عن مرض الطائفيّة في سوريا

طارق عزيزة
طارق عزيزة

كثيرة الأوهام التي راجت في النقاشات والكتابات السياسية حول سوريا، منذ نشأة الكيان السوري الحديث، واستمرت ردحاً من الزمن. إنكار الطائفية في المجتمع السوري كان أحدها. لا يغيّر من الأمر أن يكون مردّه قياس المجتمع السوري على نظيره اللبناني، أو أنّه نجمَ عن طهرانية بعضهم الساذجة، أو سوء نيّة تستبطن موقفاً طائفياً مضمراً لدى بعضٍ آخر. فتراجع مظاهر الطائفية أو كمون أسبابها إلى حين، فضلاً عن إنكارها، لا يلغي وجودها الواقعي أو يعفي من ضرورة البحث فيها وتحليلها لتجاوزها. الطائفيّة 

خارطة التوزّع الديموغرافي على أساس الانتماء الديني والمذهبي في المناطق السوريّة عموماً، وضمن كبريات المدن الرئيسة (باستثاء الأحياء الحديثة وأحزمة البؤس، فهي غالباً ما تضمّ أخلاطاً متنوّعة الانتماءات)، ليست مسألة جغرافية فحسب. إنّها وقائع تقول الكثير عن الطائفية في المجتمع، وكان لها ما يقابلها في الاجتماع السياسي خلال قرون من حكم العثمانيين، الذين صاغوا مجتمعات البلدان التي حكموها، ومنها سوريا، وفق “نظام الملل”، وتعاملوا معها بوصفها تتكوّن من طوائف ومذاهب. وعبر الزمن تعمّقت الحدود بين الطوائف المتشكّلة سياسياً وكرّستها السلطات الانتدابية، ثمّ لم تفلح دولة الاستقلال بإزالة الحواجز الطائفية. قوانين “الأحوال الشخصية” تؤكّد ذلك، وأيضاً “جرائم الشرف” المرتكَبة عقاباً على زيجات عابرة للطوائف.

مع التعفّن والتفسّخ الذي أصاب الجسد السوري خلال الحكم الأسدي البغيض وبفعله، فاحت روائح الطائفية لدرجة لم يعد ينفع معها تجاهلٌ أو إنكار. غير أنّ الانتقائية والتبسيط والاختزال، كثيراً ما طغت على ما قيل وكُتب حول الطائفية في سوريا. يعود ذلك، في الغالب، إلى منطلقات أيديولوجية أو تفكير سياسوي اختزالي، لا يرى أصحابه (أو لا يريدون أن يروا) من عناصر المشكلة المركّبة سوى ما يتوافق مع الهوى الأيديولوجي أو الموقف السياسي لكلّ منهم، فيربطون الطائفية، وجوداً وعدماً، بعامل واحدٍ، ديني أو سياسي أو ثقافي أو “خارجي”، دوناً عن بقية العناصر وعلاقاتها الجدلية المفضية لتفشّي المرض.

ويحصل أن بعض “النخب” السورية يحصر تهمة الطائفية في جماعة بعينها، وينفيها عن غيرها، وهو موقف طائفيّ بامتياز لدى هذا البعض، مهما ادّعى غير ذلك. وقد لاحظ ياسين الحافظ أنّ الأيديولوجيا الطائفية، بما تمثّله من “بناء فوقي” موروث من مجتمعات تقليدية ذات شروط معينة ونمط إنتاج شبه بدائي، تتعزّز وتتدعّم حتى في صفوف المثقفين الأكثر “حداثة”. ومن ثمّ، فإنّ “مثقفي” وسياسييّ الطوائف يتعاملون بكثير من الخفّة والاستهتار مع ظاهرة غاية في الخطورة والحساسيّة كالطائفية، انطلاقاً من زاوية المصالح الآنيّة الضيّقة، ويتلاعبون بـ”الورقة الطائفيّة” كلٌّ على طريقته، ووفق ما يخدم أهدافه. الطائفيّة 

لكن التاريخ والواقع وتجارب الشعوب تؤكّد أنّ كلّاً من العوامل السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية، حاسمٌ ولازمٌ بمقدار في عملية إنتاج الطائفية. فلا يكفي الشرط السياسي ما لم تتوفّر التربة الخصبة الأيديولوجيّة (الدينية منها خصوصاً) لنمو الطائفيّة في المجتمع، والعقائد الدينية وحدها لن تفضي إلى الطائفية بمعزل عن توفّر العامل السياسي الملائم. وبالتالي، لا مفرّ من تناولها جميعاً بالنقد، والتفكير في علاقاتها إذا ما أريدَ تجاوزها.

طوائف الإسلام، مثلاً، نشأت أساساً في سياق توظيف سياسيّ للدين، والصراع السنّي – الشيعي بدأ سياسياً خالصاً، مداره الصراع على السلطة، والعدّة الأيديولوجية/ الدينية المستخدمة فيه، أتت لاحقاً لشرعنة موقف كل فريق وبناء هويته المتمايزة، وتأصيل أحقّيته السياسية دينياً. ولايختلف الحال كثيراً لدى انشقاقات معظم الأديان وتفرّعاتها التي تبلورت كمذاهب وطوائف ناجزة عبر العصور.

نظام الأسد الاستبدادي الإبادي لم يكن بقادرٍ على إنتاج الطائفية بمفرده، وإن كان المسؤول الأول عنها في العقود الأخيرة من تاريخ سوريا. وكذلك تراث “السلف الصالح” وتاريخ الصراعات الدينية في المنطقة، وورثتها من جماعات الإسلام السياسي (بشقّيه السنّي والشيعي)، لا يكفي وجودها وحده لتفسير الواقعة الطائفية. لقد كان لا بدّ من تلاقح تلك العناصر وغيرها معاً على مراحل، وبصورٍ ومستوياتٍ عدّة، لينجم عن سفاح السياسة والدين مسخ الطائفية.

من يتوسّل الطائفية في مشروعه السياسي يلغي وجود الأفراد سياسياً ويستعيض عنهم بالطوائف، فيدمّر المجال السياسي والمدني، ويضفي على الصراع السياسي بعداً دينياً زائفاً. هذا ما فعله نظام الأسد وداعموه والمعارضة الإسلامية وداعموها، كلّ بطريقته ولأسباب وأهداف متباينة. ومن البديهي أن التفكير السياسي العقلاني المبني على المصالح المشتركة للأفراد يضمر عندما يستشري المرض الطائفي، فيعلو صوت الغرائز ويُطمسُ الحسّ النقدي. هكذا تصبح الانتهاكات بطولات والتعصّب فضيلة، والسلوك الفاشي نهجاً يستهدف “جماعات” بأكملها، يُعاقَب أفرادها على “تهمة جماعية” أُلصقت بهم.

الصراع الذي يحرّكه المنطق الطائفي لن ينتج سوى سلطة معادية للديمقراطيّة، تبقي على الطائفية إطاراً للصراع السياسي، لتقتات عليها وتتلاعب من خلالها بالمجتمع. ولمّا كانت المواطنة نقيضاً للطائفية، وبما أنّها تجسيد واقعي للعلمانية، بما تعنيه المواطنة من تساوٍ بين جميع مواطني الدولة، أيّاً تكن معتقداتهم وانتماءاتهم، وتشكّل أساس هوية الفرد الوطنية، بما يتبعها من علاقات مدنية وسياسية وواجبات أخلاقية والتزامات قانونية، فلا سبيل لتجاوز الطائفية بغير مشروع علمانيّ ديمقراطيّ. الطائفيّة 

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت