المرافعة الأخيرة لفريق الدفاع عن المتهم إياد الغريب

النظام السوري

“لدي حلم!” بهذه العبارة المشهورة لمارتن لوثر كينغ بدأ فريق الدفاع عن المتهم إياد الغريب، في الجلسة الواحدة والستين، مرافعته الأخيرة المتعلقة بموكله بتاريخ 18/02/2021، غاب عن الجلسة فريق الادعاء بالحق المدني ما عدا المحامية أوميشن، وغاب أيضاً، منذ منتصف جلسة مرافعة الادعاء العام واليوم، المتهم أنور رسلان وفريق الدفاع عنه، لعدم تعلق الجلستين الأخيرتين بقضيته، كما أنّهم لن يكونوا حاضرين في جلسة النطق بالحكم الخاصة بالمتهم إياد.

بعد أن بدأ الدفاع بهذه العبارة، قال إنّ مارتن لوثر كينغ استخدم صيغة المضارع في جملته حين قال: أنا لدي حلم، إلا أنّه شخصياً لن يقولها بهذه الطريقة، بل سيقول: كان لدي حلم! والسبب في ذلك كل المجازر التي حدثت في تاريخ البشرية، وذكر أمثلة كثيرة لها، كحرب الثلاثين عاماً في أوروبا بين عامي 1618 و1648، الهولوكوست أثناء الحقبة النازية، الحرب اليوغوسلوفية بين عامي 1991 و2001، بما فيها من إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وصولاً لمجازر رواندا عام 1994 مع أكثر من 800 ألف ضحية، وأخيراً ما يحدث في سوريا منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا. قارن الدفاع وسائل التعذيب في بعض المجازر التاريخية بتلك المستخدمة في سوريا وختم مقدمته بقوله: “لو تعلمت البشرية من كل ما حدث سابقاً لما كان يحدث في سوريا ما يحدث اليوم من جهة داعش ومن جهة النظام السوري أيضاً، ولكن للأسف لم تتعلم البشرية أي شيء من كل هذا!”.

سوريا

اقرأ أيضاً: أطفالٌ يُعذَّبون وبالغون يفقدون الرشد في فرع الخطيب

عقب هذه المقدمة، شكر فريق الدفاع هيئة القضاة على كل ما بذلوه من جهد في هذه القضية، لينتقل مباشرة بعدها للتحدث عن مرافعة الادعاء العام الأخيرة، قائلاً إنّنا نعرف نظراً لتوفر ما يكفي من القرارات الموازية ماهية العقوبة المفروضة على قيادة مركبة تحت تأثير الكحول، ونعرف للسبب ذاته مقدار العقوبة التي تفرض على حيازة كيلو غرام هيرويين أو ماريجوانا ويمكننا أن نقدر العقوبة التي يتعين إنزالها على التحريض. ولكن الأمر مع هذه القضية متعلق باتخاذ أول قرار في العالم بشأن حالة تعذيب ارتكبها خادم دولة قادم من سوريا، دون أن تكون هناك أية سوابق قضائية مشابهة على الإطلاق، وإلا لكانت سلطة الادعاء قد استشهدت بها ولا شك. إلا أنّ هذه القضية هي القضية الأولى من نوعها بالنسبة للنيابة الاتحادية أيضاً، ولذا فإنّ الإدعاء ما زال “يتخبط في ضباب تقدير العقوبة”. ثم أورد المدافع المنتدب بعدها مثالاً على ما يسمى بـ”تأثير الإرساء”، الذي قامت النيابة الاتحادية بناء عليه ومن خلال تقدمها بطلب إنزال عقوبة ماسة بالحرية تعادل خمس سنوات ونصف بغرس وتد نفسي لهيئة المحكمة. الأمر الذي يجب على المحكمة أن تكون مدركة له عند تقدير العقوبة.

انتقل بعدها الدفاع للحديث عن قضية موكله، حيث قال إنّ سلطة الإدعاء تنطلق في طلبها من نطاق خاطئ لتقدير العقوبة، إذ إنّ المتهم ماثل أمام المحكمة بسبب المساعدة على اقتراف جرائم وفقاً للقانون الجنائي الدولي، وهي هنا تحديداً التعذيب (المادة 7 الفقرة 1 الرقم 5) والحرمان من الحرية (المادة 7 الفقرة 1 الرقم 9). يعادل الحد الأدنى لعقوبة التعذيب 5 سنوات، فيما يعادل الحد الأقصى 15 سنة، أما نطاق عقوبة الحرمان من الحرية فيتراوح ما بين 3 سنوات و15 سنة كحد أقصى. ولما كان الأمر يتعلق هنا بالإخلال بأكثر من قانون جنائي، فإنّ العقوبة تحدّد بموجب القانون الذي ينصّ على العقوبة الأشد، أي في هذه الحالة وفقاً للمادة 7 الفقرة 1 الرقم 5 من القانون الجنائي الدولي ـ 5 حتى 15 سنة بالنسبة للفاعل الأصلي. ولكن المتهم هنا مساعد فقط، ما يمثّل بدوره موجباً لتخفيف العقوبة بموجب المادة 27 من قانون العقوبات، أي أنّ نطاق العقوبة يتراوح هنا ما بين سنتين حتى 11 سنة وثلاثة أشهر كحد أقصى. أضف إلى ذلك ظرف تخفيف العقوبة المتمثل باعتراف المتهم، والاعتراف ثلث الحكم وظرف مساعدته على إيضاح الجرائم وأقواله المفصلة فيما يتعلق بالمتهم رسلان التي قدمها بشكل طوعي، أولاً، للمكتب الاتحادي للهجرة واللجوء، وثانياً، للشرطة الاتحادية عندما تم استدعاؤه كشاهد، ولكن في محضر استجوابه كشاهد، وبعد الصفحة 13 أصبح الغريب متهماً وكان يجب تصليح ذلك الأمر، وهذا ما لم يحدث.

اقرأ أيضاً: أول حكم بقضيّة أول متّهم يحاكم بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية

وذكر بعدها محامي الدفاع الخيارات الثلاث التي كان يملكها الغريب، والتي سبق له الإشارة لها في بيانٍ قدمه للمحكمة شخصياً بعد جلسة البروفسور رويتشلد، المتضمنة عرض وتحليل صور من ملفات قيصر، وقال بأنّ موكله كان يستطيع البقاء وعصيان الأوامر وبالتالي سيُقتل فوراً، وهو خياره الأول، أو أن ينشق ويسافر فوراً، وبالتالي ستكون عائلته كلها في خطر، أو الخيار الثالث وهو ما فعله الغريب، البقاء قليلاً من الوقت ريثما يؤمِّن عائلته ومن ثم يخرجون جميعاً من سوريا. أكد المحامي أنّ موكله لم يبقَ مع المخابرات السورية لاعتقال المتظاهرين وتعذيبهم، وإنما بقي عدة أشهر فقط ليحمي عائلته، وبناءً عليه يرى أنّه لا يحق للمدعي العام القول بأنّ قرار الغريب كان قراراً واعياً بالانضمام لصفوف الحكومة السورية، بل كان قراراً مُتخذاً في حالة طوارئ نفسية، إذ إنّ النظام كان يعاقب بالموت، حتى قبل الثورة، كل من يتجرّأ على عصيان الأوامر، وبهذه الطريقة فقط استطاع النظام ضمان ولاء عناصره التام. في حادثة دوما المذكورة استطاع موكله كما يقول الرجوع للصفوف الخلفية لأنّه لم يرد إطلاق النار، وقال لو أنّ حافظ مخلوف رأى ذلك لكان أرداه قتيلاً على الفور. وأيضاً فيما يتعلق بانتقال الغريب لفرع الأربعين، قال محاميه إنّ الغريب لم يطلب نقله إلى هناك كما قال المدعي العام، بل تم نقله تعسفياً. وفي أمثلة لما يتعرض له كل من يُشَكُ بولائه، ذكر محامي الدفاع شاهدَين سبق وقدما إلى المحكمة وكلاهما منشقٌ عن الأفرع الأمنية وكلاهما اعتُقِل في سوريا وعُذِّبَ عندما تم التشكيك بولائهما.

والغريب بحسب أقوال محاميه قدم خلال استجوابه مع الشرطة الجنائية الكثير من التفاصيل حول كيفية الاعتقال وأساليب التعذيب المستخدمة في فرع الخطيب، بل ساهم بإضافة معلومات مهمة عن دور المتهم رسلان والتي ساعدت الادعاء العام على رفع دعوى ضد الأخير. وقد قضى الغريب عاماً وسبعة أشهر في السجن، حتى الآن، على ذمة التحقيق، ويرى محاميه أنّ الحكم المطالب به هو أكثر بكثير من المدة التي يجب على موكله أن يقضيها في السجن، وأضاف أنّه لو كان هو من يلقي خطاباً للمطالبة بحكم ضد موكله لكان طالب بمدة لا تتجاوز السنتين، وهي ذات المدة التي قضاها المتهم حتى الآن في السجن على ذمة التحقيق، بيد أنّه لن يطالب بهذا بل سيطالب، نظراً لكل ما تقدم، بإخلاء سبيل موكله المتهم إياد الغريب ورفع الأمر بالحبس الاحتياطي.

اقرأ أيضاً: تفاصيل مرافعة الادعاء العام الأخيرة في قضية المتهم إياد الغريب

واستمرت هيئة الدفاع بإلقاء مرافعتها بعد استراحة قصيرة، ذكر بعدها محامي الدفاع الثاني عن المتهم إياد الغريب التأثير الذي سيتركه الحكم على إياد لدى كل من يفكر أن ينشق عن النظام السوري، وأكد على أهمية الرسالة التي سترسلها هيئة القضاة في هذه المحكمة عند إصدار هذا الحكم، خاصة أنّ “الحرب الأهلية”، كما وصفها، ما تزال مستمرة حتى الآن في سوريا، وما يزال النظام السوري في الحكم، وطالب أيضاً بإخلاء سبيل موكله.

وبعد أن انتهى فريق الدفاع من مرافعته الأخيرة، والتي أبدى المتهم إياد تأثراً واضحاً أثناء استماعه لها، تحدثت القاضية كيربر مباشرة مع المتهم قائلةً إنّ له الحق كمتهم أن يقول ما يريد الآن إن شاء التعليق، أجاب المتهم إياد بصوته: “لا، لا أريد أنا أكتفي بكلام المحاميين”، وانتهت الجلسة بعد رد المتهم إياد تمام الساعة الحادية عشر صباحاً، مع انتظارٍ وترقبٍ من الجميع للحكم الذي ستصدره هيئة القضاة بحق المتهم بعد هاتين المرافعتين.

ليفانت-خاص

إعداد: لونا وطفة