أنيس النقاش يغادر الحياة من دمشق.. والنظام السوري ينعى “شريك كارلوس”

انيس النقاش

ليفانت- نور مارتيني

في الوقت الذي كان فيه “أنيس النقاش”، والذي لطالما صدّره النظام السوري على أنّه “مفكّر عروبي”، و”مناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي”، يلفظ أنفاسه الأخيرة في دمشق، كانت روسيا تفاوض إسرائيل، لإطلاق سراح سوريَّين أسرا في إسرائيل، وتمويل صفقة لجلب لقاح كورونا، الذي أودى بحياة “النقاش”.

عرفه السوريون من خلال شاشة التلفزيون الرسمي، الذي لطالما صدّره مدافعاً عن “القضية الفلسطينية”، و”مفكّراً يسارياً”، في سنوات ما قبل الفضائيات، وصدّر أفكاره تلك لأجيال كاملة، كانت ترى فيه “قلماً نظيفاً”، ومفكّراً حقيقياً.

بعد حرب تموز 2006، وعى قسم من السوريين حقيقة الدور الذي يضطلع به “النقاش”، من تصدير لمشروع الإرهاب الإيراني، على كونه قضية عادلة، وأنّ هذا النوع من الطرح سيفضي إلى شرخ في المجتمع السوري في نهاية المطاف، فيما ذهب قسم كبير لتأييد هذا المشروع، على الرغم من الفخ الذي وقع فيه كثيرون ممن توجّهوا إلى حدود الجولان عام 2011، وافتضاح حقيقة “الممانعة والمقاومة”، التي تسبّبت بسقوط قتلى وجرحى، ليتّضح لاحقاً أنّه تمّ التغرير بهم من قبل “المفكّرين العروبيين”، والفصائل الفلسطينية، التي تعهّدت بتقديم تعويضات مالية لذوي “الشهداء”، دون أن تفي بوعدها يوماً!

من يكون أنيس النقاش؟

كان النقاش يعتبر بمثابة الذراع اليمنى لكارلوس، واحد من أشهر شخصيات الإرهاب اليساري الدولي، لفترة السبعينيات والثمانينيات، والذي لا يزال يقضي عقوبة بالسجن المؤبد في فرنسا.

اقرأ المزيد: منظمة حقوقية: وضع سوريا على رأس لجان الأمم المتحدة إهانة لملايين الضحايا

وكان النقاش، المولود في بيروت عام 1951، قد التحق خلال سني مراهقته بحركة فتح الفلسطينية في لبنان وشارك بين صفوفها، في قتال القوات الإسرائيلية خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

انيس النقاش

وحُكم على أنيس النقاش عام 1980 بالسجن المؤبد بعد محاولة اغتيال شابور بختيار قرب باريس. قتل خلال تلك المحاولة الفاشلة لاغتيال آخر رئيس وزراء من عهد شاه إيران، فرنسيان أحدهما شرطي. وفي العام 1990 عفا الرئيس الفرنسي الأسبق “فرانسوا ميتران” عن النقاش وطرد من فرنسا إلى إيران.

احتجاز وزراء اوبك..إرهاب دولي

ما يميّز أدعياء المقاومة والممانعة أنّهم لا يخجلون من المباهاة بإرهابهم، ولا يمتنعون عن التذكير بمقدرتهم على استغلال الحكومات تحت ستار “القضايا العادلة”، غير عابئين بما يمكن أن ينجم عن خسائر تلحق المدنيين.

حيث شارك “النقاش” إلى جانب الفنزويلي كارلوس (إليتش راميريز سانشيز)، في عام 1975 في عملية احتجاز رهائن وزراء مجموعة “أوبك” في فيينا، وخاصة الوزيران السعودي والإيراني، والتي خططت لها مجموعة “أيلول الأسود” الفلسطينية المسؤولة كذلك عن اغتيال رئيس الوزراء الأردني عام 1971 واحتجاز رياضيين إسرائيليين في ميونخ عام 1972.

اللافت في الأمر أن “النقاش” نشر حواراً كاملاً مع “كارلوس”، حول ما عرف بعملية “فيينا”، مذكّراً بالعملية التي شارك فيها بنفسه.

ففي الحوار الذي نشر عام 2009، تحدّث كارلوس عن دور النقاش، وكيف التحق بكادر العملية متأخرا، واصفاً إياه بأنه من ألمع الكوادر السياسية في العملية.

وأكّد كارلوس أنه كان سعيدا لأن النقاش كان مساعده، مشيراً إلى أنّه أول من وصل إلى فيينا قبل أن يلحق به ويلفريد وهانس يوهاكيم كلين وأنيس النقاش، مشيراً إلى أنه تسلم الأسلحة في 19 كانون الأول (ديسمبر) في منتصف الليل، وتحدث عن تقسيم العملية وفصائلها وتسليحها، التي كانت من بينها مسدسات وقنابل انشطارية.

اقرأ المزيد: إسرائيل تعلن نتائج التحقيقات حول “الشابة الباحثة عن المغامرة” في سوريا

كما روى كارلوس لـ”المجلة” تفاصيل اقتحام مبنى أوبك، وأن النقاش كان يتولى تغطيته أثناء الاقتحام، وفي سير التفاوض تحدث كارلوس عن موضوع فدية الـ 50 مليون دولار التي اقترحها الوزير الإيراني خالتباري.

بينهم بشار الأسد.. تعزية من إيران وحلفائها

عبّرت تيارات “المقاومة والممانعة” عن حزنها لخسارة “المناضل الكبير”، وهو أمر غير مستغرب من إيران وحزب الله في طبيعة الأحوال، ولكن بشار الأسد، وهو الذي تحدّثت وسائل إعلامية عدّة عن مفاوضات لنظامه مع إسرائيل وتركيا، للحصول على إمدادات بالقمح أو لقاحات كورونا، قام هو الآخر بالتعزية، في واحد من الأدوار المحدودة إعلامياً والتي تذكّر بكونه رئيساً للنظام السوري.

النقاش والاسد

وجاء في نص البرقية: “ببالغ الحزن والأسى، تلقينا نبأ وفاة المفكر والمناضل العروبي أنيس نقاش…ونتقدم إليكم وإلى جميع المناضلين والمقاومين الأحرار، بأحر التعازي القلبية…سائلين الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنانه، وأن يلهمكم الصبر والسلوان”.

كما ورد في البرقية: “لقد أمضى الفقيد حياته مقاوما ضد الاحتلال وأتباعه في منطقتنا، ومدافعا عن القضايا العربية بجسده وبفكره، فكان وسيبقى دائما أحد الرموز المشرفة التي ستخلد في الذاكرة العربية لتستلهم منها الأجيال معنى التمسك بالأرض والدفاع عنها، والنضال من أجل القضايا المحقة”، مشيراً إلى أنه “كما احتضنته دمشق في أيامه الأخيرة، فإن الشعب السوري سيحتضنه في وجدانه، على الدوام ذكراه العطرة”.

مسيرة أنيس النقاش”، هي جزء من استراتيجية بنى النظام السوري عليها أسس منظومته، والتي اعتبر بموجبها بشار الأسد رئيس النظام السوري كلّ طفل إسرائيلي مشروع عدو يجب إبادته، لينسحب المشهد على الأطفال السوريين، فكلّ طفل لا يرضخ ذووه لأجندات النظام هو مشروع متمرّد يستحق القتل.