روسيا وتركيا.. التناقضات والمصالح

رامي شفيق
رامي شفيق

بدت نهاية العام الماضي، مثيرة ولافتة إلى أقصى درجة، وذلك على خلفية الاجتماع المغلق لوزراء خارجية حلف شمال الأطلسي، في بروكسل، في الثالث من كانون الأول (ديسمبر) الفائت، وقد شهد مشادة قوية بين وزيري خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، إذ اعتبر الوزير الأمريكي أنّ تصرفات الأخير تعبث بروابط حلف الناتو، من خلال شراء أنقرة صفقة سلاح روسية، تمثّلت في منظومة الدفاع الجوي s400، وجاءت التصريحات العنيفة من مايك بومبيو لنظيره التركي كمقدمة لجملة العقوبات التي فرضتها واشنطن، ضد وكالة المشتريات الدفاعية التركية.

ما جرى بين واشنطن وأنقرة نتيجة شراء الأخيرة صفقة الأسلحة الروسية، يعكس بوضوح شديد طبيعة العلاقات المعقدة، خلال السنوات الأخيرة، والتي كشفت عن طبيعة المصالح المتناقضة والمركبة، وكذا المتحركة بفعل تفاوت الأهداف الجيوسياسية، والتي تضفي سماتها الخاصة والمميزة على تركيبة العلاقات الدولية، خاصة في ظلّ سعي قوى دولية وإقليمية، نحو استثمار مناطق الفراغ التي نتجت عن انحسار النفوذ الأمريكي، في عدد من مناطق الصراع في الشرق الأوسط ، سواء كان ذلك في سوريا أو ليبيا.

من الأهمية بمكان سبر أغوار التناقضات، فيما يتّصل بالتنافس الإقليمي، وكذا الصراع بين أنقرة وموسكو، بيد أنّ تلك التناقضات تبدو واضحة لأقصى درجة عند تموضع تركيا كنقطة بالغة الأهمية في الاستراتيجية الأمريكية، المناهضة للحضور السوفيتي، زمن الحرب الباردة، ثم دورها الوظيفي الراهن كمندوب لواشنطن، عليه تحقيق حضورها البديل (والوظيفي)؛ لجهة مواجهة محاولات (موسكو-بوتين) إعادة التمركز في النقاط الساخنة، ذات الأثر الاستراتيجي.

يقيناً، لا ينبغي الوقوع في كمين مساحات التعاون فيما بين موسكو وأنقرة، دونما الالتفات نحو المصالح الحقيقية التي تقرّب خصمين لدودين، إذ إنّ المتغيرات الإقليمية والدولية دفعت الخلافات العنيفة فيما بينهما جانباً، لحساب المصالح التي نشأت عبر التناقضات الإقليمية في المشهد السوري أو الليبي.

وتأسيساً على ذلك؛ يمكننا فهم بواعث طموح موسكو المتنامي، وتحركات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، المحمومة، ميدانياً وعسكرياً وسياسياً، في ساحات الصراع المعنية بإيجاد نقاط نفوذ في منطقة البحر المتوسط، الأمر الذي يدفع روسيا وبوتين نحو التنسيق المستمر مع الدول المعنية والفاعلة في هذه المنطقة المتخمة بالمصالح والصراعات وبنفس الدرجة بالثروات.

ويضاف إلى ذلك، تحرّك موسكو في سوريا وليبيا عبر التشابك والتفاعل مع الانخراط التركي في الساحتين الأخيرتين، الأمر الذي يبرز التناقض في الأهداف والمصالح فيما بينهما، لا سيما في ظل حضور أنقرة مع الفصائل العسكرية التابعة لها في شمال سوريا، أو عبر اتفاقياتها الاقتصادية والأمنية مع حكومة الوفاق في ليبيا، وكذا رعايتها لعدد لا محدود من المرتزقة في ساحات الصراع المختلفة.

تمارس أنقرة وموسكو لعبة شديدة التعقيد، في إطار ضبط منسوب علاقاتهما مع واشنطن، بيد أنّ الأخيرة تراهن على كونها الإمبراطورية الأولى التي تقدر على ضبط سلوك الخارجين عن إرادتها بفرض العقوبات، غير أنّ ذلك لم يستطع أن يفرض إرادته على التعاون السياسي والعسكري فيما بين تركيا وروسيا.

وعبر ذلك تتمسك أنقرة بأقصى ما تستطيع بخيوط التواصل مع روسيا، للضغط على واشنطن لحصد المكاسب، خاصة في ظل التقارب الذي جمع بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، الأمر الذي يفرض سياقاً مختلفاً فيما بين الرئيس المنتخب، جو بايدن، وأردوغان، خلال سنوات ولايته الأولى، التي ستبدأ في العشرين من شهر كانون الثاني (يناير) الجاري.

بيد أنّ روسيا تنظر إلى أنقرة باعتبارها الخصم الذي يجب أن يتمركز في حلفها تكتيكياً، وتبدو مساعيها ناجزة كلما استطاعت موسكو أن تبتعد بأنقرة عن الحلم الأمريكي، وذلك في إطار تحقيق جملة من المكاسب السياسية التي تذهب نحو حلحلة حلف شمال الأطلسي الناتو، عبر تعميق التعاون والتقارب الروسي التركي من خلال مجالات عديدة.

يمتد التناقض أيضاً ويتصل في إطار العلاقات الروسية التركية، عبر تبنّي ودعم أنقرة لتنظيمات الإسلام السياسي، في الشرق الأوسط وشمال وغرب أفريقيا، وكذا توفير ملاذات آمنة لعدد من قيادات تنظيمات الإسلام الراديكالية، ثم دفعها لعدد لا محدود من المرتزقة نحو ساحات الصراع المشتعلة، بينما يمثل توظيف الإسلام في السياسة، خصماً استراتيجياً في السياسة الروسية، من خلال ذاكرتها التاريخية وتجربتها السياسية في الشيشان، وما يرتبط بحال ومآلات حلفائها في الجمهوريات السوفيتية الإسلامية السابقة، أو بتحالف تلك التنظيمات مع الدوائر السياسية والأمنية الغربية، التى تراها موسكو دوماً أنّها كانت وما زالت تعمل ضد مصالحها وأهدافها الاستراتيجية.

غير أن ثمة عوامل أخرى عديدة برزت في ظهور قلاقل في علاقات موسكو وأنقرة، وجاء أبرز وأهم هذه النقاط في خلافهما الرئيس في منطقة إدلب، وقدرتهما على حسم هيئة مقدار ومصالح كل طرف في الملف السوري، فضلاً عن موقفهما المتناقض في ليبيا، خاصة في نقطة سرت التي تقف كنقطة موازية لنقطة طريق m4 في محافظة إدلب، وما يرتبط بطموح تركيا وروسيا في مجال الطاقة والتنقيب عن ثروات شرق المتوسط، فضلاً عن تحركات أنقرة المرتبطة بالغاز في أذربيجان وقطر، خاصة بعد تراجع مبيعات الغاز الروسي إلى تركيا لأدنى مستوى لها، حيث وصلت نحو 42 % بما يعادل 9 مليار متر مكعب، وذلك بحسب بيانات صحفية نشرت خلال الربع الأخير من العام المنصرم 2020.

تستقرّ بعض الآراء في توقع تراجع صادرات الغاز الروسي إلى تركيا صوب عدة عوامل، أدّت لهذا التراجع، وفي مقدمتها يأتي ارتفاع أسعار الغاز الروسي وتحول تركيا للبحث عن مصادر جديدة خاصة بعد الأزمة العنيفة التي ضربت العلاقات الروسية التركية جرّاء إسقاط الطائرة الروسية، فضلاً عن تحرّك تركيا نحو إنشاء محطتين لشراء الغاز الطبيعي المسال. غير أنّ ذلك كله لا يمنع كون أنقرة تسعى بشكل رئيسي نحو تحقيق الوصول كمنصّة لتوزيع الغاز إلى الدول الأوربية، الأمر الذي يشكل في ذاته إضراراً بالمصالح الروسية، حيث يحول أنقرة إلى منافس حقيقي بالنسبة لموسكو على السوق الأوروبية.

هذا المشهد المرتبك في علاقات تركيا وروسيا يبرز إلى حد كبير حجم التناقض الشديد في المصالح والخلافات التي تؤصل لتاريخ وراهنيه علاقات الطرفين ببعضهما، فضلاً عن رغبتهما في الانطلاق من عمق المتغيرات التي عصفت بمفهوم العلاقات الدولية، الأمر الذي يدفعهم نحو تحرير زاوية الخلافات في ما بينهما، حتى يسمحا دوماً بالمرور الآمن للمصالح دون الاصطدام الحتمي.

رامي شفيق

ليفاتت- رامي شفيق