اللعب على المكشوف.. مدير روسي لمرفأ طرطوس السوري

ميناء طرطوس

ليفانت- نور مارتيني

مع اقتراب أوان ما اعتبر أنّه انتخابات رئاسية في سوريا، والتحليلات التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي، والصحف والمجلّات حول شرعية هذه الانتخابات ومن يمكن أن يكون على قائمة الترشيحات، ينسى البعض أنّ روسيا حسمت الجدل منذ شهور، بتعيين “ألكسندر يفيموف” بصفة مبعوث خاص لبوتين في سوريا، أي أنّه المكلّف بالتواصل مع بوتين فيما يخصّ الشأن السوري، بصلاحيات أشبه ما تكون بصلاحيات المفوض السامي.

بعد استحداث المنصب بشكل مفاجئ، جرى الكشف عن وثيقة أظهرت تنازل النظام السوري عن مساحات إضافية برية وبحرية في محيط قاعدة حميميم لتوسعتها، بعد فترة بسيطة من توقيع اتفاقية لتأجير مرفأ طرطوس مدة 50 عاماً، ليكون ذلك بمثابة وثيقة إذعان قدّمها رئيس النظام السوري لإنقاذ كرسيه.

الوثيقة التي كشف عنها في أواخر شهر يوليو/ تموز من العام الماضي، جاءت بعد نحو شهرين من ترقية السفير الروسي “يفيموف” إلى منصب “المبعوث الخاص للرئيس الروسي في سوريا، والذي جاء بعد حملة إعلامية شعواء في وسائل الإعلام الروسية لأداء نظام الأسد، واتّهامه بالفساد، إلى جانب التلميح باستحالة فوز بشار الأسد في أي انتخابات رئاسية مقبلة، بسبب هذا الفساد.

اقرأ المزيد: طعنة جديدة من الحلفاء.. مبعوث بوتين يعلن عجز روسيا عن دعم”الأسد” اقتصادياً

لاحقاً وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول، احتفلت روسيا بمرور خمس سنوات على “تدخّلها في سوريا بطلب من دمشق”، وفق تصريح وزير الدفاع الروسي “سيرغي شويغو”، والذي اعتبر أنّ “انخراط روسيا في الحرب الدائرة في سوريا، والذي تمثل أساسا في الإسناد الجوي لعمليات الجيش السوري، أسهم إضافة إلى المساعدة الاستشارية ونشر وحدات من الشرطة العسكرية، في قلب موازين القوى على أرض المعركة ونقل الجيش السوري من جبهة الدفاع إلى الهجوم، حيث تمكن من تحرير معظم أراضي البلاد”.

في ظلّ هذه التصريحات والمواقف الروسية، يظهر بشكلٍ جلّي أن روسيا جاءت إلى سوريا كسلطة وصاية أو انتداب، وبهذا فمن غير المستغرب أن تقوم شيئاً فشيئاً باستبدال الكوادر السورية بأخرى روسية، وهو ما قامت به فعلاً من خلال تعيين مدير روسي لمرفأ طرطوس.

لماذا مرفأ طرطوس؟

يحظى مرفأ طرطوس بأهمية خاصة لدى الروس منذ عقود، كونه القاعدة البحرية الوحيدة في المياه الدافئة، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث كان ميناء طرطوس يستخدم من قبل الاتحاد السوفييتي، وظلّ مستخدماً من قبل السوفييت حتى انهيار تفكّك الاتحاد في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

اقرأ المزيد: موسكو تدمر آليات.. وأنقرة ترد بقصف عقب مقتل جنديين في إدلب

اتفاقية تأجير المرفأ التي وقّعت عام 2019، كانت تمديداً للمرفأ الذي كان قد تمّ تأجيره سابقاً لمدة خمسين عاماً، فجاءت الاتفاقية الجديدة امتداداً للقديمة، ونصّت على تأجيره مدة 49 عاماً أخرى، فيما يظهر تاريخ إنشاء الميناء عام 1969، وقبل عامين فقط من توقيع اتفاقية لـ”بناء قاعدة عسكرية بحرية سوفييتية، في مدينة طرطوس لدعم الأسطول السوفييتي في البحر الأبيض المتوسط، ما يشي بأنّ الميناء أنشئ ليتمّ تأجيره.

ميناء طرطوس

وحول الرسائل التي ترمي روسيا إيصالها، من خلال تعيين “غايسين أيرات رايفاتوفيتش” مديراً لميناء طرطوس، يقول الكاتب الصحفي، المختص بشؤون روسيا والجمهوربات السوفياتية سابقاً “طه عبد الواحد” “لا أعتقد أن الخطوات الروسية الأخيرة تحمل أية رسائل جديدة. في الوقت ذاته يمكن النظر إلى تعيين مدير روسي لميناء طرطوس وتوسعة قاعدة حميميم الجوية، على أنها خطوات في سياق تثبيت روسيا وجودها العسكري على المدى الطويل في سوريا، وتوفير بنى تحتية لضمان مصالحها الاقتصادية، لاسيما سيطرتها على حركة البضائع عبر المتوسط لشركاتها على الأقل في المرحلة الراهنة، وأن تكون مهيمنة على حركة البضائع مستقبلاً بشكل عام”.

آخرهم روسي.. أربعة مدراء للميناء خلال عام!

أفادت المصادر الروسية أن الشركة العامة لمرفأ طرطوس (حكومية سورية)، تتولى مهمة الإشراف العام على عمل المرفأ، وتضم المدير العام، إضافة إلى نحو 110 أشخاص موزعين للإشراف العام على تنفيذ العقد، إلا أن الصلاحيات الأكبر بيد الجانب الروسي”، ولفتت إلى أن “رايفاتوفيتش” يكون بذلك رابع مدير خلال عام.
ويأتي تعيين مدير روسي بعد سلسلة من الاحتجاجات العمالية ضد شركة مرفأ، ودعت تلك الشكاوى يفيموف إلى التصريح بأنّ “الهجمات على بلدنا والشركات الاقتصادية الروسية العاملة في سوريا تستند إلى تكهنات ومعلومات خاطئة أو مأخوذة من سياقها، كما يحدث على وجه الخصوص مع شركة ستروي ترانس غاز (إس تي جي) التي تنفذ مشروعاً معروفاً في ميناء طرطوس”.

مدير روسي

فيما يقول الصحفي المختص بالشأن الروسي “عبد الواحد” لـليفانت نيوز: “جاء تعيين مدير روسي لمرفأ طرطوس، بموجب اتفاقية مع النظام السوري منحت روسيا المرفأ (استئجار) لمدة 49 عاماً، وأعلن عنه يوري بوريسوف نائب رئيس الوزراء الروسي في أعقاب محادثاته مع رأس النظام في دمشق ربيع 2019″، بالمقارنة مع قاعدة حميميم والتي رأى أن توسعتها “جاءت بموجب الحقوق المطلقة التي منحها النظام للروس، في تلك القاعدة بموجب الاتفاقية ذات الصلة”.

دلالات سياسية.. ورسائل روسية لبايدن

لطالما اعتبرت روسيا أنّها تعمل على إيجاد صيغ توافقية، فهي متواجدة إلى جانب القوات الإيرانية بصفة مراقب، ومتمركزة في الجنوب السوري لضبط الحدود مع إسرائيل، وهي المشرف على المعابر الإغاثية لضمان عدم تهريب الأسلحة والمخدّرات، كما أنها متواجدة في طرطوس لمنع أي نشاط ملاحي مشبوه!

اقرأ المزيد: سوريا.. روسيا تزيد من قدرة “حميميم” الاستيعابية

غير أنّ الواقع يظهر أن ثمة خلافات محتدمة مع الإدارة الأمريكية، تبدو جلية الملامح في الشمال السوري، والتجاذب الخفي على الأحقية بتحييد داعش، ولهذا فلا يمكن النظر إلى قرار تعيين مدير روسي لمرفأ طرطوس بحسن نية، دون أن يتبادر إلى الذهن التنافس الروسي الأمريكي في المنطقة، سيما في ظلّ التكهّنات حول التعاطي الجديد للإدارة الأمريكية في ظلّ حكم بايدن مع الملف الإيراني، والذي يرخي بظلاله على الأوضاع في سوريا.

حميميم

وتعقيباً على هذه الفكرة، يرى الصحفي المختص بشؤون روسيا والجمهوريات السوفياتية سابقاً “طه عبد الواحد”، أنّ الإعلان عن هذه الخطوات في سوريا بالتزامن مع نشاط الدبلوماسية الروسية في ملف التسوية، عبر جنيف وأستانة، خطوات تتخذها موسكو لتأكيد هيمنتها المطلقة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً على الملف السوري وفي سوريا، بانتظار صياغة إدارة جو بايدن الخطوط الرئيسية لسياسته حول الملف السوري”.

وخلص “عبد الواحد” إلى أنّه “باختصار، هذه الخطوات إعلان روسيا عن الهيمنة في سوريا وتطورات الوضع السياسي والاقتصادي فيها، وهو ما يمكن النظر إليه “إعلان مسبق عن دور رئيسي لموسكو” يجب على إدارة بايدن أخذه بالحسبان في صياغة سياستها نحو سوريا”.

تأتي الوساطة الروسية للإفراج عن أسير سوري معتقل لدى إسرائيل، غداة تعيين مدير روسي لمرفأ طرطوس، لتظهر أنّ روسيا اليوم هي المفاوض الحقيقي بدلاً من النظام السوري، فثمّة وكلاء كثر يمكنهم الحديث بدلاً من هذا النظام ، الذي باتت مهمته التوقيع على اتفاقيات الإذعان فقط!