الأسد باع البلد لروسيا وإيران

غسان المفلح
غسان المفلح

هذه الرسالة سربها بوتين شخصياً وفقاً لهيكلية النظام الروسي. نشر موقع “روسيا اليوم” مقالاً بعنوان “هل تلجأ دمشق للتطبيع مع إسرائيل؟”، أورد فيه الكاتب رسالة من دمشق إلى موسكو في تشرين أول/ نوفمبر ٢٠١٣، هذا نصها: “لقد قدمنا الأسلحة الكيميائية للمجتمع الدولي، واضعين ثقتنا بأن تقدّم روسيا البدائل اللازمة لمواجهة العدوان الإرهابي على وطننا. لكن الأمور في الوقت الراهن تشير إلى انهيار مفاجئ محتمل خلال أيام معدودة، بعد خسارتنا بالأمس أكبر 5 بلدات في الغوطة، ووصول المسلّحين إلى مسافة 3 كم من مطار دمشق الدولي، وقطعهم طريق دمشق حمص الدولي، بعد احتلالهم مدينة دير عطية، ونفاذ قدرتنا البشرية والنارية. لهذا فإنّ هناك ضرورة ماسة جداً للتدخل العسكري المباشر من قبل روسيا، وإلا سقطت سوريا والعالم المدني بأسره بيد الإرهابيين الإسلاميين”. الأسد 

“تدخل حزب الله اللبناني في سوريا عسكرياً/ طائفياً منذ الأيام الأولى للثورة، وبرر أنّه يريد حماية “المراقد الشيعية”، وأرسلت إيران “خبراء ومستشارين” من الحرس الثوري الإيراني في الوقت نفسه مع تدخل حزب الله، ومع إرسال المالكي (العراق) ميليشيات مقاتلة. وعبر مقابلة تلفزيون “الميادين”، مؤخراً، عرفنا أن تدخل حزب الله والحرس الثوري بدأ قبل بدء الثورة السورية، استعداداً لمواجهتها منذ اندلاع الثورة المصرية! وهذا كان مواجهة إسلامية للثورة السورية، إنما (إسلامية شيعية) هذه المرة”.

هذه أخبار من اشتروا البلد. ليست أخبار من أهل الثورة السورية أو مواقع المعارضة أو من مواقع إمبريالية. كما أنّنا سمعنا وقرأنا أكثر من تصريح لمسؤولي روسيا وإيران، أن لولاهما لسقط الأسد.

ما أريد مناقشته هنا، لماذا انتظرت روسيا سنتين منذ تاريخ الرسالة الأسدية بطلب التدخل لحمايته من السقوط؟ كي لا يدخلنا نص الرسالة المسرّبة من قبل روسيا، وبوتين شخصياً، في متاهة جديدة من قراءات خاطئة. خلال السنتين، منذ عام 2013 وحتى عام 2015، كانت روسيا متواجدة بقوة من خلال أسلحتها التي ترسلها للأسد، ومن خلال الفيتو المستخدم في الأمم المتحدة. حيث استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) خمس مرات قبل تدخلها العسكري المباشر. إضافة لتدخلات عبر مفاوضات مع أطراف إقليمية ودولية من أجل المساعدة على وقف تدهور نظام الأسد. في تلك الأثناء، كانت روسيا منخرطة مع مجموعة الست في مفاوضات مع إيران من أجل الملف النووي. الأسد 

هذا الانخراط الروسي كان إيجابياً بالنسبة لأوباما في تلك المرحلة، تنازل يستحق مكافأة. بوتين بقي سنتين حتى تدخل عسكرياً، للحصول على موافقة أمريكية إسرائيلية فرنسية بريطانية صينية. أولاً لمنع صدور قرار من مجلس الأمن أو من الأمم المتحدة بإدانة التدخل واعتباره احتلالاً. ثانياً بوتين لا يستطيع التدخل في دولة هي على حدود إسرائيل، وكذلك إيران. هذا ما كنا نشدّد عليه في قراءة التدخل الإيراني منذ اللحظة الأولى للثورة السورية. بوتين كان يدرك أنّ الأسد مستعدّ للتنازل عن أي شيء مقابل أن يبقى في قصر الشعب بدمشق، لهذا هو لم ينتظر نتائج مفاوضات مع الأسد، بل انتظر سنتين كي يتوصل لاتفاق مع أمريكا وإسرائيل، بشكل رئيسي وأساسي. وهذا ما حدث، وهذا ما جعل بوتين يتدخل بقوة عسكرياً ضد الثورة السورية ويمارس أبشع أنواع القتل بأحدث الأسلحة الروسية، حتى إنّه ضمن عدم وصول فصائل سورية إلى صواريخ مضادة للطيران. ضمانة من قبل أوباما وإسرائيل. حيث سيناريو أفغانستان لم ينسَ بعد بالنسبة للروس ولصواريخ ستينغر الأمريكية التي حطمت أسطورة الطيران الروسي هناك. الأسد 

خلال هذه الفترة من الانتظار توصل أوباما لاتفاق مع إيران، وسمح لها بسوريا ولبنان واليمن، وسمح لروسيا بالتدخل في سوريا لاحتلال الثورة وقتل الشعب السوري وتهجيره. هذه الرسالة توضح أيضاً أنّ قراءة أغلب أهل الثورة آنذاك للتدخل الروسي الإيراني، أنّه أتى بموافقة أمريكية، كانت قراءة صحيحة. من جهة أخرى إسرائيل لا تقبل أيضاً أن تكون روسيا شرطياً على عملياتها الجوية داخل سوريا، وهذا أيضاً ما تعهد به بوتين، وإلا ما كان لبوتين أن يأتي بطيرانه وأسلحته كلها من أجل دفن السوريين وتهجيرهم واقتلاعهم. هذه أيضاً مصلحة إسرائيلية مباشرة، بغضّ النظر عن موقع الأسد والأسدية فيها. هذا سبب انتظار بوتين لسنتين منذ أن باعه الأسد قسماً من سوريا كما باع إيران. الأسد 

بوتين، كما قلنا، بقي سنتين حتى استطاع الحصول على موافقة دولية مشرعنة من الأمم المتحدة، لكون الأسد ممثلاً فيها. لهذا رفضت أمريكا مقترحاً تقدّمت به بعض الدول بإلغاء مقعد الأسد في الأمم المتحدة وإعطائه للمعارضة. هذا الرفض له أسباب أخرى طبعاً. لكن السبب الرئيس أنّ الأسد أيضاً خط أحمر أمريكياً، كان بوتين أداة تنفيذه، كما كانت وما تزال إيران. لا يهم الأسدية أية سيادة للدولة السورية، لأنّه لا يراها إلا من خلال بقائه في قصر الشعب.

بقي أن نقول إنّ قضية التطبيع مع إسرائيل ليست مطروحة لا أسدياً ولا إسرائيلياً، لأنّها لا تخدم الطرفين. إسرائيل بظهر الأسد كما هو، وكما هي الوضعية بينهما، ولا تريد تغييرها حتى اللحظة. أسباب كثيرة، كنا كتبنا عنها سابقاً، تجعل من التطبيع قضية ساخرة، لأنّ الأسدية أول من طبعت مع إسرائيل، وفقاً لهذا الشكل القائم منذ عام 1974 “من يريد الاعتداء على الشعب السوري لينسّق معنا”. هذا كان حال لسان الأسدية وما يزال وسيبقى ما دامت الأسدية موجودة في تاريخ سوريا. الأسد 

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح ليفانت