تفاصيل مرافعة الادعاء العام الأخيرة في قضية المتهم إياد الغريب

محاكمة إياد الغريب

ليفانت- لونا وطفة

في الجلسة الستين لمحاكمة المتهمين أنور رسلان وإياد الغريب بتاريخ 17/02/2021، حَضر على غير المعتاد الكثير من الصحفيين الألمان، منتظرين ما سيدلي به الادعاء العام في مرافعته الأخيرة في قضية المتهم إياد الغريب، غير أن هيئة القضاة ارتأت البدء بقراءة تقارير، تاركةً المجال للمدعي العام أن يقدّم مرافعته بعد ساعة ونصف من بداية الجلسة.

بدأت هيئة القضاة بقراءة ثلاثة تقارير من منظمة سيجا تتعلق بخلية الأزمة، نشأتها، وظيفتها، إدارتها، وغاياتها التي كانت في المقام الأول تتوجه نحو ضرورة التحكم بالحراك الشعبي وانتهاء مدة التسامح والمهادنة معه.

إرجاء النظر في قضية “رسلان”

بعد ذلك قرأت القاضية كيربر، البيان الرسمي لفصل قضيتي المتهمين عن بعضهما، والتوقف حالياً عن النظر في قضية المتهم رسلان ريثما يُبَتُّ في قضية الغريب وهو تاريخ النطق بالحكم يوم الرابع والعشرين من شهر شباط، على أن تستكمل المحكمة قضية رسلان ابتداءً من العاشر من شهر آذار لهذا العام.

بدأ المدعي العام بعد ذلك مرافعته الأخيرة، والتي استمرت عدَّة ساعات تخلّلها بعض الاستراحات. استهلَّ مرافعته بالحديث عن “الربيع العربي” بداية من تونس ووصولاً إلى سوريا، ووصف الأخيرة بـ “أرض الغائبين” نقلا عن الصحافية الفرنسية جارانس لو كين.

ذكر بداية الثورة وردة فعل النظام عليها بتفصيل شديد، مؤكداً أن مشكلة سوريا ليست التنظيمات المتطرفة، كداعش بشكل رئيسي وإنما المشكلة الأولى والأهم هي النظام السوري وبقاؤه في السلطة حتى يومنا هذا، وأنّ جهاته الأمنية هي من ارتكبت الفظائع بالشعب السوري وذلك من باب الانتقام منه على مساعيه المشروعة من أجل الحرية والديمقراطية، كما تحدث عن قتل وملاحقة المتظاهرين واعتقالهم تعسفياً وتعذيبهم.

بيد أنه أكّد أن المتهم إياد الغريب لا يمثل الآن أمام المحكمة نيابة عن النظام السوري، كما يقال ويكتب خطأ، إلا أنه ليس من الممكن النظر إلى وتقييم مسؤولية إياد الغريب الجنائية بمعزل عن الجرائم التي يرتكبها النظام السوري، وليس آخرها حضوره الملموس في المحكمة -أي النظام السوري- من جهة التهديدات التي طالت المدعين بالحق المدني والشهود.

استحضر المدّعي العام الكثير من شهادات المدعين والشهود الذين حضروا إلى المحكمة، قبل هذا اليوم، ليصف بدقة ما يحدث في الأفرع الأمنية، والتي كان المتهم إياد الغريب أحد عناصرها في فرعي الأربعين والخطيب.

قال المدعي العام بأن مهمة الغريب الرئيسية، أثناء عمله في قسم الأديان في فرع الخطيب، كانت الذهاب إلى المساجد لأغراض التجسس على الأئمة وخاصة أيام الجمعة، حيث كانت تنطلق المظاهرات، وكتابة التقارير الأمنية وتسليمها للقسم؛ الأمر الذي بطبيعة الحال لابد وأنه أدّى لاعتقالات طالت متظاهرين سلميين.

غير أن التهمة الرئيسية، تعلّقت بحادثة ذكرها الغريب في شهادته سابقاً عندما قَدُم كلاجئ إلى ألمانيا. تحدّث حينها الغريب عن حادثة إطلاق النار على مظاهرة واعتصام كبير حدث في مدينة دوما، في الشهر التاسع أو العاشر من العام 2011، أمام الجامع الكبير في دوما.

انطلق عناصر الأمن حينها من فرع الأربعين، وكان معهم الغريب بقيادة حافظ مخلوف رئيس الفرع، قال الغريب في شهادته إن مخلوف خرج من سيارته حينها، وقال: “من يحب الرئيس فليبدأ بإطلاق النار”، وبالفعل فتح مخلوف الرصاص الحي على المعتصمين، موقعاً بالحال ثلاثة قتلى. أكد الغريب حينها أنه لم يشارك بعملية إطلاق النار، ولكن بعد انتهاء ذلك حدثت اعتقالات طالت ما لا يقل عن ثلاثين شخصاً، اقتادهم عناصر فرع الأربعين ومن بينهم الغريب إلى فرع الخطيب، حيث كان يعلم الغريب، كما قال المدعي العام أنهم سيتعرضون للتعذيب وربما القتل.

وقال المدّعي العام، أن الفرصة قد اتيحت للغريب حينها للانتقال فوراً إلى صفوف المعارضين والانشقاق فوراً خلال الاعتصام عن المخابرات السورية، إلا أنه لم يفعل، بل شارك باعتقال المتظاهرين السلميين.

اقرأ المزيد: “من يحب الرئيس فليبدأ بإطلاق النار”.. الجلسة السابعة لمحاكمة أنور رسلان وإياد الغريب

“الغريب” يتحمّل مسؤولية وجوده تحت إمرة “رسلان”

في الأعوام 2011 و 2012، وهي السنوات التي كان فيها المتهم أنور رسلان رئيساً لقسم التحقيق، كان المتهم الغريب أيضاً صف ضابط هناك، خلال هذه الفترة كما قال المدعي العام، تم الإبلاغ عن الكثير من عمليات تصفية المعتقلين داخل الفرع 251/ فرع الخطيب، وتمت ممارسة الكثير من عمليات التعذيب الممنهجة بحق المعتقلين؛ الأمر الذي يستدعي أن يتحمل الغريب مسؤولية ارتكاب هذه الفظائع أثناء وجوده.

اعتمد المدّعي العام في تأكيده لهذه النقطة، على ما ورد في التقارير الأممية التي تليت سابقاً في المحكمة، مثل تقرير هيومن رايتس ووتش، والذي جاء فيه: “لم نر مثل هذا الرعب من قبل” وتقارير منظمة سيجا، وأيضاً شهادات المدعين والشهود وخاصة الخبراء منهم مثل أنور البني، مازن درويش وكريس إنغلز.

ضمن كل الشهادات التي مرًّ عليها الادعاء بالتفصيل بما قاله الشهود سابقاً، لم ينسَ أن يذكر شهادة حفَّار القبور وما تؤكده هذه الشهادة من عمليات قتل تحت التعذيب ممنهجة داخل الأفرع الأمنية، وخاصة فرع الخطيب موضوع المحاكمة.

أكّد الغريب سابقاً في شهادته، أنّه كان قادراً على سماع أصوات التعذيب حتى من الكافيتيريا التابعة للفرع، وهو ما جعل الادّعاء العام يصرُّ على أن الغريب كان يعلم تماماً ما يحدث هناك ومع ذلك ساهم باعتقال ثلاثين متظاهر في دوما.

محكمة كوبلنز

تحدّث المدّعي العام أيضاً، عن كل وسائل التعذيب التي ذكرها الشهود والمدّعون بالحق المدني، وعن حفلة الاستقبال بالضرب، وعن الظروف الصحية والنفسية والتعنيف الجنسي داخل فرع الخطيب.

كما تطرَّق لشهادة شاهدٍ جاء إلى المحكمة بتاريخ 24-25 من شهر حزيران/ يونيو لعام 2020، وهو أيضاً عنصر أمن سابق ومنشقٌ عن الفرع 255 ينحدر من مدينة دير الزور تماماً كما المتهم إياد الغريب، والذي أخبر المحكمة حينها عن لقائه بالغريب مرتين، أثناء قيام إياد بمهمة تسليم الجثث، حيث كانت الجثث في المرة الثانية في الشهر التاسع لعام 2011 قادمة من منطقة دوما.

ورد في التقرير حول شهادة هذا الشاهد في الجلسة الثالثة عشر، قوله: “وأما عن لقائه بإياد الغريب فقد تحدث عن لقائهما مرتين أثناء قيام إياد بمهمة تسليم الجثث، وأنه تحدث معه بعد أن عرَّفه به شخص يدعى “محمد معلا” يعمل معه بالفرع 255، مرافقاً لرئيس الفرع “ثائر العمري” قائلاً أن “الغريب” من مدينته ويقصد “الموحسن”، وبذلك تعرف أحدهما على الآخر.

حيث قال الشاهد بأن رئيس مفرزة دوما، التي كان يعمل فيها إياد يدعى “جميل الدبوس”، وهو أحد أقارب إياد لذلك كان إياد يحظى بالدعم، ويعتقد الشاهد أن عمل إياد لايختلف كثيراً عن عمل رئيس المفرزة، من حيث قمع التظاهرات في دوما وقتل المتظاهرين، وتحدّث أنه في المرة الثانية التي التقى بها إياد لتسليم الجثث، كان قادماً من دوما، بمعنى أن الجثث كانت من هناك، وأنه بالغالب اتّجه باتجاه مقبرة الإيرانيين ولكن لايستطيع تأكيد ذلك”.

اقرأ المزيد: لإرغامه على تغيير إفادته…تهديدات جدية لعائلة أحد شهود قضية إياد الغريب

بناءً على كل ما سبق، أكد المدعي العام أنه يجد المتهم إياد مذنباً باعتقال والمساعدة بتعذيب ما لا يقل عن ثلاثين شخصاً، وبالتالي يستحق عقوبة سجن لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن أحد عشر عاماً، لذلك طالب المدعي العام بعقوبة للمتهم إياد تصل حتى خمس سنوات ونصف سجن، وفقاً للمادة 7 الفقرة 1 الرقم 5 و 9 من القانون الجنائي الدولي، مع تحميله التكاليف القضائية الناجمة عن الفعل المرتكب وفقا للمادة 465، في فقرتها الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية الألماني.

كما طلب أخيراً الإبقاء على الأمر بالحبس الاحتياطي الصادر عن المحكمة الإقليمية العليا كوبلنز، ذلك لأن الشبهة الملحة شأنها شأن سبب الحبس الاحتياطي المتمثل بخطورة الهرب ما زالا قائمين.
القرار الفصل في قضية المتهم إياد سيصدر من القضاة بتاريخ 24.02.2021.