أستانا.. “قلة هيبة”

غسان المفلح
غسان المفلح

بالحوراني يقولون” سبعك ما أقل هيبتك”، أو بالحوراني الأردني “سبعك من دون ربعك”. سبعك تعني قبح الله وجهك أو سود الله وجهك. ذلك عندما يأتي أحدهم بفعلة (مخزية) أمام الآخرين (كالسرقة أو الكذب أو الغش أو النفخة الكذابة). سبعك ما أقل هيبتك، ذكرتني بمن قالت “كثر القصف الإسرائيلي لسوريا يقلّل الهيبة”، لهذا لوفد المعارضة أقول “سبعكم ما أقل هيبتكم”. أستانا

هذا بالطبع ينطبق على وفد النظام الأسدي أيضاً. هذا بالنسبة لنا كسوريين تجاه سوريين آخرين شاركوا بأستانا، لكن أكثر من تنطبق هذه الشتيمة على رعاة أستانا، روسيا وإيران وتركيا. نعم “سبعكم ما أقل هيبتكم”. تجتمعون وأمريكا تقرر، وزاد في الطنبور نغماً هذه المرة أنّ أمريكا رفضت حتى إرسال مراقب للمؤتمر. بالمحصلة وفقاً لهذه المقدمة الحورانية “أستانا كله قلة هيبة”، أستانا 14 أو لا أعرف الرقم بالضبط على كثرها.

مع ذلك قلنا عسى ولعلّ أن ينتج خيراً على مبدأ نصف الكأس الفارغ. بعد انتهاء المؤتمر ورؤيتي للبيان الختامي وجدت الاتفاق على نقطتين: الأولى، تثبيت مناطق خفض التصعيد، يعني الثلاثي لا يريدون حرباً فيما بينهم. الثانية، رداً على الأمريكان، بخصوص منطقة شمال شرق سوريا واتفاقهم على التوصل إلى الأمن والاستقرار، ورفضهم جميع المحاولات لخلق حقائق جديدة على الأرض، وعبروا عن إصرارهم للتصدي للخطط الانفصالية في منطقة الفرات، والتي تهدف إلى تقويض وحدة سوريا وتهدّد الأمن القومي لدول الجوار. إذا صدقوا في الأولى يكون الأمر كما ذكرت في أكثر من مناسبة، أنّ امريكا لا تريد أية زحزحة على القائم، أمنياً وعسكرياً، في المناطق الثلاث، وكما ذكرت أيضاً إنّ القصة في تزمين هذا الوضع أمريكا وهو ما يلوح في الأفق، حيث اكتفى الأسد بما باعه.

أما في الثانية، هنالك هاجس تركي من قصة سيطرة حزب العمال الكردستاني في تركيا على الجزيرة السورية بحماية أمريكية، إضافة إلى أنّ بوتين لا يعرف كيف يخرج من هذا الوضع، إنّه تعهد بإعادة سوريا إلى ما كانت عليه قبل 2011، بدء انطلاق الثورة. كذا الحال إيران، لكن إيران بخلاف روسيا إذا استطاعت تمرير عودة أمريكا للاتفاق النووي، فإنّها ستجد طريقاً للجزيرة السورية. بوتين يريد سوريا قبل عام 2011 تحت نفوذه، وإلا سيعتبر هذا فشلاً ذريعاً. أما إيران فيكفيها أن تكون طرفاً قوياً في سوريا. تركيا راضية وفقاً لميزان قواها وعلاقتها مع بقية الأطراف بقسمتها. لكن بالمقابل، ما يجمع هذه الأطراف غير قلة الهيبة، أنّهم ينتظرون إدارة بايدن وما ستقوم به. هنا لابد من سؤال الأتراك، هل تمثّل المعارضة التي حملتموها معكم إلى أستانا هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقاً”؟ أي هل “لأبي محمد الجولاني” ممثل فيها؟ أم ما تزال العباءة الأمريكية تغطيه؟ خاصة أنّ الأمريكان منذ أكثر من سنة وهم يقومون بتصفية من انشقوا عن الجولاني، أقصد تنظيم حراس الدين في ريف إدلب. هذا السؤال موجه لوفد المعارضة أيضاً.

قلة الهيبة أيضاً لهذه الأستانا، تتجلّى أنّ أطرافها الثلاثة تتشارك فقط في ثلثي مساحة سوريا أو أقل، لهذا هي تحاول أن تتماسك على ما تشارك به على ما باعها الأسد لها. وأتى بهم شركاء مساهمين بالمقتلة بشكل مباشر (روسيا 2015، إيران2011) أم غير مباشر (احتلال تركيا لعفرين 2018). حيث باتوا جزءاً من مستقبل سوريا، أمنياً وسياسياً واقتصادياً. ليس أدلّ على ذلك تعيين مدير جديد لمرفأ طرطوس بعدما باعه الأسد للروس. فيما يقول الصحفي المختصّ بالشأن الروسي “طه عبد الواحد” لـليفانت نيوز: “جاء تعيين غايسين أيرات رايفاتوفيتش، كمدير روسي لمرفأ طرطوس، بموجب اتفاقية مع النظام السوري منحت روسيا المرفأ (استئجار) لمدة 49 عاماً، وأعلن عنه يوري بوريسوف، نائب رئيس الوزراء الروسي، في أعقاب محادثاته مع رأس النظام في دمشق ربيع 2019″، بالمقارنة مع قاعدة حميميم والتي رأى أنّ توسيعها “جاء بموجب الحقوق المطلقة التي منحها النظام للروس، في تلك القاعدة بموجب الاتفاقية ذات الصلة”. هذا ما ورد في تقرير عن الموضوع للصحفية نور مارتيني. هذا مثال حدث منذ أيام.

تأكيداً لهذه الشراكة أو صفقة البيع الأسدية، بالجملة والمفرق، هذا أيضاً غير كاف بالنسبة للأمريكان، فهم يراقبون ويتابعون ما يجري في مناطق أستانا من تطورات وصفقات. “قلة الهيبة” عنوان لأستانا. أستانا

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح