تحديثات صادمة.. محقّقٌ من الشرطة الجنائية لا يستبعد صحة شهادة حفَّار القبور

محاكمة كوبلنز
محاكمة كوبلنز

ليفانت- لونا وطفة

بعد انقطاع ما يقارب العشرين يوماً، تعود جلسات المحكمة ابتداء من السادس والسابع من الشهر الأول لعام 2021، لاستكمال محاكمة المتهمين أنور رسلان وإياد الغريب، بجلسات تم تنظيمها هذا العام، والتي ستعقد يومي الأربعاء والخميس من كل أسبوع، حتى الشهر الخامس مبدئياً من هذا العام.

أعربت القاضية الرئيسية في هيئة القضاة، السيدة كيربر، في بداية الجلسة الأولى لهذا العام عن تمنياتها بأن يكون عاماً سعيداً وأفضل من سابقه، قبل أن تباشر الحديث مع الشاهد، الذي كان سورياً ومدعياً على المتهم رسلان بالحق المدني أيضاً.

شاهد على اعتقال مسؤول في الحزب الحاكم وإمام مسجد

بدأ الشاهد بالحديث عن تجربته في معتقلات الأسد وخاصة فرع الخطيب موضوع المحاكمة، إذ أنه كان طالباً جامعياً يدرس الأدب الفرنسي ولم يكن لديه أي خوفٍ من المرور على حواجز النظام يومياً، عشرات المرات في طريقه إلى الجامعة أو إلى عمله، إلى أن جاء اليوم الذي تمّت فيه  مداهمة منطقتهم التابعة للغوطة الشرقية، واعتقال الكثيرين، ومن بينهم الشاهد، وإمام مسجدٍ بالإضافة إلى مسيؤول في الحزب.

اقرأ المزيد: بتزكية من رياض سيف..أنور رسلان لاجئ سياسي في ألمانيا

“أتذكر هذين الشخصين خاصة لأنهما كانا من أصحاب المكانة المرموقة، وتوقعت أن يكونا محترمين من الدولة، إلا أنّهما لم يسلما من الضرب والتعذيب والإهانات” قال الشاهد.

وعندما سأله القضاة عن سبب المداهمة واعتقال عددٍ كبيرٍ من المدنيين، أجاب: “لأنها منطقةٌ خرجت فيها مظاهرات كثيرة مطالبة بالحرية، كانوا يريدون أن يقمعوا المظاهرات وألَّا يسمحوا لأحدٍ بالتعبير عن رأيه، إنهم لا يريدون أن يفكر الناس بشيء ولا أن يطالبوا بشيء”.

تذكر الشاهد جيداً ماحدث معهم أثناء نقلهم في الباص باتجاه الفرع الأمني، وكانوا قرابة الأربعين شخصاً. حيث ضُرِب هو بخوذةٍ على رأسه حتى غاب عن الوعي، وأحدهم غُرِزَ نصل السلاح في قدمه بواسطة أحد العساكر، الذي قام بعد ذلك بتهديد الضحية بعدم القول أنه هو من قام بجرحه هكذا، والقول أنه هو من جرح نفسه بنفسه.

بعد وصولهم إلى فرع الخطيب واستقبالهم بالضرب كما العادة وخلع الملابس، أُدخِلَ الشاهد إلى الزنزانة حيث تعرف على “أبو الغضب” لأول مرة، حيث جلس لحظة دخوله ومدَّ قدميه واصفاً ما فعله “بأنه تصرفٌ قام به لأنه لم يكن يعرف النظام في هذا المكان بعد” فأنهال عليه السجَّان أبو الغضب بالضرب على ظهره.

شاهد على اعتقال أطفال قاصرين

تحدّث الشاهد عن رؤيته لطفلين في فرع الخطيب لم يتجاوزا الخامسة عشر من العمر، أحدهما أُتِيَ به وهو مصاب برصاصة في قدمه نتيجة مشاركته في المظاهرات كما خمّن الشاهد.

اعتقل هذا الطفل أثناء محاولته السفر إلى طرابلس في لبنان للعلاج، ولم يقدّم له أي علاجٍ في فرع الخطيب. “كان كلما حرَّك قدمه يبكي من الألم، فيصرخون به ليصمت أو سيأتون لذبحه وقتله” أضاف الشاهد للقضاة، وأخبرهم أنه لا يعرف ما هو مصيره لأن الشاهد نُقِل إلى إدارة المخابرات العامة والطفل كان ما يزال في فرع الخطيب. أما الطفل الثاني فكان الشاهد يعرفه لأنه ينحدر من منطقته، كان يتيم الأب ولم يعرف أيضاً متى أطلق سراح الطفل، ولكنه يعرف أنه مات هو وعائلته بعد خروجه، نتيجة قذيفة سقطت على منزلهم.

تجربة الاعتقال والتعذيب تركت آثارها النفسية والجسدية على الشاهد، إذ أخبر القضاة أن قدمه تغير شكلها وازداد حجمها منذ أن تعرض للضرب ولا يزال حتى الآن يعاني من الآلام إن كان البرد شديداً واختلالٍ في المشي، ومن الناحية النفسية فقد أصبح يتوتّر لمجرد رؤيته خلافاً بين شخصين، بل إنه شعر بالخوف حتى عندما طلبت الشرطة الألمانية منه هويته ذات مرة، إلى أن عاد لاستقراره النفسي نتيجة يقينه أن الشرطة هنا لا تشبه عناصر الأمن في سوريا بشيء، هناك، حيث القوي يأكل الضعيف كما وصفها.

بعد أن أشارت عليه القاضية كيربر بالنظر إلى المتهمين ومعرفة ما إن كان يستطيع تميزهما أم لا، قال الشاهد إن وجهيهما مألوفين بالنسبة له، ولكنه لا يستطيع أن يؤكد أن رسلان هو من حقق معه أو أن الغريب كان مسؤولاً عن تعذيبه.

في نهاية هذه الجلسة تقدّم المدعي العام بمذكرة بيَّن فيها موقف الادعاء العام من مسألة فصل قضيتي المتهمين كما سبق، وقالت هيئة القضاة بأنها ستفعل. وقال المدّعي العام بأنهم يريدون أيضاً فصل القضيتين لأنهم يجدون أن قضية الغريب لا تتبع للقضية الرئيسية، ولأنها -أي قضية الغريب- أصبحت جاهزة للبت فيها.

في اليوم التالي حضر محقق لدى الشرطة الجنائية الألمانية، كان يعمل على التحقيق في صور أقمارٍ صناعية التقطت لمقابر جماعية في منطقة القطيفة في ريف دمشق.

اقرأ المزيد: الادعاء العام يرفض اعتبار العنف الجنسي تعذيباً ممنهجاً

تحدث السيد كنابمان عن الإجراءات التي قاموا باتباعها للتأكد من هذه الصور التي قدمها لهم أحد الشهود عام 2019، حيث بدأوا أولاً بالبحث عنها من خلال تطبيقات خرائط غوغل إيرث، و خرائط آبل، وبعد أن تمت مطابقتها بصورٍ من التطبيقين تم تقديمها لمركز طيران الفضاء الألماني والكشف عن إحداثيات الموقع.

تُظهر الصور تمدّد مساحة المقبرة الجماعية في تلك المنطقة، وبناء حائط جديد، والخنادق المحفورة فيها والتي تجاوز طولها بحسب المحقق 100 متر بعرض ثلاثة إلى أربعة أمتار. سُئل الشاهد من قبل أحد محاميي الدفاع عن إمكانية أن تحتوي هذه الخنادق على مليون أو مليون وسبعمئة جثة، في إشارة منه للرقم الذي ذكره الشاهد “حفار القبور” سابقاً في شهادته، فأجاب السيد كنابمان بأن صور الأقمار الصناعية تظهر فقط طول وعرض الخنادق ولكن لا يمكن معرفة العمق من خلالها، وأردف: “لا يمكن تأكيد هذه المعلومة لأن الأمر يتعلق بالعمق، إن كان كافياً فمن الممكن أن تكون الأرقام حقيقية”. وبهذا تكون شهادة السيد كنابمان، والذي عمل على ملف التحقيق بخصوص المقابر الجماعية منذ بداية عام 2012 وحتى العام 2019، هي أول شهادة تدعم ما أدلى به الشاهد “حفار القبور” من معلومات عن موقع إحدى المقابر الجماعية التي دفن فيها معتقلون قضوا تحت التعذيب، وعن إمكانية أن تكون الأعداد التي ذكرها حقيقية وغير مبالغٍ فيها كما اعتقد البعض.