بانتظار الحكم على “رسلان”.. الحكم على إياد الغريب بالسجن 4 سنوات ونصف

محاكمة إياد الغريب

ليفانت- نور مارتيني

شهور مرّت على بدء فصول محاكمة “كوبلنز” التي شغلت الرأي العام نظراً لخصوصيتها، كونها الأولى من نوعها والتي تطال متهمين بارتكاب جرائم تعذيب في سوريا، من داخل أجهزة النظام السوري الأمنية،  والتي لطالما كانت ضالعة في عمليات إرهابية تجاوزت النطاق الجغرافي لسوريا، وامتدّت لتطال معارضي النظام السوري في كلّ مكان، فضلاً عن تشكيله مع حليفيه الإيراني وحزب الله، عامل خطر حقيقي على الأمن العالمي.

من هنا تبرز خصوصية هذا النوع من المحاكمات، سيما وأن سوريا باتت اليوم ملاذاً آمناً لكلّ مرتزقة ومجرمي العالم، كما حوّل استبداد النظام السوري البلد إلى معتقل كبير يهرب منه الجميع، وجنّد أجهزته لملاحقة من نجا منهم إلى ما بعد حدوده، لدرجة وصلت إلى حدّ إعلان السلطات السويدية عن مخاوفها من تصاعد عمليات التجسس على اللاجئين.

أخيراً أصدرت محكمة كوبلنز الألمانية حكماً بالسجن مدة أربع سنوات ونصف على المتهم “إياد الغريب”، في محاكمةٍ تعدّ هي الأولى التي تتناول قضية متعلّقة بانتهاكات نظام بشار الأسد أوروبياً.

وبحسب مصادر”ليفانت نيوز”، فإنّ الحكم في قضية “أنور رسلان”، الذي يحاكم إلى جانب الغريب، ينتظر أن يصدر في شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، على أقلّ تقدير.

حيث أنّ القضاء الألماني اعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يسمح بمحاكمة مرتكبي أخطر الجرائم، بغض النظر عن جنسيتهم ومكان حدوث الجرائم، لمحاكمة المتهمين.

وكانت النيابة قد طالبت بعقوبة السجن لمدة خمس سنوات ونصف السنة، ضد إياد الغريب الذي كان يشغل منصباً هامشياً في أجهزة الأمن التابعة للنظام السوري، قبل أن ينشق في 2012 ويهرب في نهاية المطاف من سوريا في شباط/فبراير 2013، بحسب ما أفادت به مصادر “ليفانت نيوز”، من قاعة المحكمة.

رحلة إياد الغريب إلى قاعة المحكمة

اتّهم إياد الغريب (44 عاماً)  بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، وهو متهم بالمشاركة في اعتقال وحبس ما لا يقل عن ثلاثين متظاهراً في دوما كبرى مدن الغوطة الشرقية بالقرب من دمشق، في معتقل سري تابع للنظام ويسمى “الفرع 251” أو الخطيب في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2011.

اقرأ المزيد: محاكمة كوبلنز.. مطالبُ بإضافة الاعتداءات الجنسية إلى لائحة الاتهام

ووصل “الغريب” إلى ألمانيا، في 25 نيسان/أبريل 2018، بعد رحلة طويلة في تركيا ثم في اليونان ولم يخف ماضيه يوماً، كما أنّه أثار اهتمام القضاء الألماني، لدى حديثه للسلطات الألمانية عن تفاصيل رحلته، ما أدى إلى اعتقاله في شباط/فبراير 2019.

ويؤكد الادعاء أن المتهم كان جزءاً من نظام يُمارس فيه التعذيب على نطاق واسع، في حين كان الغريب قد التزم بتغطية وجهه وتجنّب كاميرات المصورين خلال الأشهر العشرة السابقة، وهي المدّة التي استغرقتها جلسات الاستماع في المحكمة.

وكان “الغريب” قد كتب رسالة أعرب فيها عن حزنه على الضحايا، كما أنّه بكى وهو يستمع إلى محاميه يطالبون ببراءته بحجة أنه كان سيعرض حياته وحياة أسرته للخطر إذا لم ينفذ أوامر في نظام يسحق كل نية العصيان.

حقوقيون يعلّقون على القرار

نشر المحامي السوري “أنور البني” بياناً صحفياً حول القرار الذي اعتبره بالغ الأهمية رغم خصوصيته، كونه يتعلّق بمتهم واحد.

واعتبر البيان الصحفي أنّ ” المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية يرحّب بشدة بهذا القرار ويعتبره قراراً تاريخياً، ونقطة مضيئة في تاريخ القضاء الألماني وتاريخ العدالة العالمية”.

اقرأ المزيد: شهادة المحامي أنور البني في محاكمة أنور رسلان

كما جاء في البيان ذاته: “نعتبر هذا القرار وإن كان خاصاً بمتهم واحد، لكن حيثيات قرار الاتهام ومطالبة النيابة العامة تطال نظام الجريمة المنظمة والممنهجة الذي يحكم سوريا بالحديد والنار والخوف والإرهاب. ذلك النظام المجرم بجميع أركانه وشخصياته كان حاضراًً كمتهم بكل جلسات المحاكمة، في قرار الاتهام وفي شهادات الشهود والضحايا والخبراء كما كان حاضراً بتهديد الشهود وتهديد عائلاتهم في سوريا”.

أنور البني

وأشار إلى أنّ “تجريم المتهم إياد والحكم عليه، لم يكن بسبب قيامه بجريمة منفردة من تلقاء نفسه، بل بسبب كونه جزءاً من آلة جهنمية منظمة وممنهجة وبأوامر عليا لاعتقال المدنيين السلميين، وإخفائهم قسراً وتعذيبهم وقتلهم تحت التعذيب وإخفاء جثثهم بمقابر جماعية وبطريقة مهينة جداً”، لافتاً إلى أنّ “هذه المنهجية تخضع لسلسلة أوامر وقيادة تصل لرأس هرم الجريمة الممنهجة في سوريا مع كل أركانه، لذا فالحكم على إياد يعني الحكم على وإدانة كل هرم تلك الجريمة وبما فيه رأسه وأركانه”.

وخلص بيان المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية إلى أنّ “العدالة في سوريا ولأجل سوريا لا تتعلق فقط بالسوريين ومستقبل سوريا وحسب، بل أن تأثيرها سيكون عالميا وسيحمي حياة عشرات الملايين في العالم المعروضين من أن يواجهوا مصيراً مشابها لمصير الشعب السوري إذا لم نرسل الرسالة الصحيحة للمجرمين”.

دواعي الحكم من وجهة نظر القضاء الألماني

أكّد القضاء الألماني في جلسات المحاكمة الأخيرة أنّ المتهم إياد الغريب لا يمثل الآن أمام المحكمة نيابة عن النظام السوري، كما يقال ويكتب خطأ، إلا أنه ليس من الممكن النظر إلى وتقييم مسؤولية إياد الغريب الجنائية بمعزل عن الجرائم التي يرتكبها النظام السوري، وليس آخرها حضوره الملموس في المحكمة -أي النظام السوري- من جهة التهديدات التي طالت المدعين بالحق المدني والشهود.

اقرأ المزيد: تفاصيل مرافعة الادعاء العام الأخيرة في قضية المتهم إياد الغريب

حيث قال المدعي العام بأن مهمة الغريب الرئيسية، أثناء عمله في قسم الأديان في فرع الخطيب، كانت الذهاب إلى المساجد لأغراض التجسس على الأئمة وخاصة أيام الجمعة، حيث كانت تنطلق المظاهرات، وكتابة التقارير الأمنية وتسليمها للقسم؛ الأمر الذي بطبيعة الحال لابد وأنه أدّى لاعتقالات طالت متظاهرين سلميين.

محاكمة كوبلنز

 

مبرّرات المدّعي العام وفق تصريح سابق، كان قد قال فيه أن الفرصة قد اتيحت للغريب حينها للانتقال فوراً إلى صفوف المعارضين والانشقاق فوراً، خلال الاعتصام عن المخابرات السورية، إلا أنه لم يفعل، بل شارك باعتقال المتظاهرين السلميين.

كما أنّه في الأعوام 2011 و 2012، وهي السنوات التي كان فيها المتهم أنور رسلان رئيساً لقسم التحقيق، كان المتهم الغريب أيضاً صف ضابط هناك، خلال هذه الفترة كما قال المدعي العام، تم الإبلاغ عن الكثير من عمليات تصفية المعتقلين داخل الفرع 251/ فرع الخطيب، وتمت ممارسة الكثير من عمليات التعذيب الممنهجة بحق المعتقلين؛ الأمر الذي يستدعي أن يتحمل الغريب مسؤولية ارتكاب هذه الفظائع أثناء وجوده.

بموجب ما سبق، وفي الجلسة ما قبل الأخيرة، أكد المدعي العام أنه يجد المتهم إياد مذنباً باعتقال والمساعدة بتعذيب ما لا يقل عن ثلاثين شخصاً، وبالتالي يستحق عقوبة سجن لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن أحد عشر عاماً، لذلك طالب المدعي العام بعقوبة للمتهم إياد تصل حتى خمس سنوات ونصف سجن، وفقاً للمادة 7 الفقرة 1 الرقم 5 و 9 من القانون الجنائي الدولي، مع تحميله التكاليف القضائية الناجمة عن الفعل المرتكب وفقا للمادة 465، في فقرتها الأولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية الألماني.

قضايا أخرى ينظر اليوم فيها أمام القضاء الألماني، بينها محاكمة طبيب ارتكب بممارسة التعذيب على معتقلين في مستشفى تابع للأجهزة الأمنية في حمص، وآخرين في صفوف المعارضة ارتكبوا جرائم حرب، فضلاً عن إقرار قانون قيصر والسعي لاستصدار قيصر2، بانتظار القضاء على منبع الإجرام الذي يستعد لولاية دستورية جديدة.