لا نستطيع أن نصرّح بأكثر من ذلك”. وبالطبع نتيجة عدم يقين الأهالي بالرد الحكومي توجهوا إلى منظمات حقوق الإنسان في تركيا، وقدموا شكوى ضد الحكومة، وبالتالي كان على أهالي الأسرى، الذين كانوا ينتظرون اتخاذ الدولة خطوات من أجل حرية أبنائهم، بدفن جثث فلذات أكبادهم، بسبب سياسات الحكومة الخاطئة.

نستطيع أن نلاحظ، في السنوات السابقة، أنّ نهج الحكومة التركية تجاه الجنود والشرطة الذين يقعون في الأسر كان إقصائياً. ففي 4 نوفمبر عام 2007، عندما قام حزب العمال الكردستاني بإطلاق سراح 8 جنود كان قد أسرهم في 24 أكتوبر من نفس العام، وفقاً لمعاهدة مبادلة الأسرى، وفي تلك الأثناء رد وزير العدل عن حزب العدالة والتنمية “محمد علي شاهين” بقسوة شديدة عى الموضوع، حيث قال: “ما كان يجب أن يقع أي فرد من أفراد القوات المسلحة التركية في مثل هذا الوضع المخزي، لذلك أنا لا أشعر بالفرح والسعادة الكبيرين لأنّهم نالوا حريتهم بهذه الطريقة”.

هذا التصريح يعطي تفسيراً واضحاً لنهج (الإبادة) الذي تتبعه حكومة حزب العدالة والتنمية تجاه الجنود والشرطة وأعضاء (MIT)، الذين يقعون في الأسر. لذا نرى بأنّ مصير الأسرى لم يكن ذي أهمية كبيرة لدى حزب العدالة، والدليل التوقيت الخاطئ لتنفيذ الهجوم، وكذلك دخول الجيش التركي معصوب العينين إلى مناطق حزب العمال الذي يسيطر عليها بقبضة من حديد، كل هذا من أجل الترويج الإعلامي لحملة أردوغان الانتخابيّة الذي يبدي مصلحته على مصير جنوده، سواء وصلوا بكامل صحتهم أو في صناديق خشبية، كلاهما يصبان في نهر مصلحته، والآن نجد بالفعل بدء عملية الحسابات الجديدة وتطاير التهديدات كفقاعات صابون بالهواء، كل هذا على حساب جثث وجنازات أبناء شعبه.

أنس ماماش

ليفانت – أنس ماماش