خبيئة تحركات النهضة تبعث الأزمات في تونس

رامي شفيق
رامي شفيق

دائرة من التناقضات المركبة تغوص فيها تونس إثر الصدام الذي وقع بين الحكومة والبرلمان، من جهة، ورئاسة الدولة، من جهة أخرى. الصراع الذي تعمق من آثاره حركة النهضة (فرع الإخوان في تونس)، جاء نتيجة رفض مؤسسة الرئاسة، التحوير الوزاري الذي تقدّم به رئيس الحكومة، هشام المشيشي، ونال به ثقة البرلمان. 

بيد أنّ الرئيس التونسي، قيس سعيد، رفض التحوير الوزاري لما يراه من شبهات فساد تطاول أسماء الوزراء المقترحين، وبالتالي، رفض أن يؤدّي الوزراء اليمين الدستورية أمامه، ما دفع راشد الغنوشي، رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة، أن يهاجم الرئيس ويصف منصبه بـ”الرمزي”، ويمضي في تجاوزاته بحق الرئيس، وكذا صلاحياته الدستورية، ويمرّر خبيئة أهدافه للاستحواذ على السلطة، إذ يخلص إلى أنّ النظام السياسي في تونس الذي يجمع بين الشكل البرلماني والرئاسي عليه أن يتحوّل بالكلية نحو النظام البرلماني.

ولذلك، اضطر الرئيس التونسي أن يستفيض حول الأزمة السياسية التي تعيش تحت وطأتها تونس، على خلفيّة اعتراضه بعض الأسماء التي حظيت بثقة البرلمان. وقد أكد على أنّه ليس هو المتسبب فيها وألقى، في المقابل، المسؤولية على من وصفهم بـ”المناورين”.

ونجد ذلك واضحاً في تعبيراته المباشرة: “مستعدّون لكل الحلول، ولكني لست مستعدّاً للتراجع عن المبادئ، وتعهدت أمام ربي أن أكون في خدمة الشعب، وأني لن أكون في خدمة هؤلاء الذي يسعون للإطاحة بالدولة”.

إذاً، الصدام العميق الذي ضرب مؤسسات الدولة في تونس مردّه الرئيسي تحركات كتلة النهضة للهيمنة والسيطرة على المشهد السياسي، بواسطة استقطابها هشام المشيشي، الذي استدعاه الرئيس وسماه رئيساً للحكومة، وهو ما يكشف عن مقاربة واضحة ومماثلة للأزمة ذاتها، قبل سنوات قليلة، فيما بين يوسف الشاهد والرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، على إثر قيام الأخير برفضه التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الحكومة، وأعلن حينها رفضه ذلك لما شابه من تسرّع وفرض لسياسة الأمر الواقع، ما دفع حزب الرئيس “نداء تونس” و”الاتّحاد التونسي للشغل”، لمطالبة  الحكومة بالاستقالة نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.

وقد جاءت تصريحات الشاهد، حينها، تسعى نحو مغازلة الرأي العام لتبرير موقفه من التعديل الوزاري، حين صرّح وقال فى كلمة موجهة للشعب إنّ التعديل هدفه “إضفاء مزيد من النجاعة على عمل الحكومة ووضع حدّ للأزمة الاقتصادية والسياسية فى البلاد”.

ومن جانبه قال حافظ قائد السبسي، الممثل القانوني لحركة “نداء تونس”، إنّ التغييرات الحكومية التى أعلنها يوسف الشاهد، لم نعلم عنه أي شيء إلا من “الفيس بوك”، لافتاً إلى أنّ تلك التغييرات تؤكد هيمنة “إخوان النهضة” على يوسف الشاهد، وقطعها خطوة أخرى على درب الالتفاف على الشرعية الدستورية.

ولذلك، فإنّ حركة  النهضة انقلبت على تحالفها مع السبسي، ودعمت الشاهد على حساب الأخير؛ الأمر الذي دفع الرئيس نحو مطالبة رئيس الحكومة، آنذاك، للمثول أمام البرلمان، مرة أخرى، لجهة نيل الثقة، ثم الضغط باتجاه ضرورة تغيير الدستور.

ربما، يبدو واضحاً، أنّه في كلتا الحالتين كان مسعى حركة النهضة يتمركز حول فرض أوراق الضغط على موازين القوى في السياسة التونسيّة؛ حيث التنقل بخفة فيما بين الحكومة ومؤسسة الرئاسة كلما حانت الظروف ولانت الفرص لذلك. وهو ما وقع حين تبدل التحالف مع الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، نحو رئيس الحكومة، آنذاك، يوسف الشاهد، والذي كان يمثل الاختيار الأمثل للرئيس.

وفي ذلك كان تحرك النهضة التكتيكي يتمثل في هدفين أساسيين؛ أولهما ضرب العلاقة بين رأسي السلطة السياسية في تونس، والآخر استهداف حزب الرئيس نداء تونس وتفكيكه لقطع المسارات التي يطمح فيها الرئيس نحو منافسة النهضة، ومن ثم، ارتأت الأخيرة أنّ تلك الخطوة التكتيكية ستحقق لها جملة أهداف استراتيجية نحو أطماعها في القبض على مفاصل الدولة التونسية، دونما الحاجة إلى تقديم زعيمها راشد الغنوشي في مشهد الانتخابات الرئاسية في تونس، وبما يتيح لها أن تظهر بصورة الزاهد في السلطة.

أدركت النهضة جيداً قواعد اللعبة وخبرت تحركاتها، حين دفعت الأحداث نحو تقديم إلياس الفخفاخ استقالته من رئاسة الحكومة. وبموجب الدستور اختار الرئيس هشام المشيشي لتشكيل حكومته؛ وقد تجنبت النهضة عرقلة الحكومة ومنح البرلمان الثقة في الحكومة الجديدة، وشرعت في التسلل إلى المشيشي، وعمدت إلى إقامة تحالف صامت معه، إذ دفعته إلى عزل عدد من الوزراء المحسوبين على الرئيس قيس سعيد.

غير أنّ الهدف الأصيل للنهضة وراشد الغنوشي بدا واضحاً في تشييد جدار عازل بين مؤسسة الرئاسة والمشهد السياسي في الفضاء التونسي، الأمر الذي تجلّى حين طرح المشيشي رغبته في التعديل الوزاري، وشرع في تنفيذه بعيداً عن رغبة وإرادة الرئاسة، بينما مضى نحو ذلك وهو يأمن جيداً ظهيره السياسي في البرلمان (حركة النهضة)، والتي ستكفل له أن تحويره الوزاري سينال ثقة البرلمان، خاصة في ظلّ الارتباك الدستوري، بفعل غياب المحكمة الدستورية، وكذا عدم موافقة ورضا الرئيس. 

الصدام العميق والمتجدّد الذي يضرب مؤسسات الحكم جرّاء تعطّل عمل الوزراء الجدد رغم نيلهم ثقة البرلمان، يجيء في وقت قياسي، بيد أنّ رفض الرئيس قيس سعيد تأدية الوزراء الأحد عشر اليمين الدستورية أمامه، جمّد ممارستهم لمهامهم الوظيفية، كما أنّه فاقم تعقيدات المشهد، في وقت تعاني فيه تونس من أوضاع اقتصادية واجتماعية مأزومة، خلفت موجات متدافعة من احتجاجات المواطنين، طيلة الأيام الماضية، والتي امتدّت منذ مطلع العام الحالي، بالتزامن مع ذكرى اغتيال المحامي والناشط السياسي شكري بلعيد، فضلاً عن احتجاجهم كنتيجة مباشرة على تردّي أوضاع المعيشة للمواطنين، وكذلك التداعيات العنيفة لفيروس كورونا التي فرضت تحديات متعاظمة على اقتصاديات المعيشة. 

من الصعوبة بمكان، تدبر حديث راشد الغنوشي، حين قال في حوار مع عدد من أنصاره عبر تطبيق “زوم” إنّ “تحفظات الرئيس قيس سعيد على التحوير الوزاري تعدّ من باب المكائد، وهدفها إسقاط التحوير”، كما تحدّث عن توزيع السلطات، بمعزل عن سيناريو محتمل تدفع فيه النهضة رئيس الحكومة، هشام المشيشي، أن يستقبل الوزراء الجدد ويؤدّوا اليمين الدستورية أمامه بعيداً عن صلاحيات ومهام الرئيس، وهو الأمر الذي يضحي واقعاً حين نطالع استكمال حديث راشد الغنوشي حين يقول: “إنّ تونس تعيش اليوم صعوبة المزج بين النظام الرئاسي والبرلماني. والدرس الذي ستصل إليه هو الذهاب إلى نظام برلماني بالكامل”.

وبين كل ذلك، يتحرّك أستاذ القانون الدستوري الرئيس “قيس سعيد” نحو الاحتماء بالشعب، والسعي أن يتكتل بالجماهير في مجابهة تحركات النهضة، وهو الأمر الذي دفعه للظهور غير مرة وسط المواطنين في شارع الحبيب بورقيبة، وسط تونس. 

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق  ليفانت