أي حل سياسي يريده ضامنو أستانا؟

طارق عزيزة
طارق عزيزة

مفارقات كثيرة تضمّنها البيان الختامي للنسخة الخامسة عشر من اجتماعات “أستانا”، الصادر قبل أيام، ومن أهمّها ما أكّده “ممثلو جمهورية إيران الإسلامية وروسيا الاتحادية والجمهورية التركية كدول ضامنة في منصة أستانا”، من “التزام ثابت” بنقاط لا يكفّون عن خرقها، ويعملون بعكس ما تقتضيه. حل سياسي

ورغم مشاركة وفدي المعارضة السورية ونظام الأسد والمبعوث الأممي (غير بيدرسون)، صدر البيان بتوقيع الضامنين الثلاثة فقط، في إشارة لحقيقة الدور الشكلي والتزييني الذي تلعبه بقية الأطراف في هذا المسار العبثي.

أكّد الضامنون التزامهم “الثابت بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، وبأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، وعبّروا عن قناعتهم “بأنّه ليس للأزمة السورية حلاً عسكرياً”، والتزامهم “في المضي قدماً في العملية السياسية طويلة الأمد والقابلة للتحقيق والتي يقودها وينفذها السوريون أنفسهم برعاية الأمم المتحدة ووفقاً لقرار مجلس الأمن 2254”.

ومعلومٌ أنّ مساحات واسعة من أراضي الدولة التي يزعم “الضامنون” الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة أراضيها، محتلّة الآن من قبلهم، ويمارسون عليها سلطتهم، فيتحكّمون بحجرها وبشرها ومواردها، مباشرة أو عبر ميليشيات مرتبطة بهم وتأتمر بأمرهم. وهنا يجدر التساؤل: احتلال أراضي الغير بالقوّة وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضدّ السكّان المدنيين ونهب الموارد والثروات، ألا تشكّل خروقاً “لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، التي يتشدّقون بالتزامهم بها؟ ولمّا كان “ليس للأزمة السورية حلاً عسكرياً”، فما الذي تفعله قوّاتهم العسكرية والميليشيات التابعة لكلّ منهم في سوريا، هل تحمل رسائل محبّة وسلام؟

أما الفقرة 6 من البيان، والتي تحدثوا فيها عن التزامهم “في العملية السياسية طويلة الأمد.. التي يقودها وينفذها السوريون أنفسهم برعاية الأمم المتحدة ووفقاً لقرار مجلس الأمن 2254″، فقد تلاها ما يوضح معنى “العملية السياسية” لديهم، إذ خُصّصت الفقرات (7-8-9-10) لما يُسمى “اللجنة الدستورية” وعملها، والتي تعدّ التفافاً على العملية السياسية المنصوص عنها في القرار 2254 المشار إليه. فهذه اللجنة لم تنشأ تنفيذاً له، وإنما “شُكلت بإسهام حاسم من قبل الدول الضامنة في صيغة أستانا وتنفيذاً لمفرزات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي” كما يقرّون في الفقرة7.

لقد أكّد القرار 2254 على “بيان جنيف وكفالة التنفيذ الكامل له”، وبيان جنيف حدّد خطوات العملية السياسية وتسلسلها، وأولها “إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية”، أي أنّ كل حديث عن الدستور أو تعديله يأتي بعد هيئة الحكم الانتقالي، فضلاً عن أنّ العملية الانتقالية برمّتها تجري “وفق جدول زمني محدد”، بحسب بيان جنيف. والعملية السياسية حسب القرار 2254 نفسه تقيم “حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولايقوم على الطائفية، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، وتحدّد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور جديد”. لكنّ ضامني أستانا، إذ يرفضون أي “تدخل أجنبي وفرض مواعيد نهائية من الخارج”، يتحدثون بشكّل تدخّلي سافر ومناقض للقرارات الدولية عن “العملية السياسية طويلة الأمد”، والتي لا يعلم نهاية أمدها أحد!

منذ بدء تدخّلها العسكري المباشر عام 2015، سعت روسيا إلى أداء دور محوري في ضبط التوازنات وإدارة صراع النفوذ والمصالح الإقليمية في سوريا، ونجحت في ذلك إلى حدّ كبير عبر مسار أستانا، الذي بدأ في كانون الثاني (يناير) 2017 وأنتج لاحقاً اتفاقات “خفض التوتّر”. وبعد عام انتقلت إلى خلق وقائع تنسجم مع “العملية السياسية” التي تلائم مصالحها وتحافظ على مكتسباتها، من خلال “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي عقدته في مدينة سوتشي نهاية كانون الثاني (يناير) 2018.

و”مؤتمر سوتشي”، الذي جرى بالتنسيق مع إيران وتركيا، هدفَ لإفراغ “العملية السياسية”، المنصوص عليها في القرارات الدولية، من أي محتوىً جدّي وإعادة تأهيل نظام الأسد، عبر اختزال “الحل السياسي” إلى بعض التعديلات الدستورية بوجود النظام ومشاركته. هذه الخطوة وجدت صدىً طيباً لدى تركيا وإيران، فهما لا تقلّان عن روسيا رغبةً في الإبقاء على مكتسباتهما ومصالحهما في سوريا، والتي لا يمكن الحفاظ عليها وتكريسها إلا في ظل حالة العطالة واللّاحلّ، التي توفّرها “العملية السياسية طويلة الأمد” الفاقدة للجدوى. لقد هيأت إيران لبقاء طويل الأجل في سوريا عبر استراتيجية مركبة، عسكرية واجتماعية واقتصادية. ومشاريع إردوغان التوسعية ماضية في الشمال السوري، بالقوة العسكرية العارية وعبر أدوات السيطرة الناعمة، في إطار طموحاته لإعادة أمجاد أجداده العثمانيين على حساب شعوب المنطقة.

إنّ “الضامنين” ليسوا في وارد التخلّي عن مواقعهم في سوريا، لكنّ ما حقّقوه يعود في جانب كبير منه، إلى غياب أيّ فاعلية أميركية جدّية في الشأن السوري، وتخبّط الدول العربية التي تدخّلت بدايةً، ثم انصرفت إلى مشكلات وصراعات أخرى. ومن ثم، فإنّ أي تطوّر جدّي على مستوى الموقف الأمريكي أو العربي يمكن أن يعيد خلط الأوراق، ويعكّر على فرسان أستانا الثلاثة صفو مشاريعهم. حل سياسي

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

 

مفارقات كثيرة تضمّنها البيان الختامي للنسخة الخامسة عشر من اجتماعات “أستانا”، الصادر قبل أيام، ومن أهمّها ما أكّده “ممثلو جمهورية إيران الإسلامية وروسيا الاتحادية والجمهورية التركية كدول ضامنة في منصة أستانا”، من “التزام ثابت” بنقاط لا يكفّون عن خرقها، ويعملون بعكس ما تقتضيه. حل سياسي

ورغم مشاركة وفدي المعارضة السورية ونظام الأسد والمبعوث الأممي (غير بيدرسون)، صدر البيان بتوقيع الضامنين الثلاثة فقط، في إشارة لحقيقة الدور الشكلي والتزييني الذي تلعبه بقية الأطراف في هذا المسار العبثي.

أكّد الضامنون التزامهم “الثابت بسيادة واستقلال ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية، وبأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، وعبّروا عن قناعتهم “بأنّه ليس للأزمة السورية حلاً عسكرياً”، والتزامهم “في المضي قدماً في العملية السياسية طويلة الأمد والقابلة للتحقيق والتي يقودها وينفذها السوريون أنفسهم برعاية الأمم المتحدة ووفقاً لقرار مجلس الأمن 2254”.

ومعلومٌ أنّ مساحات واسعة من أراضي الدولة التي يزعم “الضامنون” الالتزام بسيادة واستقلال ووحدة أراضيها، محتلّة الآن من قبلهم، ويمارسون عليها سلطتهم، فيتحكّمون بحجرها وبشرها ومواردها، مباشرة أو عبر ميليشيات مرتبطة بهم وتأتمر بأمرهم. وهنا يجدر التساؤل: احتلال أراضي الغير بالقوّة وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ضدّ السكّان المدنيين ونهب الموارد والثروات، ألا تشكّل خروقاً “لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، التي يتشدّقون بالتزامهم بها؟ ولمّا كان “ليس للأزمة السورية حلاً عسكرياً”، فما الذي تفعله قوّاتهم العسكرية والميليشيات التابعة لكلّ منهم في سوريا، هل تحمل رسائل محبّة وسلام؟

أما الفقرة 6 من البيان، والتي تحدثوا فيها عن التزامهم “في العملية السياسية طويلة الأمد.. التي يقودها وينفذها السوريون أنفسهم برعاية الأمم المتحدة ووفقاً لقرار مجلس الأمن 2254″، فقد تلاها ما يوضح معنى “العملية السياسية” لديهم، إذ خُصّصت الفقرات (7-8-9-10) لما يُسمى “اللجنة الدستورية” وعملها، والتي تعدّ التفافاً على العملية السياسية المنصوص عنها في القرار 2254 المشار إليه. فهذه اللجنة لم تنشأ تنفيذاً له، وإنما “شُكلت بإسهام حاسم من قبل الدول الضامنة في صيغة أستانا وتنفيذاً لمفرزات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي” كما يقرّون في الفقرة7.

لقد أكّد القرار 2254 على “بيان جنيف وكفالة التنفيذ الكامل له”، وبيان جنيف حدّد خطوات العملية السياسية وتسلسلها، وأولها “إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية. وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. وعلى هذا الأساس، يمكن أن يعاد النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية”، أي أنّ كل حديث عن الدستور أو تعديله يأتي بعد هيئة الحكم الانتقالي، فضلاً عن أنّ العملية الانتقالية برمّتها تجري “وفق جدول زمني محدد”، بحسب بيان جنيف. والعملية السياسية حسب القرار 2254 نفسه تقيم “حكماً ذا مصداقية يشمل الجميع ولايقوم على الطائفية، في غضون فترة مستهدفة مدتها ستة أشهر، وتحدّد جدولاً زمنياً وعملية لصياغة دستور جديد”. لكنّ ضامني أستانا، إذ يرفضون أي “تدخل أجنبي وفرض مواعيد نهائية من الخارج”، يتحدثون بشكّل تدخّلي سافر ومناقض للقرارات الدولية عن “العملية السياسية طويلة الأمد”، والتي لا يعلم نهاية أمدها أحد!

منذ بدء تدخّلها العسكري المباشر عام 2015، سعت روسيا إلى أداء دور محوري في ضبط التوازنات وإدارة صراع النفوذ والمصالح الإقليمية في سوريا، ونجحت في ذلك إلى حدّ كبير عبر مسار أستانا، الذي بدأ في كانون الثاني (يناير) 2017 وأنتج لاحقاً اتفاقات “خفض التوتّر”. وبعد عام انتقلت إلى خلق وقائع تنسجم مع “العملية السياسية” التي تلائم مصالحها وتحافظ على مكتسباتها، من خلال “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي عقدته في مدينة سوتشي نهاية كانون الثاني (يناير) 2018.

و”مؤتمر سوتشي”، الذي جرى بالتنسيق مع إيران وتركيا، هدفَ لإفراغ “العملية السياسية”، المنصوص عليها في القرارات الدولية، من أي محتوىً جدّي وإعادة تأهيل نظام الأسد، عبر اختزال “الحل السياسي” إلى بعض التعديلات الدستورية بوجود النظام ومشاركته. هذه الخطوة وجدت صدىً طيباً لدى تركيا وإيران، فهما لا تقلّان عن روسيا رغبةً في الإبقاء على مكتسباتهما ومصالحهما في سوريا، والتي لا يمكن الحفاظ عليها وتكريسها إلا في ظل حالة العطالة واللّاحلّ، التي توفّرها “العملية السياسية طويلة الأمد” الفاقدة للجدوى. لقد هيأت إيران لبقاء طويل الأجل في سوريا عبر استراتيجية مركبة، عسكرية واجتماعية واقتصادية. ومشاريع إردوغان التوسعية ماضية في الشمال السوري، بالقوة العسكرية العارية وعبر أدوات السيطرة الناعمة، في إطار طموحاته لإعادة أمجاد أجداده العثمانيين على حساب شعوب المنطقة.

إنّ “الضامنين” ليسوا في وارد التخلّي عن مواقعهم في سوريا، لكنّ ما حقّقوه يعود في جانب كبير منه، إلى غياب أيّ فاعلية أميركية جدّية في الشأن السوري، وتخبّط الدول العربية التي تدخّلت بدايةً، ثم انصرفت إلى مشكلات وصراعات أخرى. ومن ثم، فإنّ أي تطوّر جدّي على مستوى الموقف الأمريكي أو العربي يمكن أن يعيد خلط الأوراق، ويعكّر على فرسان أستانا الثلاثة صفو مشاريعهم. حل سياسي

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit