الانتخابات السورية.. 50 عاماً من التزوير

عبدالعزيز مطر

إنّ ممارسة العملية الديمقراطية بمختلف أشكالها في الدول المبنية على أسس ونظم ديمقراطية، تعتبر واجباً وطنياً، بالإضافة هي حق لكل مواطن يملك الهوية الوطنية لهذه الدولة. وفي كل الأنظمة المتقدمة تتجلّى سلطة القانون والدستور في تنظيم ورعاية العملية الديمقراطية في تلك الدول، بحيث تكون مسألة تنظيم الانتخابات، بكافة أنواعها وأشكالها، هي من شأن السلطة القضائية التي تمثّل الدور الرقابي، ولها كلمة الفصل في نتائج العملية الديمقراطية، وتستمدّ السلطة القضائية قوتها من الدستور، الذي يشكل مجموعة القوانين الناظمة لحياة الفرد والمجتمع، والذي يحدّد واجبات وحقوق المواطن والدولة. 

ويعدّ الحديث عن ممارسة الديمقراطية في الأنظمة الشمولية والانتخابات التي تنظّمها تلك الأنظمة، مجرد حديث عن عملية شكليّة لا روح فيها ولا هدف منها، سوى إبقاء تلك الأنظمة حتى لو تمتعت ظاهرياً باستقرار تلك الأنظمة والبلدان التي تحكمها.

وعند الحديث عن الوضع في سوريا والانتخابات التي تقوم سلطة الاستبداد وسلطة الأمر الواقع بتنظيمها، ومحاولة إضفاء الشرعيّة على هذه الانتخابات، فإنّنا لا ىنتحدّث عن عملية انتخابيّة، بقدر حديثنا عن مأساة شعب ووطن، تغيب فيه معظم أسباب الحياة لأي إنسان على وجه هذه الأرض.

فعندما يتحدّث النظام المافيوي وعصابته عن تنظيم انتخابات وشرعيتها، ويطالب المجتمع الدولي بالاعتراف بها، بغياب كل الأطر التشريعية والشرعية لهذه الانتخابات، فنصف سكان سوريا هم نازحون في مخيمات الشتات، والآخرون هجرهم هذا النظام البائس في بقاع الأرض، فأي عملية سياسية أو ديمقراطية يغيب عنها الشعب لا قيمة لها. ويعلن الشعب السوري، مراراً وتكراراً، رفضه لهذه العملية المنبثقة والمنظمة من قبل السلطة الأمنية التي تحمي نظام الاستبداد بدلاً من أن تنظّمها السلطة القضائيّة.

كيف يتحدّث النظام البائس عن تنظيمه لانتخابات في ظلّ سيطرته المطلقة على السلطات الثلاث في سوريا، القضائية والتشريعية والتنفيذية؟ هذا بالتأكيد ينفي مبدأ العدالة والمنافسة الحقيقية بين المرشحين، إن وجدوا، فالعدالة في ممارسة الحق الانتخابي، والحق في الترشح، تتطلب سلطة تراقب نزاهة الانتخابات، وتتطلب معايير دولية تحكم على نزاهة وشرعية هذه العملية، ومع غياب أي معايبر حقيقية لمراقبة سير الانتخابات ونزاهتها تعتبر نتيجتها غير شرعية في عيون المواطن السوري، الذي تسببت له تلك السلطة، التي تنظم هذه المسرحية، بكل ما حلّ به من آلام ودمار.

كيف سيقوم المواطن بممارسة حقه الانتخابي؟ هل يستطيع القيام بهذا الدور والحق والواجب في ظلّ رقابة صارمة من الأجهزة الأمنية التي تديرها سلطة الأسد، وتجعل كل صوت لا يرغب بهذه السلطة هو عدو لها وعدو لوطن أصبح رهينة لهذه السلطة، وستجعل من المستحيل أن يكون هناك من يمارس حقّه الانتخابي بحرية ويستطيع أن يقول ما يريد ويعبّر عن رأيه بالتصويت، فأين شرعية هذه الانتخابات التي تسخر فيها كل أجهزة الدولة السورية ومؤسسات الحكومة السورية ووزاراتها وإعلامها الرسمي لخدمة ترشيح وإعادة تدوير هيمنة الأسد على السلطة من خلال عملية مزيفة؟ فمن المفترض أن تكون هذه المؤسسات وإعلامها الرسمي حيادية وتراقب سير العملية الانتخابية وتعمل على منع أي تجاوزات أو خروقات فيها.

وإذا تحدّثنا وناقشنا مسألة الرقابة على هذه المسرحية، المسماة بطلاناً وزوراً انتخابات ديمقراطية، من هي الجهات الدولية التي ستراقب وتشرف على هذه الانتخابات في ظلّ رفض المجتمع الدولي لها ورفض الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية لشرعيتها ونتائجها سلفاً؟

بالتأكيد سيلجأ الأسد لحليفيه، إما الاتحاد الروسي الذي لا يهتم بهذه العملية، ولا يهتم بهذا الشأن، إلا من بوابة مصالحه وما سيطر عليه، وكيف يستطيع الاحتفاظ به وهو غير معني بمنصب الرئاسة، إلا كونه ورقة سيفاوض من خلالها لاحقاً المجتمع الدولي والولايات المتحدة للحصول على مكاسب أخرى في مناطق أخرى بعيدة عن سوريا، أو سيطلب من أنظمة امتهنت القتل والتدمير في المنطقة إرسال مراقبين، كالنظام الإيراني البعيد كل البعد عن مفهوم الديمقراطية أو أحد ملحقات وأذرع الحليفين.

وبغض النظر عن نتائج هذه الانتخابات الصورية المحسومة سلفاً لصالح السلطة المستبدة، فما هو برنامج الأسد الانتخابي؟ وماذا يمكن أن يحقق للشعب السوري، وهو أحد المسببات الرئيسة لما حلّ بهذا الشعب من كوارث، على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي؟ فهل سيغير بقاؤه على رأس هذا النظام من واقع الحال في سوريا شيء؟

بالتأكيد ستزداد عزلة سوريا، وسيستمر التدهور الاقتصادي، وستتفاقم المشاكل الاقتصادية، من فقر وانعدام مقومات الحياة، وسينحسر الشعور الوطني لحساب الشعور الفئوي، وستزداد أمراض المجتمع استفحالاً، كالفقر والجريمة والتخلف والطائفية، بسبب تردّي الواقع الاقتصادي والأمني، وستزداد قبضة الميليشيات والعصابات -المختلفة التبعية- قوة في البلاد، واستشراساً على الشعب، وسيفكر من تبقى من هذا الشعب بمغادرة سوريا لأي مكان لا توجد به هذه العصابات وأذرعها، وستزيد مشغلات الأدوات في سوريا، من جشعها للنهب والسيطرة على ما تبقى من مؤسسات وثروات ومقدرات للدولة السورية.

هذا واقع الحال إذا بقي الأسد أو أعيد تدويره في مسرحية الانتخابات، وسيعاني من يقبعون حالياً تحت وطأة هذه السلطة أكثر مما عانوا ليصل الوضع لمرحلة أكثر قتامة مما عليه الآن، ولا سبيل للخروج من هذا الموقف إلا بسعي السوريين الجاد، ومن كل الأطراف والقوى والانتماءات، للدفع باتجاه توافق دولي بين القوى الفاعلة في الشأن السوري للوصول لحل ينهي هذه المأساة، عبر التطبيق الكامل لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخصوصاً القرار ٢٢٥٤، واتفاق السوريين على توحيد وتوجيه الخطاب السياسي والإعلامي في هذا الاتجاه، والعمل على صياغة مشروع وطني أو صيغة وطنية تجمع السوريين يمكن تقديمها لهذه القوى، ترضي جميع السوريين وتنهي هذه المأساة والكارثة التي تستنزف سوريا كوطن وشعب. الانتخابات السورية

عبدالعزيز مطر

ليفانت – عبد العزيز مطر ليفانت