الراعي الكذاب

عبير نصر
عبير نصر

على الرغم من اضطهاد العلويين تاريخياً، فإنّهم، وعندما سنحتِ الفرصةُ لذلك، لم يقاتلوا (كما يجب) من أجل الانصهار في المجتمع السوري الحديث، كشركاء في الوطن والقضية، وبعد عام 1963 أوصى زعماءُ العلويين الدينيين أتباعهم بالاندماج في الدولة الجديدة، التي تقطنها أغلبيةٌ ساحقة من (السنّة)، وعلى مدى العقود التالية، انتقل العلويون مبتعدين عن الجبال من أجل البحث عن فرصِ التعليم والعمل في المدن، أملاً في حياةٍ جديدة، آمنة ومستقرّة، يبدو أنّها لن تتحقّق على الإطلاق، الراعي الكذاب

بعد انقلاب حزب البعث، زُجّ العلويون في معارك وجودية مع المناوئين للنظام الحاكم، بداية بأحداثِ الثمانينات، ومروراً بتظاهراتِ الأكراد المضطهدين، وليس نهاية بانتفاضةِ 2011، حيث تمثّلت (رؤيته) بتوريط العلويين من خلالِ اغتصابِ معظم المناصب في الدولة، والاستحواذ على الحصة الأكبر من المكاسب، بشكل واضح وفجّ، وذلك لإثارة النقمة بين باقي مكونات الشعب عليهم، لتجعلَ هذه الرؤية الشيطانية مصيرَ الطائفة معلّقاً، وبشكلٍ كامل، بشخص الرئيس. وفي العام 2000، عند وفاة (حافظ الأسد)، عاد الكثيرُ من العلويين إلى قراهم بانتظارِ حصيلةِ عملية الخلافة، ولم تعد هذه العائلات إلاّ بعد أن تمَّ تثبيت (الابن) كرئيسٍ جديد.

وطبعاً تركيبةُ الحكم في سوريا ليست بهذه البساطة، وهي القائمة على مبدأ (الكنتونات الإقطاعية)، حيث يتمُّ إطلاقُ يدَ (المُوالي المُطيع) في حصته من (المزرعة)، لجني المنافع وتقاسمها مع النظام (صاحب الملك)، بشرط الولاء المطلق غير المشروط، وشمسُ سوريا الاقتصادية كانت عائلة (مخلوف)، فيما قبضتْ عائلةُ (الأسد) على كلّ مفاصل القوى العسكرية والأمنية والسلطات الرئيسة الثلاث، ولم تفعل هذا حبّاً بالطائفة، بالتأكيد، ومن الخطأ الفادح أن نجزم بأنّ كلَّ علوي استفاد من هذه الامتيازات، فقد بقي أكثرُ العلويين يعيشون في حالةٍ من الفقر والعوز، وصاحبُ الحظّ منهم يحصل على مكاسب بسيطة تتمثل في وظيفة، لا تكاد تسدُّ رمقه، لكنّ رأسَ الهرم، المتمثل في شراكة (السلطة والمال – الأمن والعسكر)، كلها كانت، وعلى مدى خمسين عاماً، ضمن نفوذ أشخاص (معدودين) ينتمون للطائفة العلوية، أما الضباط ومُحدثو النعمة فكان ولاؤهم لا يتزعزع، وحين اندلعت الانتفاضة السورية، دفعتِ العديدَ من أولئك المتنفّذين، عسكرياً واقتصادياً، إلى اعتبار الحراك تهديداً شخصياً لأصولهم المادية، ونمط حياتهم، ما جعل سلوكهم متماسكاً إلى حدٍّ بعيد، بغرض حمايةِ نظام النفعيات، لا الالتزام بولاءٍ أيديولوجي صارم.

ورغم هذا التعصّب الأعمى للنظام، فإن ثمّة دلائل، مؤخراً، تشير إلى أنّ كثيراً من العلويين يشرعون في الابتعاد عن النظام، وصمتهم (دون شكّ) نتيجة خوفهم من احتمال أن يسعى المجتمعُ (السنّي) إلى الانتقام لفظائع الأسد في الماضي والحاضر، ليس ضدّه فقط، وإنما ضد كافة العلويين كمجموعةٍ طائفية ينتمي إليها، ويتجذّر هذا الخوفُ في الإحساس بالضعفِ والهشاشة في تاريخ الطائفة نفسه، التي تحوّلت إلى قطيعٍ مُطيعٍ لا يفكّر لأبعد من مرعاه، فضّلتِ اللحاقَ بالراعي بدلاً من الذوبان في المجتمع السوري، وفي الحقيقة ما عزّز ولاء العلويين للنظام، أنّه وفي نهاية سبعينيات القرن الماضي، أطلقتْ جماعةُ الإخوان المسلمين انتفاضتها ضد ما وصفته بأنّه نظامٌ علوي (زنديق)، وحينها، قام العلويون، الذين تحتفظ ذاكرتهم بحكاياتٍ كثيرة، ومخيفةٍ من رفضِ واضطهادِ الطائفة (السنيّة)، بالالتفافِ حول النظام، وقد أعدّ كلّ من الطرفين نفسه للمعركة، وعلى مدى سنوات الصراع، اعتمد (الأسدُ) على طائفته في صد تمرّد الجماعة المعارضة، بينما اتهم العلويون الأخيرةَ بالمسؤولية الكاملة عن المجازر المروّعة، مقتنعين (مسبقاً) بأنّ الآخرَ سيرفضُ دائماً ما يبذلونه من جهودٍ للاندماج في المجتمع السوري المدنيّ، والمتنوّع.

ومن المؤكد أنّ سياسات النظام الطائفية طالتِ الجميع، خاصة العلويين، الذين رسموا خيالاتٍ لوضعهم الآمن في ظلّ حُكمه، وعزّز هذا الشعور الآلةُ الإعلامية التي ربطت بين بقائهم على قيد الحياة، وبين بقاء حكم الأسد في السلطة، ونتيجة الانخراط في الحرب السورية، لجأ النظامُ إلى تجنيدِ آلاف العلويين ممن ينتمون للطبقات الفقيرة، ليكونوا كبشَ المحرقةِ المجانيّ، وعلى الرّغم من احتماء الطائفة العلوية داخل المناطق التي تتمركز فيها، وبقائهم دوماً تحت الحمايةِ العسكرية للنظام، وضمن أسوارِ العزلة التي شيّدها عبر سياساته القمعية مع بقية الطوائف، إلا أنّ آثارَ الحرب طالتهم في أكثر الجوانب حساسية، في لقمة العيش المرّة، وفي تهميشِ تضحياتهم الغالية، ما أجبرهم على توجيهِ الانتقادات، والهمس واللغز في جلساتهم الخاصة، والخروجِ عن الخطّ العام للولاء المطلق، وذلك على خلافِ التسليم الكامل قبل 2011.

لذا ليس مستغرباً أن يعلو الصوتُ العلوي، لاحقاً، كي يميّزَ بين الطائفة والسلطة، وهذا ما ظهر جلياً على مواقع التواصل الاجتماعي، من قبل نشطاء علويين يريدون العيشَ بسلامٍ مع بقية السوريين، كمحاولةٍ لردم الهوّة مع الآخر، وألا يكونوا عرضةً للانتقام على خلفيةِ أفعال النظام الدمويّ، ومنذ سنوات عرضتْ تنسيقيّةُ (صرخة)، عشرات الصور لمنشوراتٍ ورقيةٍ، تمَّ توزيعها في شوارع مدينة طرطوس، ذات الغالبية العلوية، وحملت تلك المنشورات -التي رفع بعضَها أشخاصٌ لم يُظهروا وجوههم في الصور المعروضة- عبارات مثل (الكرسي لك والتوابيت لأولادنا!)، (حتّى البحر تعب وبدّو يعيش بسلام)… إلخ، كما أصدر ثلاثةٌ من أبرز شيوخ العلويين: (مهيب نيصافي، وياسين حسين، ومنصور موسى)، بياناً مشتركاً أعلنوا فيه (البراءة من هذه الأعمال الوحشية التي يرتكبها بشار الأسد ومساعدوه الذين ينتمون إلى كافة الطوائف الدينية)، وفي واقع الأمر، يعرض سقوطُ الأسد عدّة سيناريوهات محتملة للعلويين، إذ يمكن أن يطلقَ سقوطُه عمليةَ مصالحةٍ شاملة، وهذا احتمال بعيد نسبياً، ما لم تضمنه أطرافٌ دولية فاعلة، أو أنّه قد يؤدي إلى فتحِ صراعٍ مع (السنّة)، وهنا فإنّ العلويين سيواجهون معضلةً حقيقية، وسيترتّب عليهم درء الانتقادات التي لا ترحم، والتي ستُوجه إليهم بسبب دعمهم لهذا النظام طويلاً.

وبانتظار الاستحقاقِ الانتخابي الرئاسي القادم، ونسبةِ التصويت التي ستكشف مدى رغبة الطائفة العلوية في تثبيت الأسد على عرشِ الحكم، بعد صحوةِ الفقر التي جعلت الكثيرين منهم ينفضّون عنه، في وقتٍ ما تزال فيه حظوظه هي الأقوى، على الإطلاق، وسط الخيارات المتاحة، وفي مواجهةِ بعض الأصوات التي بدأتْ تتعالى بعد عام 2011، كحركة (الشغل المدني) التي تضمُّ عدداً من العلويين، والتي أبدتْ موقفها المعارض لترشّح (بشار الأسد) للانتخابات الرئاسية، المزمع إقامتها في شهر نيسان القادم، واصفةً إياه بــ(مجرم حرب)، مبديةً دعمها لمرجعيّةِ جنيف، وتشكيلِ هيئة حكم انتقالي كامل الصلاحية، وفي ذات السياق انتقدتْ صفحة (مواطنون مع وقف التنفيذ) فسادَ النظام، وعلى إثرها اعتقل مديرُ الصفحة (العلويّ)، في حين وجهتْ حركةُ (الأحرار العلويون) رسالةً إلى الشعب السوري جاء فيها (ندعوكم ألا توقفوا الدفاع عن حقكم، بعد كلّ الثّمن الذي دفعتموه، هذه العائلات تلفظ أنفاسها الأخيرة، وليس لها إلا أمل وحيد هو الحماية الروسية التي تتذمر الآن من استمرار دعمها لهذا الشخص) في إشارةٍ صريحةٍ إلى الرئيس، وفي زمنٍ مضى كان كثيرٌ من العلويين يعمدون إلى تمزيقِ صور المرشحين المنافسين للأسد، بسبب عدم تحمّلهم فكرةَ أنْ ينافسَ أحدٌ رئيسهم المفدّى، الذي سحقَ -وبفضل حاضنته القوية- كلَّ بدائل المعارضة البائسة. الراعي الكذاب

ليفانت – عبير نصر ليفانت