“الوطن الأزرق”.. هل يُسمن بعد سنوات عجاف؟

إبراهيم جلال فضلون

تُعاني ليبيا مُنذ سنوات، انقساماً في الأجسام التشريعية والتنفيذية؛ أهلك على إثرهما الجسد المجتمعي الذي استوطنه وركب على خيراته جماعات مُتطرّفة وإرهابية، ترفض قيام دولة وطنية، في محاولة منها لاستنساخ نماذج دولية، كالنموذج الأفغاني والصومالي، بنكهة ليبية عثمانية قطرية، أفسدتها بحرب ضروس هنا وهناك، كما داعش في العراق وسوريا.

قابلها وحدة القبائل الليبية مع خط سرت الأحمر من مصر ومعها الدول العربية الشقيقة، كالسعودية والإمارات، ضد التنظيم الدولي لجماعة الإخوان الإرهابية، والمرفوضة دولياً، فما تفعله الحكومة الأردوغانية الحمدية، جريمة مُكتملة الأركان؛ إذ تتدخل في شأن دولة ذات سيادة، وعضو في الأمم المتحدة، من أجل الاستحواذ على الثروات الليبية، ناهيك عن الأطراف الغربية الضالعة في الشأن الليبي، والتي استمدت أنفاسها زخماً من فوز الديموقراطيين في الولايات المتحدة، يقابلها تراجع عربي.

لقد صارت ليبيا مسرحاً فيه مساواة الإرهابيين بالسياسيين، وهو التوجه الذي اعتمدته إدارة أوباما، وذاقت مراراته بنسف حلفائها من الميليشيات مقرّ السفارة الأميركية وقتل السفير الأمريكي.. ناهيك عن العمليات الإرهابية الأخرى في ظلّ اختلاف الأهداف الدولية والوطنية، وخلق أحزاب سياسية كرتونية لا شعبية لها في مجتمع تركيبته قبلية، يواجه حرباً ضروساً ضد إرهابيين وجماعات ليست وطنية تقطن كهوف تورا بورا، إضافة للإخوان الذين وجدوا ضالتهم في قبول عودتهم إلى السلطة واستيلائهم على عائدات النفط الليبي، خاصة وسط التفاهمات الروسية-التركية في مواجهة “مجموعة مالطا”.

وبالتوازي، تُعاني ليبيا من تفشّي ظاهرة الفساد، وفق تقارير محلية ودولية، جعلت من العاديين والعناصر المُسلحة أصحاب ثروات غير معلومة، احتلت به ليبيا قائمة أكثر عشر دول فساداً في العالم من أصل 180 دولة، ووفق تقرير مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2020، وعرقل ذلك سبيل الحل السياسي، الذي لن يكون أكثر من “تقنين” لهذا الوجود الإرهابي، وامتداد نيرانه لدول الجوار، وتحديداً مصر والجزائر أكثر من غيرهما.. فهل تنجح حكومة الوحدة الوطنية للخروج بالبلاد من أزمتها السياسية، وتحقيق الاستحقاق الانتخابي في ديسمبر المُقبل؟ حيث ذكرى تأسيس الدولة الليبية، بعد سنوات عجاف من الانقسام كاد يفتت الجغرافيا الليبية لدويلات فئوية ذات نعرات غير قابلة للحياة والاستمرار، وبعد انقضاء عقد على ما يُسمى “الربيع العربي” في ذكراها العاشرة، حيث خرجت علينا جبهات الإرهاب الإعلامية بما خفي من تُهم للحراك الشعبي بأنّه مؤامرة، عبر هذه “الميديا” التي تعمل أيضاً على مصادرة الحريات المُستقبلية، لتتحول هذه في كثير من البلدان والأحيان إلى التعريض بها، باعتبارها مدمرة لعمار مُعمر! خاصة إذا كان تحقيقه يعتمد فقط على الأمم المُتحدة والقوى الغربية التي تألمت سوريا من الاحتلال التركي لأراضيها ليُصبح استيطاناً كاملاً يؤشر على أن تصبح تلك المساحات المُحتلة جزءاً من تركيا مثل، لواء إسكندرون.. كحُلم تركي بالوطن الأزرق، عبر الإبقاء على معاهدة تزوير الجغرافيا والتاريخ التي أبرمتها مع حكومة الوفاق بشأن ترسيم الحدود الوهمية لتركيا مع ليبيا.

لا يبدو الخروج التركي من ليبيا ومصراته مُمكناً، إلا بعون الله، بل وقد تكون العملية السياسية التي تتولاها الأمم المتحدة غطاءً شرعياً لهذا الوجود الإرهابي مع مشاركة الإخوان بطبيعتهم الانتهازية في السلطة، والتي فشلت بيد المصريين ووجود إدارة جو بايدن، قريبة الشبه بإدارة سابقهِ “أوباما”.

فهل حانت بعد كل هذا الخراب طلائع البشرى للنهضة الشاملة، والتعلُمِ من دروس الماضي القريب جداً الذي لم تجف بعد الدماء التي سكبها الإرهاب فيه، قبل أن نُعطيه تسوية شرعية واجهتهُ العلنية والسرية “نفاق دولي”، لتنفيذ متطلبات غربية ليست بالضرورة لصالح الليبيين، وجيرانهم، ويكون السؤال المُلح: ماذا سيكون بنهاية مطاف الانتخابات المقررة، وهل سنجد مفاجآت لم تأتِ بها انتخابات 2014، التي خسرها الإخوان وميليشياتهم؟.

إنّها مهام ثقيلة على الليبيين الأحرار وإخوانهم العرب، للسعي نحو المصالحة والتصالح بين الليبيين، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإصلاح ما أفسدته الحرب، وطرد الميليشيات والمرتزقة، فالليبيون يرغبون في عودة دولتهم المُستباحة من المُحتلين وإرهابيّهم، فما تم إنجازه في ملتقى الحوار الليبي – الليبي السياسي، ولجنة العسكريين، المعروفة باسم لجنة “5+5″، قطع الطريق على مطامع أردوغان في تفجير حرب جديدة بين الجيش الوطني الليبي والقوات التابعة لحكومة الوفاق.

فهل يمكن أن يفوز الجسد الليبي، ليتخطى خطر التقسيم والتفكك، ويشرعُ في صُنع مُستقبله بوطنه الأزرق؟ إذ إنَّ أمامها أقل من تسعة أشهر، وإلا فإنَّ آلهه الحرب ستقرع طبولها من جديد.

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – إبراهيم جلال فضلون