في أربعينية الكاتب والمفكر الكُردي عزّ الدين علي ملا

المفكر الكُردي عزّ الدين علي ملا

الأخوات والأخوة الأعزاء تحياتي لكم وشكراً على مداخلاتكم القيمة في رحيل ابن عمي وعميد العائلة والمربي والكاتب والمفكر الكردي الكبير “عز الدين علي ملا” رحمة الله وأسكنه فسيح جناته.. ولكم طول البقاء. الكاتب 

لقد مضى أربعون يوماً على رحيله، فأردت أن أكتب بعض الكلمات عنه بمناسبة الأربعينية:

المرحوم عز الدين علي ملا من مواليد حي الأكراد 1930، وتوفي في 16-12-2020، وولد من أبوين كرديين يرجعان في جذورهما إلى بلدة بدوان العليا من أعمال چرموك التابعة لدياربكر، فكان يفكر وينتهج بما يفكر به كل كردي في كل جزء من وطنه وموقعه، وبنفس الوقت كان يناصر ويحترم كل شعب وكل مبدأ -مهما كان لونه- من أجل الحرية والحياة الكريمة.

نشأ المرحوم عز الدين علي ملا في حي الأكراد بدمشق ببيوته الطينية المتساندة والمتراصّة على مجرى نهر يزيد وسفح جبل قاسيون، في مرحلة صعبة جداً، حيث كان الحي يعاني العوز والفقر والعزلة والبطالة والإهمال والتخلف المخطط له في أعلى مستويات السلطة في سورية وليس لسبب سوى أنّ أهالي حي الأكراد ينتمون للشعب الكردي، ولذلك كان لابد للأستاذ عز الدين علي ملا من التسلح بإرادة فولاذية ليشق طريقه كرجل عصامي اعتمد على نفسه في كل شيء، وخلال أعوام قليلة عرف أنّ الإنسان الذي يتسلّح بالعلم والمعرفة هو الإنسان الناجح في حياته المهنية والاجتماعية.

أنهى الأستاذ عز الدين علي ملا المرحلة الابتدائية في مدرسة الملك العادل، والإعدادية والثانوية في مدرستي الصناعة والتمدن العربي الإسلامي، ومن ثم تخرج من دار المعلمين الابتدائية في دمشق، وبعدها حصل على شهادة الصحافة من الدولة المصرية، وزاول الكتابة في المجلات والصحف السورية واللبنانية والمصرية، ثم حصل على الإجازة في التاريخ من جامعة دمشق.

في العام 1957 كان الأستاذ عز الدين علي ملا أستاذي حينما كنت في الصف الخامس الابتدائي، وكان أستاذاً متميزاً يشرح دروسه شرحاً وافياً وجميلاً، وكان محبوباً من قبل التلاميذ والأساتذة لأنّه كان يعامل الجميع معاملة الأخ لأخيه، وبنفس الوقت كان العدل والإنصاف عنده من الأمور التي لا هوادة فيها.

وفي يوم، كان التلاميذ يتوافدون على المدرسة (مدرسة الملك العادل) وكان مرحاض المدرسة عند المدخل الرئيسي مباشرة، وإذ بصوت مدير المدرسة يصرخ من المرحاض، فتدافش التلاميذ إلى المرحاض وكنت بينهم، لنرى سبب الصراخ فكان مدير المدرسة يطلب النجدة ويقول “يا أبو حسين ويا أبو عنتر” (كانوا حرس الباب الخارجي لكي لا يخرج التلاميذ بدون إذن) ويقول لهما خلصوني.. خلصوني.. فذلك المنظر ما يزال معلقاً في مخيلتي حيث كان الأستاذ عز الدين يحمل مدير المدرسة (الذي كان سميناً جداً، ولكن على ما بدا أنّ الأستاذ عز الدين كان قوياً جداً حتى استطاع حمله)، وساعياً لرميه في فتحة المرحاض، وكاد مدير المدرسة أن يصل إلى البراز، إلا أنّه كان يمسك بيديه ورجليه جدران المرحاض لكي لا يصل إلى البراز.. وفي تلك اللحظة وصل الحراس وخلصوه قبل أن يقع بالمرحاض بثوان.. وكان سبب ذلك أنّ الاستاذ عز الدين كان يطلب مساعدة التلاميذ الفقراء في المدرسة من فائض الميزانية، ولكن مدير المدرسة كان يرفض في كل مرة، فلم يجد الأستاذ عز الدين سوى استعمال القوة معه، وعلى أثر ذلك تم نقل مدير المدرسة.. وفيما بعد أصبح الأستاذ عز الدين مديراً للمدرسة مكافأة له على اهتمامه بالصالح العام وخاصة مصلحة التلاميذ الفقراء.

والأهم هو أنّ هذه الحادثة رفعت معنويات التلاميذ وبدا عليهم التضامن القومي مع الأستاذ عز الدين، وبعد أن انتهى الدوام في ذلك اليوم جمعت أكثر من عشرين تلميذاً متحمساً وتوجهنا إلى البساتين المجاورة، وعقدنا اجتماعاً، وأسست أول جمعية كُردية في حي الأكراد.. وكان الأستاذ عز الدين سبباً في استعجال ظهور الجمعية وإن كان هو لا يعلم شيئاً عنها.

وبالرغم من الظروف الصعبة التي عاشها أهالي حي الأكراد، إلا أنّ الأستاذ عز الدين عمل بجد وبدون كلل أو ملل من أجل تأمين حياة أفضل لعائلته، وبنفس الوقت لم يتوقف عطاؤه لخدمة الصالح العام ومجتمعه، ومن خلال ثقافته العالية وهب جانباً كبيراً من جهده ووقته وماله في خدمة اللغة والثقافة الكردية، من أوسع أبوابها، في كتابة دراسات وبحوث علمية وتاريخية وأدبية متزنة وراقية أخذت حيزاً ومقاماً واعتباراً من الدرجة الأولى في الأدب التراث والثقافة الكردية.

كما أنّ كتاباته الرائعة عن اللغة والثقافة والتاريخ الكردي في ظل النظام السوري القمعي والقومي العربي، الذي لا يسمح بوجود قومية أخرى، كان لا يستوجب من الأستاذ عز الدين شجاعة فائقة وفريدة من نوعها فقط، بل يستوجب إرادة فولاذية أيضاً.

لم يترك ابن عمي المرحوم عز الدين علي ملا فرصة إلا وكان فيها الباحث والدارس لكل صغيرة وكبيرة في المجتمع الكردي.. وكانت واحدة من هذه الفرص التي أتذكرها، حينما شارك أساتذة دمشق من أجل القيام برحلة جماعية في حافلة كبيرة إلى أوروبا الشرقية في العام 1972، وحينما عاد الأستاذ عز الدين من الرحلة اتصل بي وقال لي “يا ابن عمي إنّ نشاطات الطلبة الكرد في البلدان الأوروبية أكثر من رائعة”، وأخبرني أنّه التقى بهم واستفسر عن أحوالهم وحياتهم ونشاطاتهم، كما أخبرني أنّهم يرسلون تحياتهم لي وقسم منهم يعرفونني شخصياً.. وأتذكر يومها تحدثنا طويلاً بتفاصيل رحلته وتقييمه لما رآه الذي لا يدل على أنّه قام برحلة ترفيهية وسياحية أبداً، بل أنّه قام برحلة معرفية واستكشافية لا يمكن لأي شخص عادي أن يقوم بها.

لقد كنت على اتصال دائم مع ابن عمي الغالي والعزيز ساكن الجنان، الأستاذ عز الدين، وبدون انقطاع عن طريق الهاتف وبالرسائل المكتوبة على طول سنوات غربتي.. وبالحقيقة إنّ رحيله أحدث فراغاً كبيراً في حياتي الشخصية والنضالية، حيث لا يمكن أن أنساه أبداً، لأنّي دائماً أكرر ما كان يقوله لي حتى وفي أشد المسائل جدية وحساسية، فلم تكن تتغير نبرة كلامه الحلو معي وحنانه الأخوي الرائع، وقد أحببته حباً كبيراً ومن القلب والفكر والوجدان كما أحبني بالضبط.

ومن أعمال الأستاذ عز الدين التي أرسلها لي شخصياً كما يلي، ولربما هناك غيرها من النتاجات أيضاً لا أعلم بها:

1- كتاب تاريخ حي الأكراد، الذي كتبه حينما وجد التغيير الكبير في الوجه الجغرافي والحضاري لحي الأكراد، وهو كتاب استوجب منه نضالاً ميدانياً وجهداً كبيراً جداً من أجل استحضار صور الماضي بما يحويه من أحاسيس ومشاعر وتاريخ وشخصيات حي الأكراد، وفي كافة الميادين.

2- الموسوعة اللغوية والمعرفية بين اللغتين العربية والكردية (قاموس عربي-كُردي)، وكل عمل ضخم مثل هذه الموسوعة بحاجة إلى عدد لا يستهان به من الاختصاصيين، بينما قام الأستاذ عز الدين به لوحده.

3- كتاب من الأساطير الكردية، الذي كتبه الأستاذ عز الدين بأسلوب أدبي سلس وشيق.

4- شجرة العائلة، حيث عمل الأستاذ عز الدين سنوات على إخراجها وشرح جذورها في شمال كُردستان وتفرعها بعد الهجرات المتعددة إلى سورية.

والجدير بالذكر، أنّي حينما أجريت عملية جراحية في القلب في العام 2015، أخبرني المستشفى أن أجلب معي بعض الكتب للقراءة والتسلية، لأنّ فترة النقاهة بعد العملية ستكون لعدة أيام بلياليها الطويلة جداً.. فلم آخذ معي إلى المستشفى سوى كتاب واحد، وهو كتاب تاريخ حي الأكراد الذي ألفه ابن عمي وأستاذي عز الدين أبو علاء، فكتاب تاريخ حي الأكراد لم يكن أنيسي وجليسي في المستشفى فقط، بل دائماً أقرأ فيه، ولربما قرأته أكثر من ست أو سبع مرات، لأنّ الكتاب يسرد بأسلوب جميل الحياة في حي الأكراد وكأنه فيلم سينمائي رائع.. ولربما لا يكون كذلك للذين يعيشون في حي الأكراد، ولكن بالنسبة لي وكلما طالت غربتي تقدمت بي السن ازداد تعلقي بالكتاب، وخاصة أنّ غربتي وبعدي عن حي الأكراد الذي نشأت فيه قد قاربت من الأربعين عاماً على فراقه وفراق الأهل والأصدقاء الأعزاء فيه.

أما غربتي الطويلة، فهي بسبب تمسكي بهويتي الكردية ونضالي من أجل قوميتي الكردية، فحينما فشلت المخابرات السورية في إخضاعي كما أخضعت غيري (بعد أن اعتقلتني في ستينيات القرن الماضي ولاحقتني في السبعينيات والثمانينيات)، فقد عملت على فبركة الدعايات المغرضة ضدي والبعيدة كل البعد عن القومية الكردية، من أجل الإساءة إلى شخصيتي الفولاذية، وما تزال إلى اليوم تبثّ سمومها، والأسوأ أنّ هناك الكثير من الأغبياء من يضع البهارات على دعاياتها، أيضاً، تودداً للظلم والعدوان.

إنّ غربة بطل الملحمة اليونانية الشهيرة الإلياذة لـ”هوميروس” استمرّت 20 عاماً، كما أنّ قصة “روبنسون كروزو” بعد أن غرقت سفينته التجأ إلى جزيرة خالية من البشر وبقي فيها بعيداً عن وطنه لما يزيد عن 27 عاماً… إلا أنّ النبي موسى عليه السلام قد ضرب الرقم القياسي في الغربة هو وبني إسرائيل في ضياعهم 40 عاماً في صحراء التيه، كما ذكرهم القرآن الكريم، والذي أرجوه من الله تعالى العودة إلى حي الأكراد وألتقي بمن بقي من الأهل والأقارب والأصدقاء الأعزاء قبل أن يأخذ الباري أمانته، وخاصة أنّي لست بحاراً ولا يونانياً ولا من بني إسرائيل حتى أضرب الرقم القياسي للنبي موسى في الغربة.. فالعيش في الغربة ظلم ما بعده ظلم يجب أن يكون له حدود، والحقيقة أنّي لم أعد أستطيع تحمل توديع الأعزاء الواحد بعد الآخر وعن بُعد أيضاً، دون أن أراهم النظرة الأخيرة.

وإنّي أعتقد أنّ الإنسان لا يموت دفعة واحدة، بل يموت بالتدريج كلما فقد عزيزاً.. وأنّي فقدت كثيراً من أعزائي الذين عرفتهم شخصياً، وهذا يعني أنّي فقدت الكثير من كينونتي ووجودي واقتربت كثيراً من النهاية، ومن الذين فقدتهم في السنوات القليلة الماضية فقط، كل من الأعزاء البروفيسور جمال رشيد أحمد، أستاذ التاريخ الكردي القديم في جامعة هولير، والبروفيسور جمال نبز، والمهندس فرهاد بهلوان، والبروفيسور محمد صالح گابوري، وعبد العزيز الحاجي، زعيم جبل الأكراد في شمال اللاذقية، وأخي الكبير زياد ملا، وابن عمي الغالي عز الدين علي ملا… وجميعهم وإن رحلوا إلا أنّهم تركوا لنا تراثاً كردياً حقيقياً وقيماً ستفتخر الأمة الكردية به إلى الأبد.

رحمهم الله جميعاً وأسكنهم فسيح جناته وألهمني وعوائلهم وأقاربهم ومحبيهم الصبر والسلوان على فراقهم. الكاتب 

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ليفانت– صفحة الدكتور جواد الملا 

جواد الملا