بسلبية مُتبادلة.. الحرب الباردة تتجدّد بين الناتو ووريثة وارسو

الناتو

“معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المشتركين”، ذاك كان الاسم الرسمي لـحلف وارسو، الذي أسس في العام 1955، ليجمع عسكرياً دول أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية، بغية مُواجهة تهديدات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لتستمر بعملها خلال فترة الحرب الباردة، حتى سقوط الأنظمة الشيوعية الأوروبية وتفكك الاتحاد السوفيتي في العام 1991.

لكن إن كان حلف وارسو قد حلّ، فإنّ الناتو ما يزال صامداً، لا بل قوياً إلى حدّ كبير، بقيادة واشنطن، في حين أضحت روسيا الاتحادية الوريثة العملية لإرث وارسو، تُعاني من آثار الحرب الباردة بين الجانبين، فتشتدّ تارةً وترتخي تارةً أخرى.. ويبدو أنّ الفترة الراهنة ليست من فترات الاسترخاء، إذ تتواصل الإشارات السلبية من الناتو لروسيا، في الوقت الذي تسعى فيه الأخيرة لتوسيع نفوذها ومُزاحمة الناتو على الهيمنة العالمية.

روسيا وأوروبا

المُنافسة لا تقتصر على منطقة مُحددة

ولا تقتصر المُنافسة على الشرق الأوسط، بل تتوسع داخل القارة السمراء، وهو ما يمكن استشفاءه من تصريح الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، منتصف يناير الماضي، عندما قال إنّ الحلف قلق من “زيادة الحضور الروسي” في شمال أفريقيا وغيرها من المناطق، وذلك خلال لقائه مع رئيس موريتانيا، محمد ولد الشيخ الغزواني، في بروكسل، إذ أوضح ستولتنبرغ رداً على سؤال متعلق بـ”الحضور الروسي” في ليبيا، بأنّ الناتو يرى “زيادة الحضور الروسي في بحر البلطيق والبحر الأسود وشمال أفريقيا، وهذا يثير قلقاً بالغاً”.

اقرأ أيضاً: مُستصعبةً مُقاطعة ماضيها.. قطر تتهرّب من استحقاقات بيان العلا

مشيراً إلى أنّ الناتو “يتابع باهتمام تعزيز الحضور الروسي”، وأنّ “هذا هو سبب مضاعفة قدراتنا وتكييف الناتو مع روسيا أكثر عدائية، تعزّز حضورها في شمال أفريقيا وليبيا”، مجدداً الاتهامات الغربية لروسيا بـ”تمويل المرتزقة” في ليبيا.

براً وبحراً وجواً

بيد أنّ المنافسة لا تقتصر على اليابسة فحسب، بل تشمل الأجواء، وهو ما أكده نائب الممثل الرسمي لحلف شمال الأطلسي، بيرس كازاليت، منتصف يناير، بعد قرار روسيا الانسحاب من معاهدة “السماء المفتوحة”، إذ أشار إلى أنّ حلفاء “الناتو” ملتزمون بالحوار مع موسكو حول الحدّ من التسلّح، قائلاً: “ما يزال جميع حلفاء “الناتو” ملتزمين بالحدّ من الأسلحة ونزع السلاح وعدم الانتشار”.

دبلوماسية مُتأخرة أتت عقب انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة، مايو الماضي، عندما اتهم ترامب روسيا بـ”تكرار الانتهاكات، واستخدام المعاهدة أداة للضغط العسكري”، فيما بررت روسيا انسحابها بالقول إنّه قد “اختلّ توازن مصالح الدول المشاركة الذي تم التوصل إليه عند إبرام المعاهدة”، متهمةً الشركاء بالمعاهدة بأنّهم لم يساندوا المقترحات الروسية للحفاظ على قابليتها للتطبيق في الظروف الجديدة، مع العلم بأنّه قد تم التوقيع على معاهدة “السماء المفتوحة” في العام 1992، كواحدة من تدابير بناء الثقة في أوروبا بعد الحرب الباردة، والتي سمحت للدول الأعضاء بجمع المعلومات حول القوات والأنشطة العسكرية لبعضها البعض.

اقرأ أيضاً: أنقرة تفشل في تقمّص دور الضحيّة.. وتستذئب مجدّداً بالمتوسط

ومن الجو إلى البحر، فقد رحبت الناطقة باسم الناتو، أوانا لونغيسكو، في نهاية يناير، بدخول المدمرة الأمريكية “بورتر” إلى البحر الأسود، مُؤكدة أنّ خطوات الحلف تأتي على خلفية “الحشد العسكري الروسي المستمر” في المنطقة، قائلةً: “رداً على الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم الأوكرانية من قبل روسيا والحشد العسكري المستمر في البحر الأسود، زاد الحلف من وجوده الدفاعي في المنطقة، وما يزال ملتزماً بالمطلق بضمان أمن البحر الأسود”، منوّهةً أنّ “البحر الأسود يشكل أهمية استراتيجية لحلف شمال الأطلسي”.

وهو ما شدّد عليه ستولتنبيرغ، في التاسع من فبراير، عندما قال إنّ الناتو مكّن حضوره في البحر الأسود “رداً على أعمال روسيا” في المنطقة، مضيفاً في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الأوكراني، دينيس شميغال، في بروكسل: “نرى تعززاً لقدرات روسيا في البحر الأسود بعد ضم القرم بصورة غير شرعيّة”، مُتابعاً بالقول: “الناتو يُعزّز حضوره في البحر الأسود، فخلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة فقط كانت 3 سفن للقوات البحرية الأمريكية في مياه البحر الأسود، كما جرت هناك مناورات مشتركة مع القوات البحرية الأوكرانية”.

توسّع أعضاء الحلف

ومن عوامل التوتر الهامة، استشعار روسيا بخطر محاصرتها من قبل الناتو، عبر انضمام المزيد من الدول إليه، الأمر الذي يثير شكوكها وريبتها، علماً أنّ تلك الشكوك تدفع الناتو للامتعاض، وهو ما عبر عنه ستولتنبيرغ، في الثامن عشر من يناير، عندما قال بأنّه ليس من حق روسيا التدخل في عملية انضمام دول أخرى إلى الحلف، مضيفاً: “موضوع الانضمام إلى الناتو يخص الدولة المرشحة وحدها، وليس من حق روسيا التدخل في هذه العملية أو اعتراضها”، نافياً أن يكون توسيع الحلف هو الذي تسبب في تدهور العلاقات مع روسيا، إضافة إلى رفضه مقولة أنّ الحلف تصرف بشكل “عدواني” إزاء موسكو بقبول انضمام دول كانت سابقاً أعضاء في حلف وارسو.

اقرأ أيضاً: هجوم أربيل.. اللعب المُستتر لمليشيات طهران قد يرتدّ عليها

وجاء حديثه بخصوص دول البلطيق ورومانيا وبلغاريا وغيرها، مشيراً إلى أنّه من الخطأ الحديث عن “توسّع الناتو شرقاً”، لأنّ الدول المذكورة قررت بنفسها وعبر إجراءات ديمقراطية أنّها تريد الانضمام إلى الناتو، قائلاً: “لا نلزم أحداً بالانضمام إلى الناتو، وإليكم مثال جارتانا السويد وفنلندا اللتان لا تريدان الانضمام إلى الناتو، ونحن نحترم خيارهما”، متابعاً بأنّ دول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، دول قررت أنّها ترغب في الحصول على عضوية الناتو، وحصلت عليها “بعد أن أثبتت إيفاءها بالمعايير المناسبة”، لافتاً إلى أنّ ذلك المبدأ ينطبق أيضاً على جورجيا وأوكرانيا، إذ أعربت هاتان الدولتان سابقاً، عن رغبتهما في الانضمام إلى الحلف، مشدداً أنّه لا يمكن لروسيا أن تعرقل ذلك.

كل الخيارات مُمكنة.. حتى المُواجهة

ورغم أنّها قد تبدو بعيدة، لكنها مُمكنة، والمقصود هنا خيارات المُواجهة العسكرية، إذ لا يتوانى الناتو عن تعزيز خطوط المواجهة مع روسيا بالمزيد من الأسلحة الحديثة التي تنتجها دول الحلف، وهو ما أكده ستولتنبرغ، في منتصف فبراير، عندما أوضح أنّ الحلف مُستعدّ لاستخدام أسطول من طائرات الاستطلاع بدون طيار، لمُراقبة الحدود الجنوبية والشرقية للناتو، قائلاً: “الأسطول مهم لتوفير قدرات المراقبة والاستجابة للتهديدات المحتملة”، مضيفاً: “الطائرات بدون طيار ستكون قادرة على القيام برحلات استطلاعية لمدة 30 ساعة، تغطي خلالها كامل المجال الجوي للحلف وتوفر صورة دقيقة لما يحدث”، مشيراً إلى نيته مُطالبة وزراء دفاع الحلف بزيادة تمويله.

اقرأ أيضاً: باريس.. والسعي الجاد لحماية مُسلميها من إسلامييها

وفي تصريحات اعتبرت الأقوى منذ مدة، أكد ستولتنبرغ، في السادس عشر من فبراير، بأنّ الحلف جاهز لاحتمال المواجهة مع روسيا، بجانب استعداده للتعاون معها، رابطاً ذلك بموقف موسكو، بالقول: “أنا أؤمن بضرورة إرسال إشارة واضحة إلى روسيا: إذا كانت تريد المواجهة والصدام، فنحن على استعداد، وإذا كانت تريد التعاون، فسنكون سعداء”، مبيناً أنّ الناتو حاضر “لحماية أعضائه”، وعليه يبدو أنّ موسكو أضحت مُزعجة للناتو أكثر من أي وقت مضى، كانت محصورة فيه ضمن حدودها.. أما وموسكو تحاول إعادة نفوذها السوفيتي، فإنّ ذلك يفتح باب التساؤلات، أكانت روسيا ستتمكن من إعادة بناء حلف وارسو، أم أنّها ستتفكك أكثر من ذي قبل؟

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة