تركيا وبايدن.. مُحاولات عاثرة لإصلاح ما أفسده أردوغان

بايدن و أردوغان

تدرك أنقرة جيداً، أنّ تمرير مشاريعها التوسعيّة، أو الحفاظ على ما تعتبره مكاسباً عسكرياً عبر مليشيات تدعمها في دول عدة، كسوريا وليبيا وأذربيجان، وربما غيرها، مقرون إلى حدّ كبير بالغطاء الأمريكي، أو أقلّه عدم وجود اعتراض حقيقي يتيح لها التمدّد في مناطق الصراع، واستغلال الحروب الأهلية الدائرة في الشرق الأوسط، لتجديد الهيمنة التركية، وأحلام “العثمانية الجديدة”.

انطلاقاً من تلك المعطيات، شكلت هزيمة ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية ضربة قوية لمخططات أنقرة للتوسّع وترسيخ النفوذ، خاصة مع وصول شخص لا يبدو أنّه يحبذ أردوغان كثيراً، وهو الديمقراطي جو بايدن، عقب انتخابات صعبة في الثالث من نوفمبر الماضي.

محاولات تركية لتصفية الأجواء

وعليه، حاولت أنقرة تصفية الأجواء العكرة بينها وبين واشنطن، عبر جملة من التصريحات الدبلوماسية الرومانسيّة، لكنها إلى الآن من طرف واحد، ففي العاشر من يناير، أي قبيل عشرة أيام من تنصيب بايدن، ​​​​​​​أعلن المتحدّث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، أنّ طاقم بايدن على تواصل مع سلطات بلاده، وأنّه “يريد تطوير العلاقات مع أنقرة وفتح صفحة جديدة”، مشيراً إلى أنّ بايدن زار تركيا 4 مرات عندما كان نائباً للرئيس السابق باراك أوباما، وأنّ السلطات التركية “على تواصل إيجابي مع طاقم بايدن الحالي”.

اقرأ أيضاً: هجوم أربيل.. اللعب المُستتر لمليشيات طهران قد يرتدّ عليها

تصريحاتٌ وإن كانت تبدو في وجهها الظاهر طبيعية، لكنها عملياً كانت تحمل رسائل عدة، منها إلى الداخل التركي، لمحاولة تطمينه بأن لا خوف على البلاد من عقوبات جديدة في ظل الإدارة القادمة، وأنّ أنقرة ستستطيع مدارة بايدن وكسبه عقب فوزه، ورسائل أخرى خارجية إلى واشنطن، مفادها أن دعونا ندخل في هدنة لمحاولة تصحيح المسارات المتعثرة فيما بيننا.

بيد أنّ الرسائل التي بعثها النظام التركي من خلال المتحدّث باسم أردوغان، لا تبدو أنّها كانت مشجعة، بقدر ما إنّها كانت كاشفة لحقيقة العلاقة المتوترة بين الجانبين، إذ أكد المتحدّث فيما بين سطور تصريحه، بأن تلك التخمينات صحيحة، وإنّ التوتر والمواجهة حال أنقرة مع واشنطن، وهو ما خمّنه السفير الأمريكي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، في الثاني عشر من يناير، عندما لفت إلى أنّ ادارة بايدن ستكون مُتشددة صوب أردوغان، قائلاً: “من المتوقع أن يكون بايدن متشدداً مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان”.

بايدن

استكبار تركي أجوف

ومع عدم تلقي الجانب التركي أي إشارات إيجابية من بايدن، حاول الأتراك بعث رسائل قوة إلى بايدن، عقب إخفاق الرسائل الدبلوماسية، ففي الرابع عشر من يناير، قال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إنّ تراجع بلاده عن شراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية “إس-400” بغاية الصعوبة، وأكد أنّ تركيا تجري محادثات مع روسيا للحصول على شحنة ثانية من أنظمة “إس-400″، مردفاً: “ندعو الولايات المتحدة إلى النأي عن لغة التهديد مثل العقوبات”.

ليأتي الرد في العشرين من يناير، عندما وجّه أنتوني بلينكن، وزير الخارجية في إدارة بايدن، اتهامه لأنقرة بأنها لا تتصرف كحليف، لافتاً إلى احتمالية فرض المزيد من العقوبات على أنقرة نتيجة شرائها منظومة “إس – 400″، وأضاف: “إنّ فكرة أن يكون شريكنا الاستراتيجي أو ما يسمى بالشريك الاستراتيجي، متوافقاً في الواقع مع أحد كبار منافسينا الاستراتيجيين في روسيا، غير مقبولة”.

اقرأ أيضاً: باريس.. والسعي الجاد لحماية مُسلميها من إسلامييها

وأشار بلينكين: “أعتقد أنّنا بحاجة إلى إلقاء نظرة على تأثير العقوبات الحالية، ومن ثم تحديد ما إذا كان هناك مزيد مما يتعين القيام به”، مردفاً بالقول في السياق عينه، إنّ “تركيا حليف لا يتصرف كما يجب، وهذا تحدّ كبير للغاية بالنسبة لنا ونحن واضحون جداً حياله”.

موقفٌ لم يرقَ للأتراك، مما حملهم إلى إطلاق تفسيرات مبتذلة لرفض الإدارة الأمريكية القبول بأنقرة على ما هي عليه في ظل أردوغان، وكان من أطرف تلك التفسيرات ما أعلنه أورخان مير أوغلو، القيادي بحزب العدالة والتنمية، الحاكم في تركيا، بتاريخ الثالث والعشرين من يناير، عندما قال إنّ الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ينحدر من أصل كردي من عشيرة بيروكي الكردية قبل هجرة عائلته إلى الولايات المتحدة.

أنقرة تقدّم الطاعة لبايدن

لكن لم تمر أيام كثيرة على ادّعاء أكار بصعوبة التنازل عن الصواريخ الروسية، حتى عاد رجل أردوغان عن تصريحاته تلك، نتيجة الموقف الحاسم من إدارة بايدن، إذ نقلت صحيفة حريت التركية عن أكار قوله بتاريخ التاسع من فبراير، أنّ بلاده ستقترح تفعيلاً جزئياً فحسب لصواريخها الروسية إس-400، في المفاوضات مع الولايات المتحدة.

كما قال أكار إنّ تركيا مستعدّة لتقديم تنازلات في نزاع مع الولايات المتحدة، حليفتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بشأن نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس 400- إذا أنهت واشنطن دعمها للقوات الكردية السورية (قوات سوريا الديمقراطية – قسد)، وأضاف: “يمكننا إيجاد حلّ لأنظمة إس 400- في محادثاتنا مع الولايات المتحدة، لكننا نتوقع منهم أن يروا الحقائق حول وحدات حماية الشعب”.

اقرأ أيضاً: بسلبية مُتبادلة.. الحرب الباردة تتجدّد بين الناتو ووريثة وارسو

ومع رفض الجانب الأمريكي لتلك المساومة، وتأكيد واشنطن بأنّ موقفها من القضية لم يتغير، تراجعت أنقرة ع مساومتها (الصواريخ الروسية مقابل الكرد السوريين)، فقال إبراهيم قالين، الناطق باسم الرئاسة التركية، في الحادي عشر من فبراير، إنّ أنقرة لن تتراجع عن امتلاك منظومة الدفاع الروسية “إس-400″، مدّعياً بأنّ تصريحات وزير الدفاع، خلوصي آكار، أسيء فهمها.

اختبار تركي للتعاطي الأمريكي

وعقب ذلك الصد والرد، حاولت أنقرة استغلال هجومها العسكري على مقرّات المقاتلين الكرد على الحدود مع العراق، والتي أسفرت، منتصف فبراير، عن مقتل أسرى أتراك كانوا لدى مقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ سنوات، إذ اتهم الرئيس التركي، الولايات المتحدة، بدعم المقاتلين الأكراد، عقب ادعاءها بأنّهم “أعدموا 13 تركياً في شمال العراق”، مضيفاً أنّ بيان الإدانة الأمريكي “مزحة”، عندما قالت واشنطن إنّها تندد بقتل الأتراك إذا ثبتت صحة التقارير عن مسؤولية حزب العمال الكردستاني عنه، في تشكيك مُبطن بالرواية التركية، التي حاولت إلصاق التهمة بمقاتلي الحزب، رغم أنّ الأخير أكد مقتل الأسرى الأتراك بـ”نيران صديقة”، نتيجة القصف الجوي التركي على مُعسكر كان الأسرى مُحتجزين داخله.

اقرأ أيضاً: في شهره الأول.. بايدن يرسم خطوط العودة لزعامة العالم

وأخيراً وليس آخراً، ولأنّه لا بد لتركيا من تجربة أي شيء، وقول كل شيء، في محاولتها لفصل واشنطن عن دعم قسد في سوريا، والتغاضي عن أردوغان ومشاريعه التوسعية في المنطقة، لم يبقَ إلا أن يزعم أردوغان، في العشرين من فبراير، بوجود صلة بين مقتحمي الكونغرس الأمريكي وقوات سوريا الديمقراطية، مدّعياً أنّ “من قادوا العمل الشائن ضد الكونغرس الأمريكي ظهرت صلاتهم بتنظيم ”ب ي د/ ي ب ك“ الفرع السوري لمنظمة ”بي كا كا الانفصالية“، على حدّ تعبيره.

وإلى الآن، تتواصل المحاولات التركية لاستمالة واشنطن وكسب رضاها، لكن دون أن تفلح، وهو ما يبدو أن أردوغان قد يكون عاجزاً عن تحقيقه للرجل المُتسيّد في البيت الأبيض، وهو الذي قد قال سابقاً، بأنّه ينبغي دعم المعارضة التركية للتغلب على أردوغان في انتخابات الرئاسة، التي من المُزمع أن تُعقد في العام 2023.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة