أحلام بيدرسون الشقيّة في المعضلة السورية

رفيق قوشحة

لم يتم تأسيس هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كوريثة لعصبة الأمم كي تحكم العالم، هذا بديهي ومعروف للجميع، ولكنها بشكل من الأشكال منوط بها حلّ النزاعات الناشئة في العالم من خلال مجلس الأمن الدولي بما يضمن الأمن والسلم ويترجم عملياً واحداً من أهم مبادئ حقوق الإنسان الني بنيت عليها المنظمة الدولية، فيما يعرف بميثاق حقوق الإنسان العالمي، ألا وهو حق الشعوب قاطبة في العيش بسلام وتقرير مصيرها بنفسها.  السورية

وقد نجحت الأمم المتحدة فعلاً في حل كثير من النزاعات الدولية منذ تأسيسها عام 1945، ولكنها أيضاً فشلت في إنهاء حلّ العديد من الأزمات المزمنة والقضايا العادلة، كالقضية الفلسطينية والقضية الكردية، وبعض الأزمات المستعصية في أفريقيا وآسيا.

من هنا يأتي نواح بيدرسون، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لحل المعضلة السورية، معبراً عن فشله الذريع في التوصل إلى أية بارقة حل سياسي، وهذا الفشل هو بطبيعة الحال عنوان لفشل الأمم المتحدة نفسها العاملة الآن كسكرتيرة سيئة الصيت والسمعة لتنسيق سياسات الخمسة الكبار في مجلس الأمن الدولي، ورغم أنّ هناك إجماع دولي رسمي وشعبي وبين الكواليس على أنّ من يعيق الوصول إلى حل هو النظام السوري وروسيا، على سبيل الخصوص. إنّ بيدرسون لم يشر بوضوح وبشكل مباشر إلى ذلك مما دعا الخمسة الكبار إلى عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن حول سوريا بعد أيام من تقديم بيدرسون لإحاطته، وتم العمل على أن تكون هذه الجلسة سرية بعيدة عن أعين الإعلام والمراقبين.

من الواضح تماماً أنّ قرار سرية الجلسة يشير في الحدّ الأدنى إلى وجود أزمة حقيقية في التواصل والنقاش بين الخمسة الكبار حول نوع وطبيعة الحل في سوريا استناداً إلى قرار مجلس الأمن 2254، وأنّ ما سيدور في هذه الجلسة قد يصل إلى حدّ المواجهات المكشوفة بين روسيا والصين من جهة، وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة ثانية، وإنّ هذا التشنج في النقاش يجب أن لا يصل إلى الإعلام لأنّه سيحشر أطرافاً ما في زوايا لا ترغب أن تكون فيها علناً على الملأ، ولكنه يشير بكل وضوح إلى أنّ كل دور الأمم المتحدة، المجسّد في دور بيدرسون، أصبح لا يعدو أن يكون تعبيراً شديد البلاغة عن العجز الكامل الذي تمر به المنظمة الدولية الأم، والذي يجعلها تبدو أقلّ من سكرتيرة تنفيذية محدودة الصلاحية أمام تعنّت ولامبالاة أطراف مختلفة في مجلس الأمن تجاه القانون الدولي والسلم والأمن العالميين، إلا بقدر ما يخدم ذلك هذا الطرف أو ذاك، ما يجعل صورة الأمم المتحدة مثار سخرية العالم كله.

يبدو أنّ المعضلة السورية قد كشفت المستور أو شبه المفضوح، وجعلته علنياً واضحاً للجميع بوقاحة لا تقبل الشك بأنّ إرادة المتنازعين الرئيسيين في مجلس الأمن، وهما الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية هي التي تتحكم بأداء مجلس الأمن وكل المنظمة الدولية، ورغم أنّ هذا التناقض كانت تظهر آثاره في معالجة مجلس الأمن للقضية الفلسطينية أو ما اتفق على تسميته بالصراع العربي الإسرائيلي، وكانت تجهر بانحياز الولايات المتحدة الكامل للجانب الإسرائيلي باستخدام حق النقض الفيتو دائماً لصالح إسرائيل، عدا أنّ الأمر فيما يتعلّق بالمسألة السورية بات خارجاً عن أيّ شكل من أشكال المواجهة التقليدية بينهما، منذ أن اخترعت روسيا ما سمي بمسار أستانا كنوع من سحب البساط من تحت أرجل المنظمة الدولية وخلق مرجعية موازية تسيطر عليها ورسيا والصين لحل المشكلة السورية والتخلص من الأعباء التي تورّطت فيها روسيا بالموافقة على القرار 2254 ومضمونه الذي يؤكد على ضرورة تشكيل مجلس حكم انتقالي لخطوة أولى باتجاه الحل، وهذا ما أدركت روسيا بعد موافقتها على القرار 2254 أنّه سيقود بالمحصلة إلى رحيل النظام والأسد، وهذا ما أصبحت متأكدة أنّها لا تريده أن يحصل لأنّها تستطيع أن تأخذ ما تريد من الأسد مقابل دعمه عسكرياً.. وهذا ما حصل.

يبدو واضحاً أنّ المشكلة السورية تظهر بشكل جلي الفشل الذريع للعقد الاجتماعي السياسي العالمي المتمثّل في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وذلك بسبب الأخطاء القاتلة والمجحفة التي ارتكبها الرئيس السابق، باراك أوباما، في جعله المسألة السورية بنداً للنقاش من ضمن بنود الاتفاق النووي مع إيران، أي جعل مصير دولة وشعب كامل مرتبطاً بالمفاوضات مع دولة أخرى للوصول إلى اتفاق، وإدارة الظهر تماماً عن سوريا وتركها لروسيا الاتحادية كحصة في صراع النفوذ في الشرق الأوسط، ما أتاح المجال لتحويل سوريا إلى ما يشبه المستعمرة للروس والإيرانيين بطبيعة الحال.

تبدو كل مهمة بيدرسون ومساعيه أكثر شبهاً بالهراء السياسي أمام كل هذا التعقيد في الملف السوري، وتعجز السكرتيرة، محدودة الصلاحية، عن الوصول الى أي بوادر حل سياسي، ما يجعل من استقالة المبعوث الدولي لسوريا أمراً لازماً ومتوقعاً في أية لحظة، في الوقت الذي لا تبدو في الأفق أية إشارات لحل شبه معقول يوقف الكارثة الإنسانيّة التي تعيشها سوريا عند حدودها الآن ودون تقديم تنازلات قيمة بين الخمسة الكبار أنفسهم، لا سيما فيما يتعلّق في تغوّل القوتين الإقليميتين الأسوأ على مرّ العصور في المنطقة، تركيا وإيران، وحصر الحوار في المتنفذين الأقوى.

إنّ المأساة السورية مستمرة طالما هي غير قادرة على تقويض النظام الدولي كله، بسبب تعقيدها، في وقت وصل فيه التوحش في الصراع على النفوذ بين الأقطاب الأكبر في العالم إلى مراحله الأقسى والأبشع، سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً، أيضاً. السورية 

رفيق قوشحة

ليفانت – رفيق قوشحة ليفانت 

لم يتم تأسيس هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كوريثة لعصبة الأمم كي تحكم العالم، هذا بديهي ومعروف للجميع، ولكنها بشكل من الأشكال منوط بها حلّ النزاعات الناشئة في العالم من خلال مجلس الأمن الدولي بما يضمن الأمن والسلم ويترجم عملياً واحداً من أهم مبادئ حقوق الإنسان الني بنيت عليها المنظمة الدولية، فيما يعرف بميثاق حقوق الإنسان العالمي، ألا وهو حق الشعوب قاطبة في العيش بسلام وتقرير مصيرها بنفسها.  السورية

وقد نجحت الأمم المتحدة فعلاً في حل كثير من النزاعات الدولية منذ تأسيسها عام 1945، ولكنها أيضاً فشلت في إنهاء حلّ العديد من الأزمات المزمنة والقضايا العادلة، كالقضية الفلسطينية والقضية الكردية، وبعض الأزمات المستعصية في أفريقيا وآسيا.

من هنا يأتي نواح بيدرسون، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، لحل المعضلة السورية، معبراً عن فشله الذريع في التوصل إلى أية بارقة حل سياسي، وهذا الفشل هو بطبيعة الحال عنوان لفشل الأمم المتحدة نفسها العاملة الآن كسكرتيرة سيئة الصيت والسمعة لتنسيق سياسات الخمسة الكبار في مجلس الأمن الدولي، ورغم أنّ هناك إجماع دولي رسمي وشعبي وبين الكواليس على أنّ من يعيق الوصول إلى حل هو النظام السوري وروسيا، على سبيل الخصوص. إنّ بيدرسون لم يشر بوضوح وبشكل مباشر إلى ذلك مما دعا الخمسة الكبار إلى عقد جلسة خاصة لمجلس الأمن حول سوريا بعد أيام من تقديم بيدرسون لإحاطته، وتم العمل على أن تكون هذه الجلسة سرية بعيدة عن أعين الإعلام والمراقبين.

من الواضح تماماً أنّ قرار سرية الجلسة يشير في الحدّ الأدنى إلى وجود أزمة حقيقية في التواصل والنقاش بين الخمسة الكبار حول نوع وطبيعة الحل في سوريا استناداً إلى قرار مجلس الأمن 2254، وأنّ ما سيدور في هذه الجلسة قد يصل إلى حدّ المواجهات المكشوفة بين روسيا والصين من جهة، وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة ثانية، وإنّ هذا التشنج في النقاش يجب أن لا يصل إلى الإعلام لأنّه سيحشر أطرافاً ما في زوايا لا ترغب أن تكون فيها علناً على الملأ، ولكنه يشير بكل وضوح إلى أنّ كل دور الأمم المتحدة، المجسّد في دور بيدرسون، أصبح لا يعدو أن يكون تعبيراً شديد البلاغة عن العجز الكامل الذي تمر به المنظمة الدولية الأم، والذي يجعلها تبدو أقلّ من سكرتيرة تنفيذية محدودة الصلاحية أمام تعنّت ولامبالاة أطراف مختلفة في مجلس الأمن تجاه القانون الدولي والسلم والأمن العالميين، إلا بقدر ما يخدم ذلك هذا الطرف أو ذاك، ما يجعل صورة الأمم المتحدة مثار سخرية العالم كله.

يبدو أنّ المعضلة السورية قد كشفت المستور أو شبه المفضوح، وجعلته علنياً واضحاً للجميع بوقاحة لا تقبل الشك بأنّ إرادة المتنازعين الرئيسيين في مجلس الأمن، وهما الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية هي التي تتحكم بأداء مجلس الأمن وكل المنظمة الدولية، ورغم أنّ هذا التناقض كانت تظهر آثاره في معالجة مجلس الأمن للقضية الفلسطينية أو ما اتفق على تسميته بالصراع العربي الإسرائيلي، وكانت تجهر بانحياز الولايات المتحدة الكامل للجانب الإسرائيلي باستخدام حق النقض الفيتو دائماً لصالح إسرائيل، عدا أنّ الأمر فيما يتعلّق بالمسألة السورية بات خارجاً عن أيّ شكل من أشكال المواجهة التقليدية بينهما، منذ أن اخترعت روسيا ما سمي بمسار أستانا كنوع من سحب البساط من تحت أرجل المنظمة الدولية وخلق مرجعية موازية تسيطر عليها ورسيا والصين لحل المشكلة السورية والتخلص من الأعباء التي تورّطت فيها روسيا بالموافقة على القرار 2254 ومضمونه الذي يؤكد على ضرورة تشكيل مجلس حكم انتقالي لخطوة أولى باتجاه الحل، وهذا ما أدركت روسيا بعد موافقتها على القرار 2254 أنّه سيقود بالمحصلة إلى رحيل النظام والأسد، وهذا ما أصبحت متأكدة أنّها لا تريده أن يحصل لأنّها تستطيع أن تأخذ ما تريد من الأسد مقابل دعمه عسكرياً.. وهذا ما حصل.

يبدو واضحاً أنّ المشكلة السورية تظهر بشكل جلي الفشل الذريع للعقد الاجتماعي السياسي العالمي المتمثّل في هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وذلك بسبب الأخطاء القاتلة والمجحفة التي ارتكبها الرئيس السابق، باراك أوباما، في جعله المسألة السورية بنداً للنقاش من ضمن بنود الاتفاق النووي مع إيران، أي جعل مصير دولة وشعب كامل مرتبطاً بالمفاوضات مع دولة أخرى للوصول إلى اتفاق، وإدارة الظهر تماماً عن سوريا وتركها لروسيا الاتحادية كحصة في صراع النفوذ في الشرق الأوسط، ما أتاح المجال لتحويل سوريا إلى ما يشبه المستعمرة للروس والإيرانيين بطبيعة الحال.

تبدو كل مهمة بيدرسون ومساعيه أكثر شبهاً بالهراء السياسي أمام كل هذا التعقيد في الملف السوري، وتعجز السكرتيرة، محدودة الصلاحية، عن الوصول الى أي بوادر حل سياسي، ما يجعل من استقالة المبعوث الدولي لسوريا أمراً لازماً ومتوقعاً في أية لحظة، في الوقت الذي لا تبدو في الأفق أية إشارات لحل شبه معقول يوقف الكارثة الإنسانيّة التي تعيشها سوريا عند حدودها الآن ودون تقديم تنازلات قيمة بين الخمسة الكبار أنفسهم، لا سيما فيما يتعلّق في تغوّل القوتين الإقليميتين الأسوأ على مرّ العصور في المنطقة، تركيا وإيران، وحصر الحوار في المتنفذين الأقوى.

إنّ المأساة السورية مستمرة طالما هي غير قادرة على تقويض النظام الدولي كله، بسبب تعقيدها، في وقت وصل فيه التوحش في الصراع على النفوذ بين الأقطاب الأكبر في العالم إلى مراحله الأقسى والأبشع، سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً، أيضاً. السورية 

رفيق قوشحة

ليفانت – رفيق قوشحة ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit