باريس.. والسعي الجاد لحماية مُسلميها من إسلامييها

فرنسا والإسلاميين

منذ أكتوبر العام الماضي، تعيش فرنسا حالة استثنائية، في ظلّ جهود حكومتها لكبح جماح الإسلام السياسي على أراضيها، ومنعه من استغلال المسلمين لأغراض وغايات تتجاوز الحدود الفرنسية، صوب الشرق، حيث تسعى قوىً إقليمية فيه، وعلى رأسهما أنقرة وطهران، لاستغلال مشاعر المسلمين وتجييرها لما يصب في صالح الطرفين، كلاً حسب الفئة التي يدّعي أنّه حامي حماها من التآمر والأعداء المتربصين، رغم أنّهما في واقع الحال، من أشدّ المُضرّين بالمسلمين بشقيهم، إذ يُجنّد كل منهما مليشيات مُسلحة، تمويلاً وتسليحاً، لتنفيذ سياساتهما التوسعيّة، التي لا يستطيعان خوضها بجيشهما النظامي. باريس

التهديدات حقيقة

ولا يمكن الادّعاء بأّن المخاوف الفرنسية على مسلميها من خطف عقولهم بالخطابات الدينية والطائفية، أمر مبالغ فيه، فقد دفعت باريس ودول أخرى في القارة العجوز، في خضم العام الماضي، ثمناً باهظاً، جرّاء سلسلة عمليات إرهابية، طالت مواقع مدنية، وأزهقت أرواحاً بريئة، ذنبها أنّها تواجدت حيث تواجد التطرّف الأعمى.

اقرأ أيضاً: كُلّ مَن يُعارض أردوغان (إرهابي).. مُثقفاً أكان أم أمياً

وهو ما دفع السلطات الفرنسية لرفع درجة التأهب، عبر إغلاق الجمعيات والمقرّات التي يمكن أن تكون مبعثاً للتطرّف الديني، بجانب إغلاق مواقع جرى تهديدها فعلاً، كما حصل في الحادي عشر من يناير الماضي، عندما أغلقت السلطات الفرنسية مدرسة “بيير جويل بونتي” الثانوية في مدينة ريوم، إثر تلقي مدرسين رسائل تضمنت “إهانات وتهديدات بالقتل”، طالت كذلك المستشارين التربويين عبر مشاهد “إباحية”، تحولت إلى “تهديدات بالعنف والاغتصاب والقتل، فضلاً عن مقاطع لعمليات جهادية”.

فرنسا

 

المسلمون في مُواجهة الإسلاميين

ومع توسّع الرسائل للجالية المسلمة في أوروبا عموماً، وفرنسا خصوصاً، تنبهت الأقطاب الإسلامية إلى خطورة الوضع، وأدركت الدرك الذي تسعى بعض الجهات دهورة المسلمين فيه، فجاء قرار المسلمين بالتصدّي للإسلاميين، الساعين لخلط الأوراق، وبعثرة السكينة التي يبتغيها المهاجرون في بلاد الاغتراب، ما يتعارض مع مساعي من يدير تنظيمات الإسلام السياسي، الذين يريدون أن يكون المسلمون رهن إشارتهم، لتنفيذ عمليات تخريبية هنا وهناك، تُساوم عقبها (وفق ما كانت تخطط) الأوروبيين للقبول بهم كقوى إقليمية لا يمكن تجاوزها، في أي توافقات تخصّ منطقة المتوسط، براً وبحراً. باريس

ففي الثامن عشر من يناير، وافق المجلس الأعلى للديانة الإسلامية في فرنسا، على اتفاق المبادئ الذي دعا إليه الرئيس، إيمانويل ماكرون، في مسعاه لتطويق النزعة “الانفصالية” وتوظيف شؤون الدين والهوية من قبل جماعات محسوبة على تنظيمات الإسلام السياسي وفي مقدمتهم تنظيم الإخوان.

اقرأ أيضاً: إيران وبايدن.. ومُعضلة مَن يتنازل أولاً

وأكد المسلمون في ذلك الميثاق، قبولهم بالمبادئ العلمانية والمساواة، مع الإشارة لحرية الإيمان واحترام حرية العقيدة”، ومُحاربة الخطاب المتطرّف، بجانب تأهيل الأئمة، نظراً لدورهم في الخطاب الديني المُوجه للجالية المسلمة في المساجد، فيما أوضح رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، محمد موساوي، أنّ “الميثاق ينصّ خصوصاً على مبدأ المساواة بين الرجال والنساء وتوافق الشريعة الإسلامية مع قيم الجمهورية الفرنسية، ويشدّد على رفض توظيف الإسلام لغايات سياسية، وعلى ضرورة عدم تدخل دول أجنبية في شؤون الجالية الإسلامية”.

دين وليس حركة سياسية

وجاء الميثاق بذلك، متوافقاً مع ما كان قد كشفه قصر الإليزيه، في الثامن عشر من نوفمبر 2020، عندما دعا الرئيس الفرنسي، لاحتواء الميثاق تشديداً على الاعتراف بقيم الجمهورية، وأن يُحدّد أنّ الإسلام في فرنسا هو “دين” وليس “حركة سياسية”، وأن ينصّ على إنهاء التدخل أو الانتماء لدول أجنبية.

خطوة المجلس الأعلى للديانة الإسلامية، دفعت الرئيس إيمانويل ماكرون للإشادة، قائلاً بعد اجتماع مع ممثلين عنه، إنّ الميثاق يقدم “توضيحاً لكيفية تنظيم المجتمع المسلم”، مضيفاً أنّ “هذا التزام واضح وحاسم ودقيق لصالح الجمهورية”، مثنياً على النص التأسيسي الحقيقي للعلاقات بين الدولة والإسلام في فرنسا. 

اقرأ أيضاً: مُستصعبةً مُقاطعة ماضيها.. قطر تتهرّب من استحقاقات بيان العلا

لكن رغم ذلك، بقيت هناك أصوات تريد التغريد خارج السرب، فقد قالت 3 اتحادات في المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، بأنّه لم يقبل القائمون عليها التوقيع على “ميثاق المبادئ” للإسلام، قائلة في بيان صحفي، إنّها ترفض التوقيع على “ميثاق مبادئ” الإسلام في فرنسا كما هو، بذريعة أن بعض الأحكام قد تؤدي إلى “إضعاف أواصر الثقة” مع المسلمين في البلاد. 

ووفق الاتحادات الثلاثة غير الموقعة، فإنّ “بعض ما ورد في الميثاق ينال من شرف المسلمين ويوجه لهم أصابع الاتهام ويهمشهم”، بينما ذكر مصدر مقرب من الملف ضمن تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية، أنّ نقاط الخلاف الرئيسة التي كشفتها تلك الاتحادات تتعلق بتعريف “التدخل” الأجنبي والتعريف الدقيق للإسلام السياسي بغية تبني الميثاق.

الحزم الفرنسي يؤتي أكله

الأصوات تلك، بدى أنّها لا تريد أن تقطع تواصلها مع الجهات الخارجية العابثة بالجاليات المسلمة، والتي كان لها الدور الأساس والأكبر في تدمير بلاد غالبية سكانها من المسلمين، كـ سوريا وليبيا، بجانب سعيها وفشلها في تدمير أخرى، بيد أنّه لن يكون لها من سبيل إلا الامتثال للقانون أو الانحلال، في ظلّ الحزم الفرنسي لحماية مُجتمعاته. باريس

فقد صادق نواب الجمعية الوطنية الفرنسية، في الحادي عشر من فبراير الجاري، بغالبية الأصوات، على قانون جديد حمل اسم “صامويل باتي”، بهدف “تعزيز احترام المبادئ الجمهورية”، إذ سيُعاقب القانون بالسجن ثلاث سنوات وبغرامة مالية قدرها 45 ألف يورو، كل شخص يعرض حياة شخص آخر للخطر، عبر نشر معلومات مُضللة ومُضرة به، وهو ما دخل في إطار المُصادقة على مشروع قانون احترام “المبادئ الجمهورية” ومُحاربة “النزعة الإسلاموية المتطرفة”.

اقرأ أيضاً: أنقرة تفشل في تقمّص دور الضحيّة.. وتستذئب مجدّداً بالمتوسط

كما صادق مجلس النواب الفرنسي، في السادس عشر من فبراير، على قانون “تعزيز مبادئ الجمهورية”، الذي نصّ على زيادة الجهود لمواجهة النزعات “الانفصالية” و”التطرّف الإسلامي” في البلاد، من خلال تشديد الرقابة على المساجد والمدارس وغيرها من المؤسسات للتخلص من “الإسلاميين المتطرفين”.

ولم يقتصر الأمر على إصدار القوانين، بل جددت فرنسا توجيه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الجهات التي تتحكم بتنظيمات الإسلام السياسي، إذ انتقدت باريس، في الرابع عشر من فبراير، مُحاولات أنقرة لمد نفوذها إلى الأراضي الأوروبية، وشدد وزير الاقتصاد الفرنسي، برونو لو مير، في مقابلة إذاعية، أنّ هذا التصرّف التركي غير مقبول على الإطلاق، متهماً نظام أردوغان بمُحاولة التمدد وتوسيع نفوذه ليس فقط في فرنسا بل ألمانيا كذلك، وغيرها من الدول الأوروبية، مردفاً أنّ تلك السياسة مرفوضة، ولا يمكن القبول بخضوع قيم الجمهورية في فرنسا لتأثيرات أجنبية.

اقرأ أيضاً: هجوم أربيل.. اللعب المُستتر لمليشيات طهران قد يرتدّ عليها

وختاماً، لا بد من الإشارة إلى نجاح فرنسا في حماية مسلميها من إسلامييها، مرهون بالمسلمين أنفسهم، الذين يدرك غالبيتهم، من أوصل بلادهم إلى ما هي عليه من خراب ودمار وحروب آثنة على أسس طائفية وعرقية، ومن ساهم في إيقاد نارها طوال العقد الماضي بالأموال والسلاح، كما باتوا يدركون بأنّ دولهم لن يقوم لها قائمة، ما دامت تلك الفوارق الهدامة مُتغلبة على قيم الحق والإنسانية، ومُسيطرة على قيم التعايش السلمي والإخاء بين الملل والشعوب. باريس

ليفانت-خاص  ليفانت

إعداد وتحرير: أحمد قطمة