الإخوان وتركيا.. كيف نفهم سياسة الذئاب الرمادية؟

رامي شفيق
رامي شفيق

من الصعوبة قراءة البيان الصادر عن جماعة الإخوان، المصنّفة على قوائم الإرهاب في بعض البلدان العربية، مؤخراً، بعيداً عن الممارسات التاريخية للتنظيم، لاسيما في ظل ترحيبهم الأخير بتدشين تنظيم في الخارج، وهو ما يستعيد ذاكرتهم المطمورة التي تحفل بحوادث مماثلة. الذئاب الرمادية

منذ النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، لم تنقطع فيها أدوارهم المشبوهة، والتي تكشفت فصولها في أعقاب أحداث 25 يناير 2011، ثم صعودهم لتجربة الحكم في مصر، والتي أفضت نحو نهاية حضورهم الواقعي بين المصريين.

ثمة ارتباط وثيق بين تحركات الجيل الأول من قيادات الإخوان المسلمين، خلال الحرب العالمية الثانية، ثم مناوراتهم في الاتصال والتواصل الفعال بين بريطانيا وألمانيا، في ثلاثينات وأربعينات القرن الفائت، واتصال قيادات الجماعة التي استلمت التنظيم بعد مقتل المرشد الأول حسن البنا، في شهر فبراير العام 1949، مع بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وقد ظلت بعض تلك الاتصالات مع الغرب حيوية، لاسيما ما تم خلال سنوات ما قبل اندلاع ثورات العام 2011، من ترتيبات تستهدف التغيير في بنية حكم بعض الدول العربية، وهو الأمر الذي بدا واضحاً في القاهرة وتونس من الناحية السياسية، وليبيا واليمن وسوريا، سياسياً وميدانياً.

وقد جاء في بيان الجماعة الذي صدر على صفحة المتحدّث الإعلامي: “ترحب جماعة الإخوان بتأسيس “اتحاد القوى الوطنية المصرية في الخارج”. كما تؤكد الجماعة أنّ “دعمها لتأسيس الاتحاد يأتي انطلاقاً من موقفها التاريخي والثابت بمواصلة كفاحها في خدمة قضايا الشعب المصري الأصيل وبالتعاون المخلص مع القوى الوطنية صفاً واحداً، دون أن تتقدّم عليه أو تتأخر عنه”.

تبدو مرجعية تلك التحركات من خلال فكرة التأسيس الأولى لدى الجماعة في العام 1928، حيث ظلّ حسن البنا لنحو عقدين يؤسس لمفاهيم الأممية و”أستاذية العالم”، وأنّ رسالة جماعته تنطلق من الداخل إلى كافة بقاع الأرض، مستندة إلى أدواتها المتباينة فيما بين العمل الدعوي والعمل الخيري. غير أنّ حقيقة الأمر في كل الأحوال، أنّ المبتغى الحقيقي حيال كافة تلك التحركات والمساعي هو بهدف السيطرة والنفوذ والتمكين.

المسار الحقيقي والواقعي الذي انطلقت منه جماعة الإخوان نحو تحقيق جملة أهدافها، استناداً إلى عديد المتغيرات الإقليمية والدولية، هو تأسيس التنظيم الدولي للجماعة، عام 1982، إذ مثّل ذلك تطوراً مهماً ولافتاً ليس على مستوى الانخراط المباشر في التحرك دولياً، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية، ولا من ناحية توفر مصادر خارجية مهمة تكفل للتنظيم التحدّث بلسانها وصدّ الهجمات عنها من داخل الدوائر السياسية في تلك البلدان، بل كونه واحداً من أعقد التنظيمات داخل الجماعة لحيازته كافة شيفرات التمويل وسبل إدارة شبكات المال والعمليات التجارية، فضلاً عن مقدرته التأثير في الرأي العام الدولي، من خلال أذرعه الإعلامية المباشرة وغير المباشرة.

مثّل التنظيم الدولي في ذهنية قيادات الجماعة أداة مفصلية في العمل على تكوين وإعداد مجتمعات موازية، بحيث تمرر من خلال أوراق الضغط المتاحة على المستوى الدولي في أوروبا والولايات المتحدة، قضاياها التي تحتاج فيها الجماعة أو الدول التي تعمل لصالحها، إلى كيل لها يبسط تلك الأوراق لحصد جملة من المنافع السياسية والبراغماتية. الذئاب الرمادية

وربما بدا ذلك واضحاً عبر الصراع القائم بين تركيا وعدد من الدول الأوربية، من خلال سيطرة تلك التنظيمات على أحياء كاملة في الداخل الأوروبي، خاصة في فرنسا، ومقايضة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باريس، عبر ذلك، من خلال القضايا السياسية المشتركة فيما بينهما.

يبدو واضحاً الارتباط المباشر بين أهداف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وتأسيس اتحاد القوى الوطنية المصرية في الخارج، ما يمكننا أن نثق في كونهما تنظيماً واحداً يتحرك وفق الأهداف ذاتها، ويستند إلى مرجعية واحدة تتمثل في الأهداف الإقليمية والدولية التي تحتشد وراءها كافة التوجهات السياسية لحزب العدالة والتنمية.

ثمة تطابق بين تلك الكيانات الناشئة على مفاصل التنظيم الدولي للإخوان، وأدوارها المشبوهة، وتحركاتها في الخارج ضد مصالح القاهرة، التي تنطلق نحو جملة من الأهداف الاقتصادية والإنمائية في الداخل بالاتّساق مع كافة تحركات القاهرة، إقليمياً ودولياً، بما يتواءم مع رؤيتها الاستراتيجية لتحقيق لنظام إقليمي مستقر، يتوافق مع تطلعاتها ومكاسبها خاصة في ظلّ التطورات المتلاحقة دولياً، وسياقات التنافس والصراع بين القوى الدولية، وظلال ذلك المتباينة من خلال مسرح أحداث الشرق الأوسط، سواء كان ذلك في اليمن أو ليبيا أو سوريا ولبنان والعراق .

المتأمل بشكل دقيق في تلك الأحداث المتشابكة والمتسارعة، عليه أن يلحظ مقاربة بخصوص تحركات تركيا إقليمياً ودولياً لجهة توظيف جماعة الإخوان وتنظيمها الدولي، عبر ظهور قياداتها إعلامياً للحديث في الأحوال السياسية التي تمر بها القاهرة، فضلاً عن المنصات الإعلامية التي تنطلق من أنقرة، وتنخرط بشكل مباشر مع الأحداث يومياً، ثم التحركات المماثلة في ليبيا مع الجماعات الوظيفية التي ترعاها إيران، والفاعلة في ساحات الشرق الأوسط، مثل جماعة الحوثي في اليمن، وحزب الله في لبنان.

على خلفية ذلك، يمكننا استيعاب مقدار وعمق البراغماتية التي تتبناها تركيا من خلال الحزب الحاكم، وتوجيه الدعم لرعاية تنظيم الإخوان، والذي تعتبره أنقرة ورقة ضغط تكتيكية في إطار أهدافها السياسية ومشروعها في الشرق الأوسط، لاسيما في ظلّ التنافس والصراع مع القاهرة عبر ملفات عديدة، أبرزها الملف الليبي وما يرتبط بثروات شرق المتوسط عبر سياق إقليمي ودولي ساخن.

ويضاف إلى ذلك، تحركات تركيا في شمال أفريقيا عبر حركة النهضة في تونس، وممارساتها كافة الأدوار الوظيفية التي تعرقل مسار الاستقرار هناك، حتى تدعم مصالح أنقرة الإقليمية والدولية في تلك المنطقة وما يتصل بها جغرافياً في العمق الأفريقي. الذئاب الرمادية

رامي شفيق

ليفانت _ رامي شفيق ليفانت