الانقلاب الأبيض يفضح ترامب.. وأمريكا تنتصر على عدوّها الداخلي

انقلاب ترامب

لم يكن ليتصوّر أحد أن يتحوّل مسار الانتخابات الأمريكية إلى ما ذهبت إليه، فبعد منافسة شديدة بين الجمهوري دونالد ترامب، والديمقراطي جو بايدن، استطاع الأخير الانتصار في الانتخابات، التي عقدت في الثالث من نوفمبر العام 2020، لكن ترامب ظلّ مصرّاً على أنّه من فاز فيها، ضارباً بعرض الحائط الديمقراطية الأمريكية، حاضر البلاد ومستقبلها، مع إصراره على التشبث بالسلطة، أيّاً كان الثمن.

ترامب خطّط لانقلاب

ولعلّ الوصف الأقرب لما حصل بتاريخ السادس من يناير العام 2021، عندما اقتحم أنصار ترامب مبنى الكابيتول خلال جلسة لإقرار نتائج الانتخابات، هو الانقلاب على الديمقراطية والدولة الأمريكية، والأهم أنّ ذلك الفعل كان مخططاً له، وما يؤكد ذلك تصريحات ترامب نفسه، فقد توجه ترامب، في الأول من يناير، بدعوة أنصاره للاحتجاج، وكتب ترامب على “تويتر”: “التجمع الاحتجاجي سيكون في الساعة الـ11 من صباح الـ6 من يناير الحالي.. أوقفوا السرقة”، وهي دعوة صريحة للانقلاب على نتائج الانتخابات.

ترامب: وفاة 200 ألف في أمريكا بكورونا نتيجة جيدة!

ضغوط لقلب النتائج

وبجانب تحريضه أنصاره على التوجّه لاقتحام مبنى الكابيتول، في السادس من يناير، حاول ترامب الضغط على مسؤولي الولايات لتغيير نتائج الانتخابات في ولاياتهم، فقد كشفت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، في الثاني من يناير، عن أنّ الرئيس دونالد ترامب طلب من سكرتير ولاية جورجيا، براد رافنسبيرجر، في مكالمة هاتفية “إيجاد” نحو 12 ألف صوت لقلب فارق الأصوات مع جو بايدن، إذ حذّر ترامب سكرتير ولاية جورجيا من تبعات جنائيّة إذا لم يتجاوب مع ادّعاءاته بخصوص حدوث تزوير في انتخابات الولاية، مشجعاً رافنسبيرجر على “إيجاد” أصوات كافية لإلغاء هزيمته ضمن مكالمة هاتفية غير عادية تواصلت لمدة ساعة، وأشار خبراء الانتخابات إلى أنها تثير أسئلة قانونية.

اقرأ أيضاً: ومرّت ذكراك يا سليماني وأنت تنتظر الثأر.. وستنتظر طويلاً

ولم يقتصر الضغط على سكريتارية الولايات، بل وصل البلّ الترامبي إلى ذقن الحزب الذي ينتمي إليه، فقد اعتبر ترامب بعض أعضاء الحزب الجمهوري بأنّهم “كتلة الاستسلام”، وصرّح أنّهم سيلحقون العار بحملته لأنّهم ضعفاء وجاهزون للتصديق بأرقام الانتخابات الرئاسية المزورة، (على حدّ وصفه)، واستفسر ترامب ضمن تغريدة عبر “تويتر”: “كيف يمكن المصادقة على نتائج انتخابات تكون الأرقام التي يتم اعتمادها خاطئة بشكل يمكن التحقق منه”.

تحضيرات لاقتحام الكابيتول

وقد أدرك المسؤولون الأمنيون أنّ أنصار ترامب لم يدعوا يوم إقرار نتائج الانتخابات يمر بسلام، لكنهم ربما لم يتوقعوا أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، والدليل ما صرّح به مسؤولون في مدينة واشنطن، في الخامس من يناير، عندما دعوا أنصار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى عدم إحضار أسلحة نارية إلى الاحتجاجات على تصديق الكونغرس على هزيمته في الانتخابات، إذ قال قائد الشرطة في العاصمة، روبرت كونتي، في مؤتمر صحفي بمجلس المدينة: “تلقينا بعض المعلومات عن أفراد يعتزمون إحضار أسلحة إلى مدينتنا، وهو أمر لن يتم التهاون معه”، مضيفاً أنّه “سيتم اعتقال أيّ شخص يحمل سلاحاً أو يثير العنف”.

اقرأ أيضاً: نساء تركيا بين مطرقة الإهانة وسندان تشريعات (العدالة والتنمية)

وبجانب تحضير ترامب للانقلاب الأبيض من خارج الكابيتول، كان يتحضّر لإنقلاب من نوع آخر من داخل الكابيتول، عبر الضغط على نائبه، مايك بنس، لرفض إقرار نتائج الانتخابات، كونه كان سيترأس بصفته الرئيس الرسمي لمجلس الشيوخ، الجلسة المشتركة للكونغرس للمصادقة على تصويت أعضاء هيئة الناخبين، رغم أنّ بنس لا يتمتع بسلطة إلغاء نتائج الاقتراع، ويقتصر دوره في رئاسة الجلسة المشتركة للكونغرس، على كونه دوراً احتفالياً ورمزياً بالكامل تقريباً.

الانقلاب من داخل الكابيتول

ووفق ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”، في السادس من يناير، نقلاً عن مصادرها، فإنّ بنس أعلم ترامب، أنّه لا يمكنه تغيير نتائج الانتخابات عندما يصادق عليها الكونغرس، وتبعاً للمعطيات فإنّ ترامب أبدى أمله بأن ينجح نائبه مايك بنس في مساعيه داخل الكونغرس بعرقلة التصديق على فوز جو بايدن بالرئاسة، وصرّح ممازحاً: “إذا فشل بنس فلن أحبه كما أفعل الآن”، كما دوّن ترامب على “تويتر”: “إذا جاء نائب الرئيس مايك بينس لنصرتنا، فسوف نفوز بالرئاسة، ترغب العديد من الولايات في إلغاء الخطأ الذي ارتكبته من خلال التصديق على أرقام غير صحيحة، بل وحتى مزورة، في عملية لم توافق عليها الهيئات التشريعية في ولايتها (كما هو مفروض أن يكون)، مايك يمكن أن يعيدها إليهم”، (على حدّ قوله).

اقرأ أيضاً: (ملياراتنا مقابل السفينة الكورية).. القرصنة الإيرانية تصل للبحار

واستمرّ ترامب التحريض بالانقلاب على نتائج الانتخابات، وقال في كلمة أمام أنصاره، بتاريخ السادس من يناير، إنّهم لن يستسلموا أبداً ولن يتنازلوا ولن يعترف بالهزيمة، وزعم أنّه تم تزوير الانتخابات کما لم یحصل سابقاً، مضيفاً: “فزنا بالانتخابات فوزاً كبيراً والنتائج لم تكن متقاربة”، مشدّداً على أنّه لن يتنازل ولن يتخلّى ولن يعترف بالهزيمة، قائلاً: “حصلت على 75 مليون صوت انتخابي، ومع ذلك يقولون إنّني لم أفز، لن نسمح بإسكات أصواتكم ولن نقبل بذلك”.

إفشال مخطط الانقلاب

بيد أنّ مخططات ترامب لم تصل إلى النتيجة المرجوّة له، فقد رفض بنس المشاركة في الانقلاب، وهو ما دفع ترامب إلى مهاجمته، قائلاً في تغريدة عبر “تويتر”: لم يتحلَّ مايك بنس بالشجاعة اللازمة لفعل ما كان ينبغي فعله لحماية بلادنا ودستورنا، مما أعطى الولايات فرصة للتصديق على مجموعة من الحقائق المصححة، وليس الحقائق المزورة أو غير الدقيقة التي طلب منها التصديق عليها مسبقاً.. الولايات المتحدة تطالب بالحقيقة”.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يُوجّه أوروبا لدروب وعرة ومُنزلقات خطيرة

كما لم ينجح احتشاد آلاف الأشخاص من مناصري ترامب في كسب تعاطف الأمريكيين أو العالم، بل على العكس، كانت ردّات الفعل سلبية تجاهها، وتعاطف العالم بأسره مع الديمقراطية الأمريكية التي تتجاوز الأشخاص، مما أجبر ترامب أخيراً على الإقرار بهزيمته، ليدعوا بعدها مناصريه للتوجه إلى منازلهم بسلام، في رسالة مسجلة نشرت عبر حسابه على “تويتر”، قائلاً: “أشعر بألمكم وحجم الأذى الذي تعرضتم له، خضنا انتخابات سرقت منا، لكن علينا العودة إلى المنزل، يجب أن نحل السلام، وأن يكون لدينا قانون ونظام وأن نحترم شعبنا العظيم”.

اقرأ أيضاً: عودة ميمونة لبطل قومي.. نافالني يصيب عصافير عدة بحجر واحد

وبعدها، صادق الكونغرس الأمريكي، بشكل رسمي، في السابع من يناير، على فوز الديمقراطي، جو بايدن، في الانتخابات الرئاسية، بأغلبية 306 من أصوات المجمع الانتخابي، مقابل 232 صوتاً للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، وأعلن مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، موافقة الكونغرس على نتائج أصوات المجمع الانتخابي، ممهداً الطريق لتولّي بايدن الرئاسة، في 20 يناير، ليفشل مُخطط ترامب الانقلابي، وتنتصر أمريكا على عدوّ داخلي، ما زالت الشكوك تحوم حول علاقته بروسيا، مع صدور المزيد من التقارير حول ذلك بين الفينة والأخرى.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة